ما بين الحلم واليقظة يبدو الأمر كفتح باب أمل، هكذا كانت ليلة 26 سبتمبر (أيلول)، فجأة انقلبت البيوت لساحة فرح؛ الأمهات والآباء والأولاد والبنات.
حين تنص المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حرية التنقل للجنسين... كم من مواقف محرجة خارجياً وداخلياً، وكم من فرص علم وعمل ضاعت على سيدات بسبب عدم تمكنهن من الوصول لهدفهن.
لم يكن حرماننا لسنوات طويلة من حق القيادة إلا أمراً لا داعي له، وقد ترتب على هذا الحرمان ضياع الكثير على الوطن والمواطن، من ذلك جلب سائقين لا يفقهون مبادئ القيادة، فتتحول المرأة إلى سائقة من المقعد الخلفي، ولنا أن نتصور أي شكل من أشكال الإحباط يحيط بها.
هذا القرار سيوفر الكثير على الوطن والمواطن، وسيبث الطمأنينة للسيدات لتوصيل أبنائهن الصغار للمدارس والعودة بهم دون القلق والخوف عليهم من أي حادث أو تحرش.
كم جميلة الأمور التي لا تأتي إلا بعد عناء، وهي الفرحة الكبيرة التي لا بد لها من صبر وطول انتظار، وهكذا هيأ الله لنا بعد صبر وجهد من يكسر القمقم ويفتح باباً كان من أكثر الأبواب إحكاماً أخذ منه الجدل والنقاش سنين طويلة، ومر بتعرجات وأخذ ورد وبلغ الأمر ما بين مد وجزر. لم تكن قيادة المرأة التي سمح بها الملك سلمان إلا نتيجة سلسلة طويلة مرت بها المرأة السعودية.
إذا كانت ليلة الإعلان عن السماح بالقيادة للمرأة ليلة فرح ابتهج بها كثير من البيوت، فإن السلسلة الكبيرة التي مرت بها المواطنة السعودية تستحق أن تخلد وتُجرى لها دراسات نفسية واجتماعية، لعلنا نذكر بالخير تلك الكوكبة الجميلة من النساء اللاتي أسيئ إليهن.
بكل فخر نمر على سجل تمكين المرأة، ونذكر بالخير الرجال الذين حرصوا على تعليم المرأة قبل التعليم الرسمي وصولاً للتمكين الحكومي في أكتوبر (تشرين الأول) 1959، فقد كانت هناك جهود كبيرة وحثيثة لتعليم المرأة، اكتملت تلك الجهود بقرار قوي وشجاع من الملك فيصل رحمه الله؛ فتحت المدارس وسلم أمرها لمشايخ، ورغم ذلك حصلت معارضات كبيرة، لكن الملك فيصل تصدى لها، وتعلمت المرأة وكبرت علماً وتقديراً، وطرقت مجالات عدة ونالت حظاً وافراً من التعليم ومن ثم العمل، ورغم كل ما نالته، بقي لها الكثير لتسير وتتميز وتجد من يساندها ويقف معها من الرجال الذين كان بعضهم السواعد التي رفعتها، والبعض الآخر ممن وقف حجر عثرة في طريقها سرعان ما اضطره نجاحها على فسح الطريق لها وإلحاق أقاربه من النساء بالركب، وهكذا سار الركب بالمرأة وسارت به.
كانت محطة جميلة في تاريخ المرأة السعودية عندما عين الملك عبد الله - غفر الله له - 20 في المائة في مجلس الشورى من النساء، ومن ثم سمح لها بالدخول لمختلف لجانه، ومن منبره طرحت بعض الأعضاء من النساء طلباً للسماح بالقيادة، وللأسف لم تحصل الفرصة لدراسته.
وهكذا تستمر نقاط لصالح المرأة وتمكينها، ومع موافقة المملكة على اتفاقية السيدات فإنه بقيت بعض أمور - منها القيادة التي هي ضمن حرية الحركة - معلقة.
فتح نظام الابتعاث من خلال برنامج الملك عبد الله في مايو (أيار) 2005 آفاقاً جديدة للمرأة والرجل في آن، إذا كنّا نكسب العلم من خلاله، فالاتصال بالشعوب قاطبة ومعرفة حياتها ونظم عيشها أمر عزز قدرات المرأة كما الرجل من ثم تطوير الذات والخدمات ونقل التجارب الجميلة ونشر الأفكار الحسنة عن مجتمعنا، لقد كان خط تمكين المرأة يسير بخطى طويلة وسريعة مرات ويتذبذب أخرى، ولكن لا يبقى مكانه أبداً. كان لتعيين السيدة نورة الفايز نائبة لوزير التعليم خطوة واسعة، وتعني فتح أبواب المناصب العليا للمرأة، وتعني أيضاً كسب المرأة الثقة بقدرتها وإمكاناتها. كان ذلك في فبراير (شباط) 2009، ومن ثم ظهرت أسماء مشرقة لسيدات فزن بمنصب وكيل وزارة، ولكنه ظهور حيي حتى الآن.
لقد تعلمت المرأة وأسهمت بالتعليم العالي مساهمة كبيرة، وظهرت رائدات قدن الدراسات الجامعية باقتدار وزرعن أجيالاً جميلة من الجامعيات المؤهلات لسوق العلم والعمل. يستمر سير تمكين المرأة، ولكن الركب ما زال متعثراً فيما يخص القيادة، ففي الوقت الذي نسلم المرأة دفة العلم والعمل ونسلمها أرواحنا وعقولنا كطبيبة وبرامجنا كدارسة ومطورة، بقيت مسألة قيادة السيارات معلقة تتقاذفها الآراء.
كان لا بد من استيعاب العدد الكبير من الأيادي النسائية للعمل، وهذه الأيادي أكثر من أن يستوعبها العمل الحكومي، فكانت فرصة جيدة وباب رزق طيباً، وهو فتح باب العمل بالمستلزمات النسائية مقصوراً على الإناث، وذلك في يوليو (تموز) 2011، نعم ضج الكثيرون ورحب أيضاً كثيرون، وتم ذلك، والآن نرى السيدات عاملات في مراكز البيع النسائية، هنا ظهرت مشكلة أخرى أن الرواتب أقل مما تسمح بسيارة وسائق، بالجانب الآخر غير مسموح بالقيادة، هذا التمكين حدت منه صعوبة المواصلات والحركة، وهذا يقودنا لنؤكد أن الفرحة بتمكين المرأة للقيادة كانت شاملة.
قبل أن أنتقل للقيادة وحركة المرأة يجدر بي العودة لمرحل التمكين التي تجلت أيضاً بالمشاركة والانتخاب للمجالس البلدية في 2014، وباطلاعنا على ما كان يدور في الصحف من سجال، نرى أنها مرت بصعوبات التطبيق وبعض الإشكاليات، لكنها صمدت وبقيت.
عندما نأتي لعام المرأة السعودية 2017؛ ففي فبراير تم تعيين أول سيدة رئيسة لمجلس إدارة السوق المالية (تداول)، وفي مايو تم تمكين المرأة من الخدمات الحكومية دون اشتراط موافقة ولي الأمر.
عليّ أن أقف هنا بكل فخر حول موضوع تنظيم صندوق النفقة للمطلقات والأبناء، فلقد كان هذا الصندوق أمل كثير من المطلقات لاستمرار أبنائهن بالعيش الكريم والتعليم.
في أغسطس (آب) تم بكل فخر تنظيم زواج القاصرات وجعله بيد القاضي لا المأذون، وفي ذلك الشهر أيضاً تم إعطاء الحق للمطلقة بحضانة أطفالها، وتم تمكين المحامية خريجة القانون من الترافع أمام القضاء، وقد كان بعض القضاة لا يمانعون قبل هذا التاريخ.
ها أنا أصل إلى النقطة التي ستسهل على المرأة عملها، ألا وهو تمكينها من القيادة، هذا الحق الذي فرحت أغلب البيوت به، لأنه يعني الكثير للمرأة والأسرة والوطن، من ذلك الاستغناء عن الغرباء داخل المنازل، وإيجاد فرص عمل للمرأة، وتماشياً مع رؤية 2030 وما سيترتب عليها من تقليص العمالة، لا بد أن تحل العمالة الوطنية محلها وإيجاد فرص عمل للسيدات، منها الشرطة المرورية النسائية ومراكز التدريب، فلدينا سيدات قادرات على القيادة والتدريب، ولا شك أن شركة «أرامكو»، التي ما انفكت المرأة تقود بها، لديها ذلك.
أخيراً ستخرج الكثيرات رخصهن المخبأة في الحقائب اليدوية لتكون تأشيرة مرور نحو الرخصة السعودية.
وفق الله مليكنا وجعل القرار مفتاحاً للخير والنماء.
* كاتبة سعودية
9:8 دقيقه
TT
المرأة ومسلسل التمكين وصولاً للقيادة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
