قضية فلسطين تستيقظ من سباتها

قضية فلسطين تستيقظ من سباتها

الأحد - 22 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 10 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14257]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
للمرة الأولى يقف العالم كله في جهة، وإسرائيل مع حليفتها أميركا في جهة أخرى. هذا مشهد استثنائي وغير معتاد. الصورة التي رأيناها في مجلس الأمن غير مألوفة، وتكتل 14 دولة ضد موقف واشنطن المنفرد، من إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، حيث لم تجد من يؤيدها إلا نفسها، فهذا ما ينبغي للإدارة الأميركية فتح عيونها عليه.
أميركا ليست في أحسن حالاتها، وإسرائيل كذلك، حتى قبل قرار القدس. الكبر ليس باباً للانتصار، بل منزلق خطير وذهاب إلى حسابات خاطئة. الفلسطينيون يدفعون الثمن دماً، لكن الأثمان الأخرى لن تكون قليلة، على ما يبدو. مدير الاستخبارات السابق في إسرائيل عامي يعلون يتحدث عن «وضع متفجر» تواجهه دولته، والجيش الإسرائيلي يحذر السلطة السياسية من تدهور الوضع الأمني. كل ذلك يتزامن مع تغير في المزاج الأوروبي اتجاه إسرائيل، رغم حرصها على تبييض صورتها. منطق الاحتلال والظلم وصور التنكيل على وسائل التواصل الاجتماعي، تأتي أكلها. الوجود العربي والإسلامي المتزايد في الغرب، وغالبية هؤلاء في عزّ الشباب، يجعل تجاوز مشاعرهم وإغضابهم جزءاً من المسّ بالأمن القومي، الذي بات هشاً مع تفشي العمليات الإرهابية. ليست هذه الدول بحاجة لتأجيج التطرف، فيما لا تزال تسعى لحل كارثة مئات من شبانها التحقوا بـ«داعش»، وتخشى عودتهم ومزيداً من العمليات الانتحارية. بروز جيل ثالث «متأورب» من المهاجرين العرب، له دور فاعل، سمح بإسماع الصوت. بعض من هؤلاء ينشطون في الترويج لفلسطين، وتنظيم حملات المقاطعة لإسرائيل وإبقاء القضية حية، وبدت جهودهم جلية في المظاهرات أمام السفارات الأميركية، التي فاقت في أهميتها تلك التي شهدناها في المنطقة العربية. ما نقوله ليس مجرد إنشاء. في سبعينات القرن الماضي، كان الأوروبيون لا يعرفون أين تقع فلسطين، وكانت وثائقيات التعذيب النازي من أساسيات البرامج التلفزيونية لإبقاء عذاب الضمير متأججاً اتجاه اليهود.
العرب ليسوا ضعفاء بالقدر الذي يعتقدون، وأميركا ليست قوية بالقدر الذي يسمح لها بتمرير مثل هذا القرار.
أعتقد أن أميركا بقراراتها الأخيرة لا تفعل سوى أن تعزل نفسها. وقبل مأزق القدس، كان الخروج من اتفاقية باريس للمناخ، وكذلك انسحابها من الاتفاق التجاري للشراكة عبر المحيط الهادي. وها هي تبدأ في تنفيذ أمر حظر السفر الذي يستهدف ست دول ذات أغلبية مسلمة.
قضية فلسطين سياسية، أو هكذا نحب أن نقول، لكن القدس تحديداً، وإصرار إسرائيل على استلابها له بعد ديني كبير. لم يتحدث سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون في السياسة، خلال جلسة مجلس الأمن التاريخية التي تلت القرار الأميركي، بل تحدث عن «الملك داود الذي أعلن القدس عاصمة لليهود منذ ثلاثة آلاف سنة، ولذلك فهي كانت وستبقى عاصمة لإسرائيل». شرح أن «كلمة القدس مذكورة في الكتاب المقدس 660 مرة، ويتذكرها اليهود عند الولادة والزواج، وحين يصلّون 3 مرات في اليوم وييممون وجوههم شطرها». لم يكتفِ بذلك بل جاءنا بقطعة نقدية قال إنها وجدت في المدينة المقدسة مكتوب عليها بالعبرية كلمة القدس، وتعود إلى 67 سنة قبل الميلاد حسب زعمه. شدّت السفيرة الأميركية نكي هايلي على عضده حين بدأت خطابها بأن الشعب اليهودي صبور لأنه انتظر ثلاثة آلاف سنة، وأن أميركا أقل صبراً ولا تستطيع الانتظار أكثر، وأن القدس عاصمة لإسرائيل منذ 70 عاماً. ولم تفعل أميركا سوى الاعتراف بالواقع الذي ينكره الآخرون. والأسوأ أنها وصفت المنظمة الدولية بأنها «معادية لإسرائيل بشكل مشين».
لا يأتي كل هذا من فراغ. تشعر إسرائيل أن العالم يتغير، بعد القرار الذي اتخذ في الماضي في مجلس الأمن بعدم شرعية المستوطنات في أراضي 67 والقدس. تعرف أن الوقت ليس في صالحها بعد قرار اليونيسكو منذ أشهر، بأن إسرائيل محتلة للقدس ولا سلطة قانونية لها عليها.
وعلى الرغم من ذلك، فقد استنهض القرار الأميركي جيلاً كان لا يعبأ بفلسطين، بدأ يتظاهر من أجلها. بين هؤلاء من لم يكن يعرف معنى «نكبة» ولا «نكسة» صار الفضول يدفعهم لأن يستعيدوا تاريخهم ليفهموا. لم يكن يتصور أحد أن تستيقظ قضية فلسطين على هذا النحو من سباتها بعد خطاب قصير، وكلمات موجزة، وأن يهب الفلسطينيون، وتجتاح المظاهرات العالم من جاكرتا وكوالالمبور وواشنطن إلى عواصم أوروبا.
هذا لا يعني أن فلسطين باتت عشق الأمم وأمن إسرائيل لا يعبأ به أحد، بل على العكس. إنما القرار كان من الغرائبية والجرأة التي لم يمتلكها أحد منذ 100 سنة، ومع ذلك بدا لسيد البيت الأبيض سهلاً. كل رؤساء أميركا أجّلوا قنبلة القدس الموقوتة إلى المرحلة الأخيرة من مفاوضات السلام خوفاً من انفجارها في وجوههم، إلا ترمب الذي اقتنع، لسبب غير مفهوم، أنها المدخل لحل معضلة القرن. وهنا تكمن فرادة الرجل.

التعليقات

mohammed Yassin
البلد: 
العراق- هولندا
09/12/2017 - 22:57

العنوان مناسب والكلام سليم حول استيقاظ قضية فلسطين من سباتها . ولكني اظن ان على الفلسطينيين عدم تكرار أساليب الانتفاضات الأولى وانما ابتكار أساليب جديدة تتناسب مع المناخ السائد في العالم والذي صار يكره العنف أيا كان مستخدمه . وقد تكون النتائج افضل من نتائج اللجوء للعنف المفرط .

حسان الشامي
البلد: 
بيروت
10/12/2017 - 02:46

مع كامل احترامي لك سيدة سوسن التى احترم واجل . اخذتك عاطفتك تجاه قضية تهم العالم كل العالم والشعوب وتهمك ربما اكثر من سواك ككاتبة وباحثة ومحاضرة واديبة وعربية اصيلة . نعم انها قضيتك ولكن تكلمت عن توحد روئية عالمية واحدة ضد دولتين فقط هما اميركا واسرائيل . والموقف بالامم المتحدة ومجلس الامن جاء مؤيد وجامع لعدم نقل السفارة الاميركية الى القدس . نعم فهذا جيد واكثر من ممتاز لصالح القضية الفلسطينية والقدس تحديداً . ولكن السؤال عن اي تضامن عربي وعالمي ؟ منذ نكبة ٤٨ هناك خلافات عربية عربية وفلسطينية فلسطينية واسلامية اسلامية واوروبية اوروبية وعربية اوروبية واسلامية . ان اكبر وحدة رأي ورؤية وميثاق ولحمة ورباط مقدس هو موجود بين اميركا واسرائيل فقط . نعم ومليار نعم . وباقي العالم مشتت وممزق وخصوصاً عالمنا العربي والاسلامي وبالاخص الاخوة الفلسطينين .

سليمان صديق
10/12/2017 - 17:51

الاستاذة سوسن
من اجمل واروع المقالات التي قراتها بشأن قرار ترامب الاخير والجائر و الذي يعترف فيه بألقدس كعاصمة ابدية لدولة( اسرائيل) واعتزامه نقل السفارة من تل ابيب الى القدس..
اعتقد ان تزايد ضغط الشارع الاسلامي والعربي وكل محبي العدالة ستأتي اكلها في نهاية المطاف الى الغاء القرار وربما قد تؤدي حتى الى الاطااحة برأس ترامب

عبدالله
البلد: 
ا
10/12/2017 - 21:27

لم يكن هناك أكثر إيلاماً لإسرائيل أكثر من تقرير المنظمة الدولية "اليونيسكو" الذي نفى أي علاقة لليهود بالقدس، حتى حائط البراق أو ما يسمونه اليهود حائط المبكى أقر اليونيسكو بأن لا علاقة للديانة اليهودية به، لقد كانت ضربة مميتة لكل الإدعاءآت الإسرائيلية ونسفت كل ما نسجه اليهود حول هوية مدينة القدس وهو ما دعا الولايات المتحدة لسحب مندوبها من المنظمة الدولية وقطع مساهمتها بها، ولكن كل ذلك لم يغن شيئاً أمام الحقيقة، لقد كان ذلك التقرير من تلك المنظمة المعنية بالثقافات الإنسانية والإرث الحضاري البشري أشد وأنكى على اليهود من أي قرار لمجلس الأمن الذي يعتبر أعتى المنظمات الدولية، ليس هناك أسوأ من أن تثبت الحقائق كذب إدعاءآت جماعة ما وضرب معتقداتهم في الصميم وتسفيهها.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة