العدالة الاجتماعية والدواء السحري للعنف

العدالة الاجتماعية والدواء السحري للعنف

الأحد - 3 جمادى الآخرة 1439 هـ - 18 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14327]
د. آمال موسى
كاتبة وشاعرة تونسية
يُحيي العالم بعد غد (الثلاثاء)، اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية: يوم تتوقف فيه المجتمعات عند ما حققته في مجال العدالة الاجتماعية مقارنةً بالأمس ومقارنةً بمجتمعات أخرى. فكل شيء يدور اليوم حول العدالة الاجتماعية سواء كانت تلك العدالة قد أحرزت تقدماً وتراكماً مهماً أو أنّها ظلت جامدة رافضة التكيف مع التغييرات الاجتماعية وضرورة الاستجابة لحتمية التغيير في حدّ ذاتها.
لا يمكن النظر في مفهوم العدالة الاجتماعيّة دون تثمين فكرة العدالة نفسها بوصفها فكرة عريقة، مثّلت محركاً رئيسياً من محركات التاريخ وموضوعاً مركزياً لمشاريع نضالية ثوريّة عدّة.
فللعدالة مخيال إيجابي عند الجميع دون استثناء وذلك لما تنطوي عليه من مفاهيم ذات محمول إيجابي أيضاً مثل المساواة، كما أنّها تحيل إلى نقيضها، ونقصد بذلك الظلم والحيف والتهميش. وهي إحالة تعزز إيجابية العدالة وسموها، وهنا نستحضر المقولة العظيمة للعلامة ابن خلدون التي يقول فيها «العدل مؤسس العمران والظلم مؤذن بالخراب».
إذن العدالة هي قيمة أساسية في المجتمع وهي الضامنة لاستقراره وتوازنه، ومن دونها يكون العنف والاحتجاجات والثورات والانشقاقات باعتبار أن غياب العدالة الاجتماعية هو تعنيف رمزي ومادي بامتياز.
وعندما نتحدث عن العدالة الاجتماعية فنحن نعني بذلك جميع الأبعاد الاجتماعية للعدالة التي تشمل الحقول السياسية والاقتصادية والثقافية والحقوقية، أي أنها مفهوم شامل الأبعاد. من جهة ثانية من المهم الإشارة إلى أن تصور العدالة الاجتماعية كان رهين التصنيفات الثقافية والاجتماعية والدينية الخاصة بالمجتمعات المختلفة. لذلك فإنه لا نستطيع أن نتحدث عن واقع واحد للعدالة الاجتماعية في المجتمع الإنساني اليوم باعتبار أن السياقات السوسيولوجية والعقائدية المختلفة أنتجت واقعاً متعدداً ومتفاوتاً للعدالة الاجتماعية في الخريطة الدولية للعالم الراهن.
ولكن هناك نقطة مهمة تم تحقيقها بفضل الحداثة ومنظومتها القيمية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث أصبحت هناك شروط ومعايير واضحة ومحدّدة في التشريعات والاتفاقيات الدولية للعدالة الاجتماعية. وأهم ما في هذه الشروط أنّها تعالت على فكرة الخصوصيات التي بقدر واقعيتها بالمعني السوسيولوجي الثقافي، إلا أنّها في الحقيقة تمثل عائقاً أمام المساواة والمواطنة العادلة الحقوق والواجبات. لذلك يمكن الاستنتاج أن قيم الحداثة التي تعطي الأولوية للفرد ولعقله ولحريته والانتصار له على حساب المؤسسات الاجتماعية، إنّما تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية للأفراد والمجتمعات.
طبعاً ككل القيم الكبرى تتضمن فكرة العدالة الاجتماعية جرعة من المثالية تجعل من الذين لا تتماشى مصلحتهم معها ينتقدونها ويعتبرونها غير واقعية، متجاهلين أنه لا يمكن لأي واقع اجتماعي أن يصبح قابلاً للعيش والتعايش دون أن يتوفر فيه الحد الأدنى من العدالة، وكلما ارتفع منسوب الحد الأدنى ضَمِن المجتمع الاستقرار وسد الطريق أمام الأسباب المنتجة للتعبيرات والممارسات العنيفة. بمعنى آخر، فإن العدالة الاجتماعية تحصين ضد مشاعر الظلم وتقليص لأشكال التمايز الاجتماعي.
كما أن العدالة الاجتماعية ليست شعاراً فضفاضاً يمكن الإيهام به دون مراقبة. فهي مؤشرات ملموسة ووقائع وتشريعات تضمنها المجلات القانونية والدساتير والاتفاقيات الدولية؛ فهي تعني المساواة بين جميع الأفراد في فرص العمل، والمساواة بين الجنسين في الحقوق، والمساواة بين جميع الناس وعدم التمييز على أساس العرق أو الدين.
وإذا ما تعمقنا قليلاً في جوهر فكرة العدالة الاجتماعية فإننا سنلاحظ أن أغلب مظاهر التوتر الحاصلة في المجتمعات اليوم، وبشكل خاص الفضاء العربي الإسلامي، إنما تعود إلى عدم المساواة بين الجنسين، وإلى عدم العدالة الاجتماعية بين المنتمين إلى أعراق وأديان مختلفة.
طبعاً هناك بلدان قطعت أشواطاً في مسار العدالة الاجتماعية، ولكن في الحقيقة الخطوات بطيئة ولا تراعي دقة اللحظة العالمية وسرعة التغييرات الحاصلة. أي أن معظم الخطوات التي قُطعت هي تشريعية بالأساس، وهذا طبعاً في غاية الأهمية، ولكن الممارسات الاجتماعية المتصلة بالعدالة الاجتماعية ظلت متخلفة نسبياً، وهو ما يزيد من أهمية أن تكون فكرة العدالة الاجتماعية من مضامين التنشئة الأساسية لمؤسسات مثل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام وغيرها.
لقد اختارت منظمة الأمم المتحدثة أن يكون الاحتفال باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية بعد غد من خلال التوعية بظاهرة تنقل العمال طلباً للعدالة الاجتماعية. وهو موضوع يتماشى مع المشكلات التي يعاني منها العمال المهاجرون في العالم، علاوة على أنه يشير إلى فكرتين مهمتين؛ الأولى، أن العمل أهم وجوه العدالة الاجتماعية، أي الحق في العمل والحق في الكرامة المادية. أما الفكرة الثانية التي نقرأها من خيار الهجرة بحثاً عن العدالة الاجتماعية، فهي أن هذه الأخيرة عندما لا نجدها في بلداننا فإننا نبحث عنها خارجها وأحياناً نجد العمل ولكن لا نجد العدالة الاجتماعية، عندما يواجه المهاجر واقعاً يمنحه فرصة العمل لا غير.
الملاحَظ أن موضوع العمال المهاجرين في العالم والذين يبلغ عددهم -حسب الإحصائيات الأخيرة لمنظمة الأمم المتحدة- 150 ألف عامل مهاجر على الأقل في العالم، إنما يجعلنا ننتبه إلى أن العدالة الاجتماعية ليست فقط موضوعاً وهاجساً ومشروعاً يهم دولة ومجتمعاً، بل هو أيضاً هاجس إنساني بعد أن تحول العالم إلى قرية صغيرة وسقط المعنى التقليدي للحدود، أي أن مفهوم العدالة الاجتماعية بات يعرف ما يسمى «الأنسنة»، حيث ساهم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في التمهيد لها بقوة.
إن إنسان اليوم أكثر بحثاً عن العدالة الاجتماعية لأن تزايد الفردانية من جهة، وانتشار قيم المواطنة بوصفها شروط الانتماء إلى العالم اليوم من جهة أخرى، قد جعل الانخراط في مسار تحقق العدالة بين الفئات الاجتماعية حلاً لا مفر منه، ودواءً سحرياً للعنف والتوترات.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة