موعد الوفاة

موعد الوفاة

الأربعاء - 1 جمادى الأولى 1439 هـ - 17 يناير 2018 مـ رقم العدد [14295]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
أتأمل أحياناً في مسيرة أشخاص مثل سليمان الراجحي المصرفي السعودي المعروف، وجيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون»، ومراد أوميدبار مؤسس منصة «إيباي»، وجاك ما مؤسس منصة «علي بابا» الصينية، وستيف جوبز مؤسس شركة «أبل». أتساءل: ما الصفة التي يشترك فيها هؤلاء الرجال، حتى فتحوا عالم المال والنجاح؟
قرأت عن كل هؤلاء واستمعت لحديثهم، فوجدتهم جميعاً يشيرون إلى الصفة التي سوف أسميها «اصطياد اللحظة». هذا تعبير يعرفه محترفو التصوير. لكنه قابل للتطبيق في مختلف مجالات الحياة. ثمة أشخاص يدركون الفرص التي تتاح في لحظة من اللحظات، فيقبضون عليها في وقتها، فتنقلب حياتهم رأساً على عقب. وثمة أشخاص تمر بهم عشرات الفرص، فلا يدركون قيمتها، فتذهب إلى غيرهم.
مناسبة هذا الكلام هو مقال الأستاذ خالد المالك، رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة»، الذي قال إن الصحف المحلية استنفدت خياراتها ولم تعد قادرة على الاستمرار، ما لم تحصل على دعم مالي من الدولة («الجزيرة» 11 يناير/ كانون الثاني 2018).
أثار المقال جدلاً كثيراً في الوسط الإعلامي. وقرأت حتى الآن أربعة مقالات في التعليق عليه.
نعلم أن الصحافة المحلية تواجه أياماً صعبة، فقبل أسابيع قليلة توقفت صحيفة «الشرق» اليومية، التي كانت تصدر في مدينة الدمام.
معظم الذين علقوا على مقالة الأستاذ المالك، ساندوا مطالبته الحكومة بدعم الصحف. انطلاقاً من تبرير رئيسي يدور حول استمرار حاجتنا إلى وسائل صنع وتوجيه الرأي العام.
في رأيي أن الصحافة المحلية فشلت في اصطياد اللحظة التاريخية التي أطلقتها ثورة الاتصالات، فانفصلت عن جمهور المستهلكين الجديد، وبالتالي فلم تعد أداة فعالة لتوجيه الرأي العام.
في 1989 نشر عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاسلز كتابه «المدينة المعلوماتية (The Informational City)»، الذي جادل بأن انتشار الإنترنت على مستوى العالم، سيغير أبرز النماذج المرجعية لحياة الإنسان المعاصر، أي نموذج المعرفة/ الذهنية، ونموذج الهوية/ الذات، ونموذج الإنتاج والاستهلاك/ العلاقة مع الغير. في أعماله اللاحقة قدم كاسلز نظرية متكاملة عن «المجتمع الشبكي»، أي المجتمع الذي يسير حياته من خلال الإنترنت، بوصفه عالماً جديداً، يستوعب مقومات العالم التقليدي، لكنه يتبع مسارات ومناهج عمل وقيماً مختلفة، وينتج تبعاً لهذا، نتائج مغايرة.
نعلم طبعاً أن جميع الصحف لديها مواقع على الإنترنت. ونعلم أيضاً أن هذه المواقع مجرد صورة رقمية عن الصحيفة الورقية. فهي لا تنتمي لعالم الشبكات الجديد ولا تقدم شيئاً لمستهلكيه. لقد كانت مجرد خدمة إضافية للقارئ التقليدي الذي اعتاد على الورق.
أما الجيل الجديد الباحث عن مادة تحاكي نموذج المعرفة الجديدة، ونموذج الهوية الجديدة، ونموذج الإنتاج الجديد، فإنه بالتأكيد لن يجد مبتغاه في صحافة الورق الإنترنتية.
زبدة القول أن مشكلة الصحافة المحلية لا تكمن في الورق ولا الإنترنت. بل في انتمائها لنموذج حياة يوشك على الأفول.
تدهور الصحف ليس ناتجاً عن ارتفاع التكاليف، بل لأن العالم الذي تخاطبه قد أفل. ولذا فإن ضخ المال فيها لن يؤدي إلا إلى تأخير الوفاة الحتمية لبضعة أشهر أو بضع سنوات.
التنفس الاصطناعي ليس علاجاً. العلاج في تصميم نموذج جديد لأدوات صناعة الرأي العام، قادر على استيعاب التحولات العميقة في مجتمع اليوم والقيم المؤسسة له ومناهج عمله. هذه مهمة لا يستطيع أهل الصحافة القائمة إنجازها، لأنهم ينتمون إلى عالم مختلف عن عالمها.

التعليقات

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
17/01/2018 - 04:49

(لايغير الله ما بقوم ى حتى يغيروا ما بانفسهم ) صحافتنا العربية حتما ستموت قريبا اذا كان هذا اسلوب معظم الصحف العربية فقدت الجاذبية والمصداقية بل اصاب بعضها الجمود ولازلنا نقرا الاخبار ( التقى الرئيس الفلانى مع الرئيس الفلانى وتناولت العلاقات بين البلدين وسبل تطويرها ) وهما فى الاصل لم يتفقا على شىء ولولا الحياء والبروتكلات الدولية لما ودعه فى المطار الصحافة فى الغرب تهز اركان الدولة وتكشف الفساد وتنتقد مهما كان المنصب حتى جعلت ترامب يفقد اعصابه ويرسل قذائفه الكلامية الصحافة الان اصبحت فى ظل تقنية الانترنيت فى امتحان وتحدى والا فعلا ستنهار امام جيل ياتيه الغث والسمين داخل غطاءه وفى غرفته

محمد -حماده
البلد: 
مصر
17/01/2018 - 06:30

عملاق - الله يجزاك خيرا - هذا افضل مقال قرأته

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
17/01/2018 - 09:58

أرهقنا التنظير وأحبطنا من أولئك أوائك الذين (لا) ولاء لهم ، علما بأنهم قادرون على اصطياد اللحظة ، فهم مهنيّون محترفون ويدركون كُنه الأشياء ، ولكن ينقصهم الإقدام للبدء بالتنفيذ ، ولن تاتي تلك اللحظة ما داموا يعلمون و يخافون في الوقت ذاته من أشياء غيبية بالنسبة لهم ولنا ، مع أنها ليست كما يظنون في من افتقار في الغيب ، فمن يقرأ الاحداث بشكل موضوعي وعلمي يعرف ما هو آت ، فهل من متتصر لاصطياد اللحظة ؟ ، لا أعتقد

جورج تاون
البلد: 
سعودي
17/01/2018 - 19:56

الصحافة العربية
كيف تفكر؟
هل تقوم على الحكمة والفلسفة؟ ام على المهنية والاحترافية؟
الفلسفة اذا لم تنافس الوسيلة تموت الفلسفة والوسيلة.
صناعة الراي في عالم سريع التغير فلسفة تتغير بسرعة اعلى من الوسيلة ؟

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة