رايان غوزلينغ يبحث عن هويته في مستقبل داكن جديد

ما بين عالمين غريبين وبحضور فلسطيني

TT

رايان غوزلينغ يبحث عن هويته في مستقبل داكن جديد

منذ سنوات طويلة، اختفت - أو كادت أن تختفي - الأفلام التي تعد بمستقبل مشرق باهر قابل للحياة، أو يمكن التطلع إليه بشوق. أفلام الخيال العلمي - في غالبيتها - توفر صورة قاتمة حول المستقبل على الأرض، سواء قالت ذلك مباشرة أو اكتفت بتقديم حكاياتها التي تقع على بعد سنوات منظورة.
بذلك، تتحدث هذه الأفلام عن عالم مدمر، وبيئة ملوثة بالكامل، ومجاعات، وتقسيم بشري بين من يملك ومن لا يملك، ومخاطر كثيرة أخرى، مثل انتشار أوبئة تحوّل الناس إلى مصاصي دماء أو آكلي لحوم بشر.
«Blade Runner 2049» هو أحد الأفلام الجديدة التي توفر هذه الرؤية بلا اعتذار. في 163 دقيقة داكنة، ليس هناك من بارقة أمل في غد أفضل، بقي بطلنا جو على قيد الحياة أو لم يبقَ. هو جزء ثان متأخر 35 سنة عن الجزء السابق الذي أخرجه ريدلي سكوت سنة 1982. آنذاك، تحدث الفيلم عن مستقبل داكن يحتوي على صياد بشر من أولئك المصنوعين في المختبرات، الممنوحين خصائص السلوكيات البشرية كافة وملامحها العامة. الكلمة التي استخدمها فيلم «Blade Runner» الأول هي «Replicants». أما «بْلْايد رَنر»، فهو صائد تلك المخلوقات، عندما يقرر أمن مدينة لوس أنجليس أن الوقت قد حان لاقتلاعهم.
أحداث الفيلم الأول تدور في عام 2019. آنذاك، بدت المسافة الزمنية كبيرة بين تاريخ إنجاز الفيلم وموقع أحداثه الزمني، لكنها كانت أكبر في رواية المؤلف فيليب كنراد دِك، إذ نشرها سنة 1968 ومات عن 53 سنة، في العام ذاته الذي شهد إنجاز الفيلم الأول. وعنوان الرواية حمل تساؤلاً: «هل تحلم الأندرويدز بالماشية الكهربائية». القرار المبكر لريدلي سكوت كان هو استخدام اللقب الذي يحمله بطل الفيلم كرنين خاص لم يسبق لهواة السينما أن سمعوا به. «بلايد رنر» هو صائد الجوائز الذي يبحث عن البشر المصنّعين والمستنسخين للقضاء عليهم. وحسب الرواية، والفيلم على أثره، فإن هذا الصياد، واسمه رك ديكارد، سيكتشف في نهاية المطاف أنه ليس بشراً بدوره.
ما فعله فيلم سكوت حينها هو أنه أبقى هذا الاكتشاف هائماً، كونه ورد كاتهام غير ثابت من قِبل ضابط شرطة في المدينة.

عن سطح الواقع
الطقس في ذلك الفيلم لافت؛ هو جزء من موهبة مصممي الإنتاج والمناظر الذين ضمنوا لنا مشاهدة عالم موبوء: المطر الملوث ينهمر، والشمس لا تكاد تسطع حتى تحجبها غيوم غريبة ملبّدة، والمدن داكنة مكتظة.
لكن هذا الفساد البيئي جاء مصحوباً بفساد سياسي، حسب فلسفة الكاتب الذي وجد في جل رواياته الحيز المناسب للحديث عن تضارب المصالح الإنسانية العامة بتلك النخبوية، وانحدار القيم المعمول بها.
«بلايد رَنر 2049»، للكندي دنيس فيلينييف، يحافظ على هذه المواصفات. يغير في بعض المظاهر، لكنه يهضم الفكرة الأساسية جيداً. المطر لا ينهمر دوماً، لكن لون السماء مثل لون الجثث. المدن ركام من المباني المهدومة. الحياة ذاتها هي نسخة رديئة جداً من تلك السابقة في فيلم سكوت. بالمقارنة، إذ عمد الفيلم السابق (تصوير جوردان كروننوذ) إلى أحداث أقرب شأناً ليومنا هذا، سمح بالمدن أن تكون عامرة. في الجزء الجديد (تصوير اللامع روجر ديكينز، مستخدماً أنواعاً متعددة من كاميرا الديجيتال Arri Alexa)، المدن أقل عمراناً. على الأرض أقل زحاماً، وإذ تطير المركبات فوق المدن، نجد أن الطرق تحت تلك المركبات خالية من السيارات. لا شيء يذكر بقي على قيد الحياة سوى «بلايد رَنر» جديد. شرطة المدينة. مؤسسة تصنع البشر، وبضعة «موديلات» بشرية، وبعض مهمشي الحياة الذين باتوا أكثر تهميشاً مما كانوا عليه ذات يوم.
القصّة المكتوبة هنا خصيصاً للسينما تتعاطى حكاية صياد اسمه الأصلي جو والميكانيكي المستخدم في المهام المسنودة إليه. المهام لا تختلف عما كانت عليه في الفيلم السابق، لكن جو ليس مثل رك (الذي أداه في الفيلم السابق هاريسون فورد)، من حيث إنه لا يتحرك بتفاعل مكثف مع مهمّته. رك كان مثل رجل التحري الخاص الذي ينطلق بكل مشاعره لتأدية عمله؛ رجل تخشاه في الوقت ذاته، فإن هذا الرجل لديه ما يخاف منه في ذلك العالم المتلبد. لكن جو (كما يؤديه رايان غوزلينغ) هو أكثر انعزالاً. اللقاء بينهما يؤكد شخصيتيهما المختلفتين: رك ما زال رجل الواقع، في حين أن جو هو الرجل الذي ترتفع قدماه عن سطح الواقع؛ شخص حائر تساعده نظراته الهائمة على تشخيص الحالة.
هناك مسافة بينه وبين ما يقوم به. فراغ لا يفهم سبب وجوده، والأحداث الواردة ستملأ بعض هذا الفراغ، لكن بالحكم على المشهد الأخير، حيث يهطل البَرد فوقه وهو جالس على بعض عتبات مبنى مهجور، فإن الفراغ الناتج عن عدم الإيمان بالدور وبالذات باق.
على النقيض من شخصية رك، فإن جو كان يعتقد أنه مستنسخ، قبل أن يكتشف العكس. لكن هذا أيضاً أمر معلق في الهواء، كما لو أن جو هو نموذج للإنسان، أو ما سيؤول إليه. فلسفياً، هو شخص حائر بلا هوية، تكاد مسألة ما إذا كان إنساناً عضوياً أو مصنوعاً تغدو أقل أهمية مما يجب أن تكون عليه.

مرئيات داكنة
اللقاء بين الممثلين رايان غوزلينغ وهاريسون فورد جيد، وإن كان مستوى البحث الدائر خلاله لا يرتفع إلى ما يتوقعه المشاهد من حكاية تبدو بحاجة ملحة إلى «فوكاس». هذا الافتقار إلى الوضوح ناتج عن أن الدوافع غير واضحة بدورها، وفي بعض الأحيان غير موجودة، ما يبقي المضمون ضبابياً.
بعد أكثر من ساعة من الفيلم، تخرج علينا الممثلة هيام عباس فجأة؛ الممثلة الفلسطينية التي تعيش وتعمل في باريس على مدار الساعة هذه الأيام، ولا تبقى طويلاً. دورها محدود، لكنها تمثله بجدارة؛ هي رئيسة فريق من المصطنعين الذين قرروا الثورة، وعلى جو أن يحدد موقفه. لكن غايته الأهم بالنسبة إليه البحث وإيجاد نفسه لكي يطرح عليه بعض الأسئلة التي قد تزيده وضوحاً، بعدما وجد تاريخاً لميلاده، وقد تؤكد أن جو هو إنسان فعلي.
المرأة هنا هي التي تمسك بزمام الأمور. بالإضافة إلى شخصية هيام عباس، فإن المسؤول الأول عن جو في قسم البوليس هو امرأة، والعدو الأول لجو الذي يطارده لقتله هو أيضاً امرأة.
ما يعرضه فلنييف رائع كصورة. قبضته على الفيلم لغوياً، من تصميم مناظر إلى مفردات العمل والارتقاء بمستوى بصرياته، رائعة. لكن، وعلى امتداد مدة عرضه لنحو ثلاث ساعات (هناك نسخة أخرى من ساعتين)، فإن ما يحتويه من أحداث فعلية هو أقل مما يجب لفيلم لديه الكثير ليقوله.
المهمة المسنودة إلى المخرج فلنييف ليست سهلة: من ناحية لديه فيلم كلاسيكي قائم بحد ذاته، ليس من السهل مقارعته، لذا يتوجب الصعود إلى مستواه. من ناحية أخرى، فهو جزء تال (كان يمكن للقصة ذاتها أن تشكل نواة فيلم آخر منفصل) عليه أن يتصرف كعمل مستقل لجيل جديد من المشاهدين، بعضهم لم يشاهد الجزء الأول، أو يعي قيمته.
الموسيقى التي تصاحب هذه المرئيات الداكنة، الملتقطة بدقة وموهبة مدير التصوير، كتب بعضها هانز زيمر (بعضها الآخر لبنجامين وولفيش). وما كتبه زيمر يشبه كثيراً ما كتبه لفيلم كريستوفر نولان الأخير «دنكرك». هناك تلك الموسيقى التي تتحوّل إلى همهمات صوتية ومؤثرات خلفية مسموعة. على تكرارها، تخدم ما يرد في هذا الفيلم جيداً، وتناسب ذلك البحث الذي يتولاه جو طوال الفيلم، حول نفسه وحول تاريخ حياته الذي لا يعرف عنه شيئاً.
بطبيعة الحال، وتبعاً لأسلوب عمل واهتمام كل من المخرجين ريدلي سكوت ودنيس فلنييف، فإن الفيلمين لا يتشابهان إلا في تلك المقومات المذكورة أعلاه؛ كلاهما عن صراع بين الإنسان والعلم، كل من الإنسانية والعلم على خطأ، كلا الفيلمين يتحدث عن مستقبل داكن، لكن فيلم سكوت يحمل تشويقاً أعلى (وتمثيلاً أفضل).
«Blade Runner 2049» هو إنجاز لمتعة النظر، وأقل من ذلك لمتعة الدراما. خيالي علمي صارم في انتمائه، يطرح عدة مسائل كان يمكن لكل منها أن يكون مادة فيلم منفصل، لكنها تجتمع هنا على نحو من يمعن في الشيء لاكتشاف دلالاته، فيطيل النظر ولا يكتشف كثيراً. الحكاية التي تتحرك أمامنا واضحة بذاتها وكأحداث متوالية أكثر من المضامين والأفكار التي تنضح بها.


مقالات ذات صلة

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز