هنيئاً لهم

هنيئاً لهم

الجمعة - 30 جمادى الأولى 1439 هـ - 16 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14325]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
ليست فنلندا بين البلدان التي أحببتها أو أردت العودة إليها. فقد كان ثلجها لصيقاً، وغاباتها معتمة لا يضيئها إلا بياض الثلج. وقبل أن أسافر إلى هلسنكي أوائل الثمانينات، كنت أذكر عنها مقالات الصادق النيهوم التي تحفر الحزن والأسى في العظام. ولكن ها هي «الغارديان» تقول اليوم إن 5.5 مليون فنلندي يؤلفون أسعد بلدان العالم وأكثرها أمناً وحرية. وفي دراسة دولية وضعت العام الماضي لمناسبة مرور مائة سنة على استقلالها، خلص الباحثون إلى أنها «الأكثر استقراراً والأكثر أمناً والأفضل حكماً في العالم».
إنها أيضاً الثالثة بين الدول الأكثر ثراءً، والثالثة بين الأقل فساداً، والثالثة بين الأكثر عدالة اجتماعية. نظامها القضائي الأكثر استقلالية في العالم، شرطتها الأكثر موثوقية، مصارفها الأكثر ضمانة، شركاتها الأكثر أمانة، ومواطنوها يتمتعون بأعلى مستوى من حرية الخيار وأرفع مستوى معيشي.
في المساواة بين الجنسين؛ فنلندا هي الثالثة. ما هو السر؟ ليس من سر سحري. لكن الطبيعة القاسية هي أحد الأسباب. إنها ترغم الناس على العمل والجد. وربما «هي ما يدفع المجتمع إلى أن يكون تعاونياً» كما يقول بروس أوريك، الذي كان سفير باراك أوباما، ثم قرر السكن والتوطن هناك، بعد تقاعده.
سر آخر هو النظام التعليمي الحر. جميع الزعماء السياسيين، في المعارضة أو الموالاة، كانوا من الأكاديميين، «وزعيم الحركة الوطنية كان أستاذاً في الفلسفة». منذ الاستقلال كان 30 في المائة من الرؤساء و50 في المائة من رؤساء الحكومات أساتذة جامعيين. 42 في المائة من أعضاء البرلمان نساء.
عنصر آخر «حكمة القادة وحبهم لوطنهم». الناس تنتقد الحكومة «لكنها تثق بها». وبعد انهيار الجار السوفياتي في التسعينات ازداد ازدهار الاقتصاد في معدل متسارع لم يعرفه بلد إلاّ اليابان. وتصرف فنلندا 31 في المائة من دخلها القومي على الرعاية الاجتماعية.
يجب ألا تأخذ بانطباع واحد مثلي وصل إلى هلسنكي في يوم كئيب. أو بشاعرية الصادق النيهوم الذي تزداد كآبته يوم يتذكر في هلسنكي «سوق الحشيش» و«سوق الظلام» في بنغازي، التي سافر منها حاملاً شعره الأفريقي الكث وضحكته السمحة وقلماً يذرف عبقرية.
يجب أن نفهمه عندما يكتشف أن سبتمبر (أيلول) هبط على غربته في هلسنكي «جاء يدبّ وراء عكازه من أقصى القطب، ويهش الطيور بعصاه، وأسراب البجع والسردين واللاجئين والبط وأسماك الشلبه المفقودة العينين. أنا أسمع وقع خطاه وراء ظهري عبر سحب التبغ في حانات هلسنكي، وصراخ النوارس في المرافئ الشمالية، والحكايات، والكلاب الضالة، وشباك الصيادين الممتدة على طول مناطق السردين».

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة