كم من كتاب للنار والغضب

كم من كتاب للنار والغضب

السبت - 25 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 13 يناير 2018 مـ رقم العدد [14291]
عبد الرحمن شلقم
وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق لدى الأمم المتحدة
كتاب في أميركا ملأ الدنيا وشغل الناس قدر ما أغضب الرئيس ترمب، وهزّ المكونات السياسة الأميركية والدولية. لماذا؟ عرض على مساحات الضوء ما كان في غرف مغلقة صامتة.
السياسة لوحات بعضها في ردهات، يتحدث فيها الرجال بلغة بلاستيكية نمطية مكرورة، وكثير منها خطوط على خرائط مشفرة. القرار، تكوين خاص، فيه الحياة والموت والأرباح والخسائر. من يعلم ماذا قال هتلر لقرينه هيرمان غورينج قبل قراره الهجوم على فرنسا؟ قالوا إن هتلر في آخر لقاء له مع موسوليني لم يتحدثا في أمور السياسة أو الحرب بل تحدثا في الفن والأدب!! في نهاية اللقاء نظرا إلى بعضهما، تبسم هتلر، رد موسوليني الابتسامة. عندما ساحت الخسائر العسكرية فوق تراب الاتحاد السوفياتي أمام الزحف النازي وانهالت الهزائم، تحدث الجنرالات الروس في همس إلى بعضهم، اشتكوا من تفرد ستالين بالقرار العسكري وهو الجاهل بالأمور العسكرية. قرروا أن يتحدثوا إلى الزعيم ستالين. ذهبوا له مفوضين الجنرال جوكوف أن يتحدث بصراحة وجرأة مع الرهيب ستالين كي يترك التكتيك والعمل العسكري للجنرالات المحترفين. فعلوا، وترك ستالين الأمر العسكري للجنرال جوكوف. هذا ما حدث، لكن من شهد اللقاء، ماذا قيل فيه؟ ترك ستالين القيادة العسكرية للجنرال جوكوف، كيف؟ لماذا؟ قاد الجنرال القوات السوفياتية من موسكو إلى حفرة هتلر في برلين، لكن التفاصيل تبقى في حفرة المجهول بعد عودة رئيس الوزراء البريطاني تشمبرلين من اجتماع ميونيخ مع هتلر رفع يديه مهللا بتحقيق السلام وتخطي لهيب الحرب. لكن هتلر أكل الاتفاق وقضم معه التشيك وبولندا. الوثائق أظهرت العموميات لكن تفاصيل اللقاء بين هتلر وتشمبرلين ابتلعها الماضي الذي غطته دماء الحرب الثانية.
السياسة كيمياء المعلوم والمجهول... قوافل السر وسر الأسرار منذ أرسطو إلى أبد الآبدين. هناك تابو، اسمه أسرار الدولة، بعضه يرفع الغطاء عنه بعد سنوات محددة، وكثير يبقى طي قبور الصمت. تلك هي ماكينة القرار المعتاد. الدولة آلة، تقودها الأسرار. خزانة الحقائق التي لا يملك مفتاحها الأحياء. الأموات مفاتيح مقبورة. أتذكر مواقف كثيرة. أحياناً أضحك وأحياناً أصمت مبهوتاً أمام صور من الماضي. عام 1974 كنت صحافياً شاباً، رافقت الرائد عبد السلام جلود الرجل الثاني في ليبيا، وكان في جلساته الخاصة يقول عن نفسه إنه الرجل الأول مكرر. رافقته في رحلة إلى الاتحاد السوفياتي، كان الاستقبال مهيباً ورائعاً، حفلة العشاء بدعوة من الزعيم ليونيد بريجينيف، الكرملين قلعة القوة والقيادة، جلسنا على طرفي الخوان الفخم، الوفد الليبي مقابل الوفد السوفياتي. قال المترجم بلغة عربية بها نفس شامي: هل هناك من يدخن؟ صمت من الطرفين الليبي والسوفياتي. قلت بصوت نصف عال: نعم أنا أدخن، همس بريجينيف في أذن المترجم، نظر إلى الشاب النحيل في خشوع، وقال: تفضل يا أستاذ، تعال هنا. ضرب بريجينيف بيده على كتف أحد الجالسين السوفيات إلى جانبه، نهض الرجل الذي يغطي رأسه الشيب مسرعاً، ترك كرسيه، أخذني مسؤول المراسم إلى الكرسي الملاصق لبريجينيف. نظر إلىَّ كل أعضاء الوفد الليبي باستغراب. جلست ببراءة بجانب زعيم القوة الثانية في العالم ليونيد بريجينيف بهدوء. بدأنا الأكل، قال المترجم هل معك سجائر قلت نعم، قال أشعل واحدة؛ أشعلت السيجارة. قال المترجم: انفث الدخان في هذا الاتجاه، فعلت. ظل يردد، انفث في هذا الاتجاه، في وجه بريجينيف، فعلت. أطفأت السيجارة الأولى، قال المترجم: أشعل السيجارة وانفث الدخان في وجه الزعيم. توجهت نحوي أنظار الوفد الليبي، لكن الوفد السوفياتي انهمك في الأكل والشراب. بعد الانتهاء من الحفل تسابق أعضاء الوفد الليبي نحوي يتساءلون عن القصة كما سموها. قلت لهم أمرني قائد القوة الثانية في الدنيا، فهل أخرب العلاقات بين البلدين برفض التدخين بجانبه وأن أنفث الدخان بوجه زعيم الاتحاد السوفياتي. غضب عبد السلام جلود، لكنني أجبته عندما أراد أن يعرف ماذا حدث. قلت له إن مدير المراسم أخبرني أن بريجينيف كان مدخناً نهماً لكن الطبيب منعه من ذلك. فصار إلى التدخين الموازي، أن يجلس بجانبه مدخن لاثنين. الكتب التي لم تكتب عن الدوائر السياسة المغلقة، مكتبات صامتة لم تجد حبراً ولا ورقاً، هي مكتبات الصمت. من حق الرئيس ترمب أن يغضب من مايكل وولف الذي دلف إلى خزانة الصمت المعتاد وأطلق طوفان النار والغضب.
كم من النيران لم تجد حطباً ولا عود ثقاب. بقيت في ردهات الصمت المقدس. في بلادنا العربية الحديث عن خفايا المسكوت عنه خرق للتابو وتطاول على غرف النوم الفكرية والتاريخية. بعدما غادر الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سيدار سنغور السلطة مختاراً وقدم نائبه عبدو ضيوف لتولي الرئاسة زار تونس، قابل صديقه القديم الراحل الحبيب بورقيبة. قال سنغور للرئيس التونسي أريد أن أجلس معك على انفراد. أخذه بورقيبة إلى غرفة صغيرة بالقصر الرئاسي، جلسا مطولا على انفراد أكثر من ساعة. بعدها غادر سنغور القصر الرئاسي، بعد عودة بورقيبة من توديع صديقه، سأل معاونو الرئيس من الوزراء والحاشية رئيسهم الحبيب: كيف كانت الجلسة مع صديقك القديم الحميم؟ ردَّ الرئيس بلهجة ساخرة: قال لي لقد حررنا أوطاننا علينا أن نستريح، نترك المهمة لجيل جديد... قال لك اترك السلطة وامش، ارقد في بيتك. هكذا اختصر بورقيبة حديثاً دام أكثر من ساعة في كلمات قليلة. المحاضر السرية لا تعلن لأنها من التابو المقدس.
كتاب النار والغضب، اقتحام لعالم صُلبه من الألغام الأمنية والسياسية والاقتصادية. في الولايات المتحدة الأميركية، أسرار السياسة ماء تسقى به غابات الحزبين وتتغذى عليه حلقات مجموعات الضغط التي تساهم في مخرجات معامل القرار السياسي.
ليس هناك رابح مطلق أو خاسر مطلق. رغم النار والغضب في البيت الأبيض، فإن الرئيس دونالد ترمب له حصة في الأرباح. اسمه وشخصيته تملأ الدنيا وتشغل العالم. الأسرار عندما تفوح من قبو القرار تشعل الجدل وتصب الحياة في شرايين العمل السياسي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة