أيُّ دور للثقافة في هذه الأيام؟

أيُّ دور للثقافة في هذه الأيام؟

الأربعاء - 29 شهر رمضان 1439 هـ - 13 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14442]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
إنشاء وزارة للثقافة يشير إلى اهتمام مستجَدّ بهذا الحقل واعتباره مجال عمل مستقلاً. وخلال الأسبوعين الماضيين عرض العديد من المثقفين السعوديين رؤاهم في ما يخص الدور الذي يأملون أن تضطلع به الوزارة الجديدة. في السياق نفسه، تدعو هذه المقالة للتركيز على دور محدد، يناسب ما يراه الكاتب إيماناً مستجداً بين السعوديين، بالقدرة على خوض تجربة النهضة، بل والرغبة الشديدة فيها.
تتغير هموم المجتمع واهتماماته الرئيسية بين زمن وآخر، كامتداد لتغير مسارات الحياة فيه، أو كانعكاس لتحولات مماثلة تجري في المحيط، وتخلِّف آثاراً على رؤية المجتمع لقضاياه أو تعاملاته أو تفكيره في مستقبله.
عدا عن تحولات الاقتصاد، شهد المجتمع السعودي في السنوات القليلة الماضية تحولاً في المفاهيم، ناتجاً عن تغير اتجاهات التعليم، والاتساع الهائل في شبكات الاتصال ومصادر المعلومات. يتفق دارسو علم الاجتماع على أن أي حراك جديد في جانب من حياة المجتمع، كالاقتصاد والتعليم مثلاً، يهز البنى المستقرة في جوانب الحياة الأخرى. وهذا وذاك يسهمان في تغيير السلوكيات الفردية والقيم والتطلعات.
تحولات المجتمع السعودي في هذه الحقبة، لا تقتصر على «وسائل الحياة» كما حصل في فترات سابقة. فهي أوسع نطاقاً وأعمق تأثيراً، وتمتد إلى القانون والثقافة العامة والعلاقات الداخلية. حين تنظر في مواقع التواصل الاجتماعي، التي تكشف انطباعات عامة الناس عما يرون ويعملون في حياتهم اليومية، وعما يتطلعون إليه ويأملون فيه، سترى نوعاً من الإجماع الضمني على مفهوم «نحن قادرون». وفحواه أن مشاعر السعوديين متحدة في الإيمان بقدرتهم كمجتمع، على خوض غمار نهضة واسعة، تعيد تشكيل صورة بلادهم وموقعها على خريطة العالم الجديد.
في أوائل العقد الجاري تبنّى مجموعة من الشبان الدارسين في الخارج هذه الفكرة، واختاروا لها عنوان «ألا_نقدر». وبذلوا جهداً طيباً لنشرها. لكن يبدو أنها جاءت قبل أوانها فتعثرت. نستذكر هذه المحاولة الطيبة لتأكيد أن ما أراده نفر قليل يومذاك، أصبح اليوم مورد انشغال لعامة السعوديين ونخبتهم وحكومتهم معاً. وهو يؤكد أن المبادرات القيمة لا تضيع هباء، وأن تأثيرها سيظهر ولو بعد حين.
انتقال المجتمع من الشك إلى الإيمان بإمكانية النهضة وقدرته على حمل أثقالها، يولّد حاجات جديدة، أهمها الحاجة إلى توجيه هذا الإيمان نحو الأولويات التي تستحق العناء، وهي في اعتقادي ثلاث:
أ) التحول من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي ذي قاعدة واسعة.
ب) مشاركة المجتمع كله في تحريك عجلة النهضة وحمايتها واستثمار عائدها.
ج) تموضع العلم في قلب منظومة المعايير والقيم الاجتماعية، باعتباره هادياً ومرشداً للحراك الرامي لتشكيل صورة المستقبل.
هذه الأولويات الثلاث ليست من النوع الذي يتوصل إليه الناس بمجرد التأمل والتفكير في أحوالهم. فهي ليست من القضايا البدهية، وليست من المسائل المتداولة في النقاشات العامة. إنها تحتاج إلى جهد توجيهي واسع، يركز على لفت الرأي العام إلى أهميتها، وبيان تفاصيلها وجزئياتها، وحث الجمهور على أن يكون طرفاً فاعلاً في النقاش حولها. إذا نجحنا في هذا، فسوف يتحول الإيمان الأوّلي بالنهضة إلى توجه ذهني عام للمشاركة فيها. حين يكون المجتمع كله جزءاً من الحراك النهضوي، تتحول النهضة من دعوة إلى واقع يمشي على قدمين.
أعتقد أن هذه هي المهمة الرئيسية التي يجدر بوزارة الثقافة أن تتجه إليها وأن تعمل على إنجازها.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة