«لا صديق للأكراد إلا الجبال»

«لا صديق للأكراد إلا الجبال»

الاثنين - 5 جمادى الأولى 1439 هـ - 22 يناير 2018 مـ رقم العدد [14300]
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
كان ظهور «داعش» مصيبة كبرى ابتليت بها المنطقة. لكن انحسار هذا التنظيم الرهيب أعاد التذكير بحقيقة مرة، وهي أن مصائب المنطقة لم تبدأ مع «داعش» لتنحسر بانحساره. ولا مبالغة في القول إن «داعش» شكل بممارساته الدموية الهمجية ستاراً من الدخان أتاح لقوى كثيرة إخفاء الأسباب الحقيقية لحرصها على التسلل إلى الملعب السوري أو التدخل فيه علانية.
غياب «داعش» طرح على القوى التي تستبيح الأراضي السورية، بطلب أو من دون طلب، سؤالاً واضحاً: ماذا تفعل في سوريا؟ وإلى متى سترابط هناك؟ وما برنامجك الحقيقي ومطالبك العميقة؟ وليس سراً أن إيران لم تتدخل في سوريا لمحاربة «داعش». وأن روسيا لم تتدخل هناك فقط لإبعاد خطر «داعش». ويمكن أن يقال الأمر نفسه عن الأميركيين وعن كل هذه القافلة من الأعلام الغريبة التي ترابط على الأرض السورية.
مؤلم للسوري والعربي معاً أن تتحول سوريا ساحة لتصفية الحسابات في كل أنواع الحروب المعلنة أو المستترة. وأن تتحول أجزاء من الأرض السورية والشعب السوري إلى مجرد أوراق يتم تحريكها من قبل قوى إقليمية أو دولية. كشفت المأساة السورية هشاشة هذا البلد الذي كانت له قبل اندلاع الأحداث فيه صورة القلعة محكمة الإقفال في وجه لاعبي الخارج. كشفت أيضاً هشاشة الدول المحيطة بسوريا وسعيها إلى تبديد مخاوفها عبر حجز مواقع لها على أرض سوريا وإطلاق حروب بديلة هناك.
كان واضحاً في الشهور الماضية أن التطورات السورية بددت الأحلام السابقة للرئيس رجب طيب إردوغان وبينها حلم رؤية سوريا بلا الرئيس بشار الأسد. نجح فلاديمير بوتين في تحويل حادث إسقاط قاذفة روسية بصاروخ تركي إلى فرصة لتطويع سياسات تركيا السورية. وهكذا انتهى الأمر بتركيا شريكة مع روسيا وإيران في رعاية مسار «سوتشي» الذي يهدف أساساً إلى حرف مسار «جنيف» والالتفاف عليه. من حزمة الأحلام السابقة احتفظ إردوغان بحلم وحيد هو نسف المكاسب التي حققها أكراد سوريا على حدود بلاده. ولم يتردد دبلوماسيون في القول في الشهور الماضية إن إردوغان يستطيع التعايش مع سوريا إيرانية - روسية يحكمها الأسد، لكنه لا يستطيع التعايش مع إقليم كردي في الجانب السوري من الحدود مع بلاده.
والحقيقة أن تطورات السنوات الثلاث الأخيرة أوقعت الأكراد في مزيج من الأحلام والأوهام. اعتقدوا أن الدور البارز الذي لعبوه في مقاومة «داعش» في العراق وسوريا والذي كلفهم آلاف القتلى والجرحى أعطاهم شرعية لم توفرها لهم معاركهم السابقة سعياً إلى نيل حقوقهم واحترام تطلعاتهم. ولعلهم ذهبوا بعيداً في الاعتقاد أن دورهم في التصدي لـ«داعش» أعطاهم نوعاً من الحصانة ضد حملات التأديب التي كانت جيوش دول المنطقة أدمنت القيام بها ضدهم كلما انتفضوا معترضين على تكريس موقفهم كمواطنين من الدرجة الثانية داخل هذه الدولة أو تلك. وقد يكونون توهموا أن من مدّهم بالسلاح لمقاتلة «داعش» سيكون ملزماً بتوفير مظلة لهم تقيهم غضب الجيوش التي تعتبر خطر «داعش» عابراً وخطر الأكراد مقيماً ودائماً.
إطباق الجيش التركي وحلفائه المحليين على منطقة عفرين أمس، ذكرني بقول سمعته مرات في السابق ومن أكراد العراق وسوريا معاً، وهو أن «لا صديق للأكراد إلا الجبال». وذكرتني خيبة الأكراد السوريين أمس من روسيا بخيبة الأكراد العراقيين سابقاً من أميركا.
في 19 يونيو (حزيران) الماضي نشرت «الشرق الأوسط» حديثاً مع السفير الأميركي الأخير لدى سوريا روبرت فورد، أجراه زميلنا إبراهيم حميدي، وتكررت بعده إطلالات فورد في صفحات الرأي في صحيفتنا.
قال فورد: «أعتقد أن ما نقوم به مع الأكراد ليس فقط غباءً سياسياً بل غير أخلاقي. الأميركيون استخدموا الأكراد لسنوات طويلة خلال حكم صدام حسين. هل تعتقد أن الأميركيين سيعاملون (الاتحاد الديمقراطي) و(وحدات حماية الشعب) في شكل مختلف عما عامل به (وزير الخارجية الأسبق) هنري كيسنجر الأكراد العراقيين (عندما تخلى عنهم)؟ بصراحة. مسؤولون أميركيون قالوا لي ذلك. الأكراد السوريون يقومون بأكبر خطأ لدى ثقتهم بالأميركيين». وأكد أن واشنطن ليست في وارد استخدام الجيش الأميركي للدفاع عن إقليم كردي في سوريا.
دائما يرجع الأكراد بالخيبة من رهاناتهم. تتغير أشياء كثيرة ولا يتغير موقعهم في دائرة الخاسرين. ثمة حقائق جغرافية صارمة لا يخفف من وطأتها سقوط نظام أو ذهاب حاكم ومجيء آخر. بعد انتصار الثورة الإيرانية ابتهج الأكراد بغياب الشاه. شجعهم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات على الاتصال بقيادة الثورة ورتّب لهم موعداً. استقبل الخميني الوفد الكردي الرفيع الذي جاء للتهنئة. بعد التهنئة والمجاملات أشار الوفد الكردي إلى الوضع الصعب لأكراد إيران. ردّ الخميني أن المشكلة لن تكون مطروحة بعد التغيير الذي حصل، «فالثورة إسلامية وللجميع وليست لأبناء قومية أو عرق». ولا حاجة إلى سوق الأدلة على أن أوضاع الأكراد في إيران لم تتغير.
أكثر من ذلك. كانت بعض الأنظمة تلجأ أحياناً إلى دعم الأكراد خارج حدودها وتحتفظ بسياسة كتم أنفاس الأكراد داخل حدودها. فدعم النظام السوري لعبد الله أوجلان ضد السلطات التركية لم يدفع دمشق إلى تغيير سياستها حيال أكرادها. قبل سنوات، أطلق إردوغان من كردستان العراق تصريحاً استثنائياً قال فيه: «إن زمن تجاهل حقوق الأكراد ولى إلى غير رجعة». اليوم تتقدم القوات التركية لإقامة حزام أمني داخل الأراضي السورية لإبعاد الأكراد عن حدودها. تتناسى أنقرة أن هذا النوع من الانتصار على الأكراد لا يفعل غير التأسيس لصدامات جديدة حين تتغير الظروف.
ذات يوم حاول الرئيس العراقي السابق جلال طالباني إقناع طارق عزيز وزير خارجية صدام أن للأكراد حقوقاً قديمة في كركوك تجب مراعاتها، فجاءه الرد صاعقاً: «ليس لكم في كركوك غير حق البكاء عليها كما بكى العرب الأندلس ألف عام».
عبر عملية عفرين (وهي جزء من منطقة جبل الأكراد) تشهد المنطقة فصلاً جديداً من فصول الحرب السورية. لا الحروب تلغي أسباب النزاع ولا تمزيق الخرائط يشكل حلاً. انحسر «داعش» ووجدت المنطقة نفسها أمام نزاعات أخطر وأعمق. بعد شهور من تأديب أكراد العراق ها هي تركيا تؤدب أكراد سوريا. «لا صديق للأكراد إلا الجبال».

التعليقات

خالد الهواري
البلد: 
السويد
22/01/2018 - 00:01

مقال جدير بالاحترام , انت كاتب موضوعي وجاد في وقت تسعي فيه الاقلام التي ظهرت علي الساحة الصحفية العربية مثل الطفح علي الجلد , وتكتب بمداد من السمسرة اصطياد الاحداث علي رغم كارثيتها لتحقيق المكاسب الرخيصة وتصفية الحسابات , وطرحت القضية بمستوي احترمت فيه عقل القراء في وقت تعاني فيه الاجيال الحالية من عدم القدرة علي التفريق بين الغث والسمين واختلطت امامهم الحقائق وتشتت المفاهيم , ووضعت النقاط علي الحروف في قضية من اهم واخطر القضايا التي يعيشها الواقع العربي والانسان والتاريخ العربي في الوقت الحالي وكشفت بجدية قلم حيادي نأي بنفسه عن الدخول في المساحات الضيقة من الصراعات المزيفة التي تخفي الاقنعة المتعددة من وراءها اهداف استراتيجية لتحقيق الهيمنة والتوسع في النفوذ والزعامة الوهمية التي لم تقدرها المقادير لها او توهبها ملكاتها الانسانية

خالد الهواري
البلد: 
السويد
22/01/2018 - 00:11

الفرصة مواتية الان لاعادة ترتيب البيت العربي بحرق كل الاوراق الصفراء , بتطهير الواقع العربي من اكاذيب الانظمة الزائفه صاحبة المشروعات المغشوشة وبضاعتها الفاسدة التي تروجها في اسواق المغيبين الذين ينساقون وراء الاكاذيب مثل انسياق الفئران خلف عازف الناي , وتعرية الجهات التي تقف من وراءها وتدعمها وتجعل منها مخلب قط ينهش في الامن والاستقرار العربي والاسلامي , الفرصة مواتية الان امام اصحاب الفكر الحر والمحافظين علي هويتهم والمؤمنين بحق اوطانهم في الحياة الحرة الكريمة ان يطهرون الواقع العربي من هوس الانظمة الصبيانية التي تريد ان تحقق غاياتها الرخيصة علي حساب سفك دماء ونهش اشلاء الابرياء من الشعوب التي اصبحت الان فريسة للموت والتشريد في اركان الكرة الارضية , ربما تكون بارقة امل ضعيفة ولكن سنظل نحلم ان يتحقق الحلم العربي

كاظم مصطفى
البلد: 
الولايات المتحده الاميريكيه
22/01/2018 - 00:18

وقبل هذا باع شاه ايران اكراد العراق لصدام حسين بعد ان كان دعمه لهم بالاسلحة والمال كبيرا وبعد ان حصل الشاه من صدام المنطقه الحدوديه
لسيف السعد النفطيه وعلى نصف شط العرب في اتفاقية الجزائر وكان تبرير صدام لتنازله من انه لم يعد لديه قنبلة واحده لمحاربة الاكراد .فعلا الاكراد لا صديق لهم سوى جبالهم وهم جنود يوما لايران واخرلتركيا وروسيا وامريكا

رشدي رشيد
22/01/2018 - 07:22

مقال رائع تنصف حقوق اكثر من أربعين مليون كردي تم تقسيمهم من قبل بريطانيا بعد الحرب العالمية الاولى والثانية بين اربع دول معروفة بتعصبها القومي وهم الفرس والاتراك والعرب. لقد عاقب الإنجليز الاكراد لأنهم حاربوا الجيش البريطاني في حينه ولم ينسى الإنجليز ذلك الى يومنا هذا. الأحداث الذي يمر بها الاكراد من قتل وتهجير وتهميش تأتي من هذا المنطلق والغضب البريطاني على هذا الشعب الى يوم الدين. لقد استغل الامريكان أكراد العراق لعقود وآخرها ضد داعش ولكنهم أي الامريكان تخلوا عنهم لصالح حكومة بغداد وملالي ايران بعد إنجاز مهمتهم مما حدى بنيجرفان البرزاني الى تقديم الطاعة لبغداد بعد تقبل الايادي في طهران كي تنضم أكراد العراق وخصوصا الحزب الديمقراطي الذي كان عاصيا على ايران، الى قافلة بقية الأحزاب الكردية الذي تحت سيطرة ايران ومن ضمنهم أكراد تركيا، يتبع

رشدي رشيد
22/01/2018 - 07:35

أما أكراد سوريا فقد تم خداعهم من قبل الروس والامريكان حالهم حال اخوانهم في العراق لمحاربة داعش والارهاب والنتيجة تقديمهم كلقمة سائغة لتركيا ليطمر احلامهم والى الأبد. والحال نفسها مع أكراد ايران والذي يعدم منهم النظام الايراني العشرات أسبوعيا. من المؤكد بأن الاكراد لا صديق لهم ولا معين وأنهم من المغضوبين عليهم. نصيحة للأكراد عدم الاعتماد على القوى العظمى لأنهم ببساطة قوى لا ضمير له ولا شرف ولا مبادئ إنسانية ولا هم يحزنون وليحتفظ الاكراد بهذه الدروس القاسية ويعلموا الأجيال القادمة بالخيانات التي تعرضوا لها. عليهم التحلي بالصبر والانصياع الى الانظمة التي تحكمهم في الدول التي انقسموا فيها وتقديم الطاعة والأهم توحيد الصفوف و سرا بين الأجزاء الأربعة الى أن يأتي يوم الفرج فهم فعلا لا صاحب لديهم غير الجبال. ليعلموا ويحظروا أجيالهم لذلك كي لا ينسوا.

Suleiman aldrisy
البلد: 
libya
22/01/2018 - 07:49

نعم لا صديق للأكراد إلا الجبال التي سوف تقتلعهم الي البحر لكي يموتوا غرقا مثل ما مات الشعب السوري الاكراد يدفعون ثمن خروج البطل صلاح الدين الأيوبي من قومية الأكراد الذي قضي علي حلم الصليبيين في بيت المقدس أنهم شعب لا وطن لهم والكل ينبذهم ويخاف منهم عندما يحتجونهم يغدقوا عليه بالوعود والوطن القريب وعندما تنتهي المعركة يتخلون عنهم منذ قرن وهم علي هذه الحالة

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
22/01/2018 - 08:29

مقالك هذا الصباح يا أستاذي الفاضل يعيدنا الي الوراء الي عام 2008,حينها كتب الدكتور فصيح بدخان الذي كان رئيس المركز العلمي للحوار الروسي العربي في أكاديمية العلوم الروسية : أمريكا ليست وسيطا نزيها للسلام وعلي الأكراد الا يتوهموا أن العراق أحتل لسواد عيونهم"والأمر نفسه ينطبق علي بقية الدول في المنطقة،ودخول روسيا الي سوريا أيضا ليس لأجل سوريا ولا لأجل السوريين،بل لروسيا مصالح كما لديها إستراتيجية عسكرية وتجارية للمدي البعيد. ويقول الدكتور عن العلاقة الروسية العربية ما يلي : من يعرف دقائق التاريخ في هذه المنطقة يتفهم أن شعوبها تاريخيا كانت تتوجه عموما نحو الشمال لأنني أعتبر أن هناك خصائص كثيرة مشتركة تطبع العلاقات بين الروس والعرب لعل أهمها القرب الحضاري حيث الإسلام والآرثوذكسية عاشا دائما ليس في جوار فحسب إنما إختلاط دائم )

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
22/01/2018 - 08:36

وهذا النوع من التقارب ليس واردا في عصر بوتين،لأن الرجل لم يعد يؤمن الا بالقوة العسكرية ومصالح الدولة الروسية التي تتطلع الي أسواق تجارية تروج فيها لبضاعتها سواء كانت عسكرية أو مدنية.والسيد بوتين يسعي لمنافسة أمريكا وبريطانيا وفرنسا والمانيا في الشرق الأوسط،يسعي الرجل الي بناء علاقات قوية مع الدول العربية ليقيم خارج روسيا قواعد عسكرية علي الأقل لضمان مصالح روسيا،ليس الا. وشكرا

جنى الملة
البلد: 
العراق / بغداد
22/01/2018 - 17:19

" لا صديق للأكراد إلا الجبال "
صدقت . سنأوي الى الجبال وهي مَن سيعصمنا هذه المرة لأننا اصحاب حق وايمان بقضية وسنبقى ها هناك ليس بالكثير لحين زوال طوفان المذهبية ومعاداة الكوردية anti - kurdism .
الاستاذ غسان ..
لا اقول كغيري بأنك تتعاطف مع الكورد بل اقول بأنك تعتني كثيرا بنظافة نظاراتك .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة