«الشخص الغريب»

«الشخص الغريب»

الثلاثاء - 27 محرم 1439 هـ - 17 أكتوبر 2017 مـ رقم العدد [14203]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
غاب محمود درويش صيف 2008 في هيوستن، تكساس. كان رمزاً جميلاً لشعر الشتات، ومات على بعد محيطين وقارتين من جبل الكرمل، حيث أفاق فإذا ترابه ليس وطنه. خرج الشاعر الناحل من فلسطين إلى بيروت. وفي ذلك الزمن، كانت بيروت شيئاً سحرياً أشبه «بالوطن البديل».
أحبت بيروت محمود، وأغواها نحوله ويأسه، والشعر الذي ينشده على مقام الحنين. وفيما فرض رجال المقاومة على المدينة وجوهاً عابسة وتصريحات متغطرسة، ألقى عليها محمود درويش باقات الياسمين. ولم يطلب منها أن تموت من أجله، بل أن تزداد حياة لكي يزداد حباً.
كان محمود، الباسم، الناحل، الحَييّ، يتمشى في شوارع بيروت، كأنه وُلد فيها. بعض الشعراء الآخرين استغلوا سلطة الثورة الفلسطينية، فانضموا إلى الحواجز. وبقي محمود في الشعر والحب. حب بيروت وجدرانها. وشعر أنه سيفقد فلسطين مرة أخرى، وهذا الجانب من جبل الكرمل، عندما بدأت النار تشتعل في ثوب المدينة.
عندما فقد بيروت، فقد فلسطين مرة أخرى، وليس نور «الوطن البديل». بعد بيروت، باريس وعمان ورام الله، صار تائهاً لا مقيماً، يردد موّاله الأخير للمدينة المحاصرة «شكراً لبيروت الضباب - شكراً لبيروت الخراب». أدرك أنها لن تتكرر في هذه الأوطان، مثلما أدرك رئيس جمعية فرسانها، نزار قباني، الذي أعطى البوح مداه الشعري: يا ست الدنيا يا بيروت. كلاهما مات بالقلب، بعيداً عنها. واحد في هيوستن، آخر الدنيا، وواحد في وسطها البديع، لندن.
بينما كتب نزار أول الحرب اللبنانية: «سوف تقتلونه وتندمون»، كتب محمود في نوع من الاعتذار عن الانهيار التام الذي حدث: «لم نفهم لبنان، لم نفهم لبنان أبداً، ولن نفهم لبنان، لن نفهم لبنان إلى الأبد».
بعد بيروت، كنت ألتقي محمود في باريس، المدينة الثانية التي عرفت كيف تحبه حتى من دون أن تتعرف إلى لغته الجميلة. أحبته كما هو، مرهفاً وبسيطاً وشاعراً، وحاملاً في طيات وجهه أحزان القضية:
«... من هو الشخص الغريب وكيف عاش، وكيف مات فإن أسباب/ الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة».

التعليقات

كميل حوا
البلد: 
جدة
17/10/2017 - 07:10

كم جميلة مقالتك عن محمود درويش. وهي عن بيروت أيضاً. والقصيدة التي تختم بابياتها المقال أكرر سماعها ضمن سي دي لأمسية في الأوديون تتبعها ترجمة فرنسية. كم زاويتك حيوية وحيّة. لا أكاد أحرص على قراءة سواها.

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
17/10/2017 - 08:09

ابن فلسطين هو عاشق لفلسطين ، ولو جاز التعبير، فهو ابن لبيروت التي أحبته واحبها لذا فقد كان متوهج ولم يحب إبداعه ، ثم لا بد ان نذكر انه عربي حتى النخاع ، وكان يتمنى أن يرى عروبة واحدة ، وكلنا يذكر قصيدة التي بدأت بكلمات الحب والامل ، سجل انا عربي ، ثم ساقته الأقدار مرغما إلى باريس مثلما فعلت مع شاعر كبير آخر هو نزار قباني فذهبت به بعيدا بعيدا . أطلق علي أحدهما متولي العصر وعلى زميله مسمى احمد.شوفي في النصف الثاني من القرن العشرين ، مات كلاهما والحنين يملكها لرؤية الوطن او حتى رائحة الوطن ، فلم يسمحوا لهما لأنهم يغادرون الكلمة ، ونسوا أن احدا منها لم يحب الوطن العربي الكبير مثلما أحبه كل الشرفاء من ثلة المثقفين الذين يغادرون واحدا تلو اخر . محمود درويش طرده الكيان الصهيوني من فلسطين ، ونزار طرده القادة السوريون المؤتمنون على أبناء الوطن

ناصر الدعيسي
البلد: 
ليبيا
17/10/2017 - 17:17

زاويتك لا زالت تشكل لنا محطه جميله نلجأ لها من وجع اوطننا . ومعاناة امتنا . غاب هيكل واللوزى وبها الدين وتوينى والخولى لكنهم تركوا فارس مقاله اخر . هنا فى \رويش اعدتنا لشاعر كبير هزنا من اعماقنا كثيرا . درويش كان صرخه قويه فى جدار الهزيمه العربيه . غادر وقلبه على وطن وعقله فى جوانح امه .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة