عقب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن سياسة إدارته تجاه إيران، يبدو أن استدامة الاتفاق النووي على المحك أكثر من أي وقت مضى. ويعزى هذا الأمر في المقام الأول إلى فوز ترمب في الانتخابات، لكن بالنظر إلى تاريخ التوتر الأميركي - الإيراني والأنشطة الحالية لإيران في المنطقة، بوسع المرء أن يتساءل بحق عما إذا كان بالإمكان تلافي التخلي عن سياسة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الإيرانية أم لا. لم تكن سياسة أوباما تجاه إيران جزءاً من سياسته إزاء منطقة الشرق الأوسط، لكن بالأحرى كانت عنصراً فرعياً من سياسته حيال منع انتشار الأسلحة النووية. وكانت الأولوية التي منحها لمنع انتشار الأسلحة النووية واضحة منذ أيامه الأولى في المنصب عندما وعد في أبريل (نيسان) 2009 في براغ بـ«السعي إلى السلام والأمن في عالم من دون أسلحة نووية».
وقد استندت سياسة أوباما الإيرانية إلى افتراضين أساسيين؛ تمثل الافتراض الأول في أنه من أجل النجاح في التفاوض مع إيران، ينبغي فصل البرنامج النووي الإيراني عن بقية سياسات إيران، بما في ذلك سياستها الإقليمية وبرنامجها الصاروخي. ولم يتضمن الاتفاق النووي هذين الأمرين، على الرغم من إدراج البرنامج الصاروخي في قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة بشأن الاتفاق النووي.
وتمثل الافتراض الثاني لأوباما في أن التوصل إلى اتفاق نووي ناجح من شأنه أن يشجع إيران على التفاوض حول سياستها الإقليمية وكل نشاط يهدد مصالح الولايات المتحدة ومصالح حلفائها. وعملت إدارة أوباما بجد على إبراز الاتفاق النووي كاتفاق تاريخي بإمكانه أن يحول إيران من كيان ثوري إلى دولة طبيعية تؤدي دوراً إيجابياً على المستويين الإقليمي والدولي.
على الجانب الآخر، كان الرئيس الإيراني حسن روحاني بحاجة إلى بدء التفاوض بسرعة وإنهائه على نحو مثمر، وعمد إلى المبالغة في تأثيره المباشر على الاقتصاد الإيراني. كما أنه صوَّر الاتفاق النووي كاتفاق يحدث تحولاً فارقاً في العلاقات الأميركية - الإيرانية، ويخفف الضغط الغربي على إيران الذي دام لأكثر من أربعة عقود، ويمهد الطريق لرفع جميع العقوبات الأميركية والدولية من دون إملاء أوامر على إيران لتغيير مسار سياساتها أو التخلي عن مصالحها.
وبالنسبة لفريق العمل المعاون لروحاني، كانت سياسة أوباما تجاه الشرق الأوسط بمثابة خير دليل على ادعائهم، فقد اعتبر الفريق تردد أوباما في الانخراط في أي صراع في المنطقة، لا سيما الأزمة السورية، وقراره بتقليص الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، بمثابة مؤشرات إلى أن أميركا الجديدة تفصل نفسها عن تطلعها الإمبريالي التاريخي على حساب إعادة رسم علاقاتها مع حلفائها التقليديين في المنطقة. وفي هذه الظروف، لا يُعد التفاوض حول البرنامج النووي من أجل تقييده مؤقتاً أو إبطاء تقدمه في مقابل تخفيف العقوبات وتحقيق الأمن الاقتصادي للحصول على الاستثمار الأجنبي خسارة جسيمة لإيران، في حال لم تواجه الولايات المتحدة نفوذ إيران المتنامي وتدخلاتها في المنطقة. وأكد فريق روحاني لآية الله خامنئي أن الاتفاق النووي سوف يعرقل فرض مزيد من العقوبات، ويساعد إيران في تعزيز دورها القيادي في المنطقة في الوقت الذي تهدف فيه الولايات المتحدة إلى الانسحاب من الشرق الأوسط.
ورغم ذلك، لا يعتمد مصير الاتفاق فقط على رئيسي الولايات المتحدة وإيران، ولكن أيضاً على المرشد الإيراني علي خامنئي. وقد أجبرت العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة خامنئي على السماح بالتفاوض مع مجموعة الدول 5+1 بشأن البرنامج النووي. ومع ذلك، لم يفقد شكوكه العميقة حول نتائج هذا التفاوض واستدامة أي اتفاق مع الولايات المتحدة وشركائها. لكن حتى قبل تولي الرئيس ترمب المنصب بفترة طويلة، عبَّر خامنئي عن مخاوفه إزاء استدامته، وشكوكه حول فوائده لإيران. وبالنسبة له، تعد الولايات المتحدة عدواً لدوداً لإيران لن يوقف نهجه العدائي تجاهها بعد الاتفاق النووي. ويعتبر خامنئي الهدف الأميركي المتمثل في تحويل إيران من دولة ثورية إلى دولة طبيعية سعياً إلى هلاك إيران ونهاية الحكم الديني في البلاد. وبالتالي ومن وجهة نظره، يرتبط البرنامج النووي ارتباطاً وثيقاً بسياسات إيران الإقليمية. ولا تعد السياسة النووية سوى ضمان لسيادة إيران في المنطقة وبقاء الحكم الديني. وعلاوة على ذلك، عززت عملية تخفيف العقوبات البطيئة وغير المتسقة من شكوك خامنئي حول الفوائد الاقتصادية للاتفاق. ولم يمضِِ وقت طويل حتى اتهم الولايات المتحدة بالإخلال بالثقة وانتهاك الاتفاق.
ومنذ التوقيع على الاتفاق النووي، لم تتردد إيران في اختبار صواريخ جديدة أو زيادة تدخلها في سوريا والعراق واليمن ومناطق أخرى في الشرق الأوسط. وتجرى صياغة وإدارة كل من البرنامج الصاروخي والسياسة الإقليمية حصراً بواسطة الحرس الثوري الإيراني تحت القيادة المباشرة لخامنئي، دون تدخل يذكر من جانب الرئيس.
جدير بالذكر أن الحرس الثوري الإيراني - الذي لا يعد هيئة عسكرية فحسب، ولكن هو بالأحرى يعد مجمعاً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً - يمثل المتشددين في نظام طهران. وحتى إذا استخدم رئيس مثل روحاني خطاباً مناهضاً للحرس الثوري الإيراني بغرض كسب أصوات، فإنه في الواقع يحتاج إلى حماية مصالحهم ويصور نفسه على أنه يقف معهم صفاً واحداً في وقت الأزمات. وكشف تصريح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف «كلنا الحرس الثوري الإيراني» عن مكانة الحرس الثوري في الهيكل السياسي الذي لا يتأثر بنتائج أي انتخابات أو توجهات الرئيس المنتخب.
من ناحيته، لم يبدِ ترمب أثناء حملته الرئاسية كثيراً من الحماس للانخراط في الشرق الأوسط، متحدثاً بدلاً من ذلك عن «أميركا أولاً». ومنذ توليه منصبه، اتخذ ترمب إجراءات جريئة في السياسة الخارجية. فلا يمكن لأي رئيس أميركي يرفض التخلي عن حلفاء بلاده أن يتجاهل الحرس الثوري الإيراني وبرنامجه الصاروخي وحربه غير النظامية في المنطقة. وحقيقة أن الحرس الثوري نفسه يدير القطاعات بالغة الحساسية في البرنامج النووي تقيم صلات مباشرة بين برنامج إيران النووي وسياستها الإقليمية. وبناء على ذلك، فإن الوقوف في وجه تطلعات إيران للهيمنة على المنطقة تهدد حتماً الاتفاق النووي. وهذا ما توقعه خامنئي ضمناً في وقت ركزت فيه معظم الأطراف الفاعلة على ما تتمخض عنه المفاوضات من نتائج مع فريق الرئيس الإيراني. وبإلقاء نظرة على الماضي، نجد أن خامنئي كان لديه بالفعل وعي أفضل بدور إيران الثوري في المنطقة عن أولئك الذين تفاوضوا على الاتفاق النووي.
* معهد واشنطن
لدراسات الشرق الأدنى
11:2 دقيقه
TT
لماذا كان خامنئي محقاً؟!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
