ولايات سوف تختفي

ولايات سوف تختفي

الخميس - 1 ذو الحجة 1438 هـ - 24 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14149]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

قارئو البخت في لبنان لم يعودوا يتعاطون مع الأفراد، فقط مع الدول والأقاليم. ليس في إمكانك، مثلاً، أن تطلب موعداً خاصاً لتعرف إن كان ابنك سوف ينجح في امتحان الفيزياء؛ الوقت لا يسمح. أحدهم كان منهمكاً مع السنة الجديدة في قراءة حركة الأرض في طبقاتها السفلى، والفضاء في طبقاته العليا. لذلك، حلق شعر رأسه تماماً، وأبقى خصلة شعر واحدة عند أعلى الرقبة. كذلك، ارتدى معطفاً مذهباً؛ الذهب له خاصية فيزيائية في متابعة حركة النجوم. وبعد قراءة متعمقة وباسمة للأرض والفضاء والنجوم، أعلن أن دولاً وولايات (تعبيره العلمي) سوف تختفي عن وجه الأرض، وربما قارات... ربما.
ميزة فرقة «التنبؤ» بالأحداث في لبنان أنهم جميعاً يبتسمون، بصرف النظر عن رنة التوقع: «طائفة كريمة سوف يلفها الحزن هذا العام بسبب فقدان شخصية بارزة فيها». مرّ العام الماضي، والشخصية المقصودة لا تزال تتابع التوقعات التلفزيونية بكل اهتمام.
لكل قارئ مصائر، أو قارئة، محطة تلفزيونية خاصة: «حادث عرضي يتحول إلى مشكلة كبرى تتدخل فيها الدول»، «موجة مجاعة تجتاح أفريقيا»، «العائلة البريطانية المالكة في حالة ترقب»، وما إلى ذلك من أخبار الصحف. «هزة مالية تهبط بالأسهم في بعض الدول»، «رئيس دولة كبرى يختلف مع زوجته، لكنه يؤجل الطلاق احتراماً للموقف»، «زلازل في آسيا الوسطى»، «محاكمات على أعلى مستوى في البرازيل ودول أميركية أخرى»، «أنباء سارة عن اختراع دواء جديد للأمراض الصعبة».
من أقصى العالم إلى أقصاه، يتسلم نجومنا القارئون أحوال الكوكب وأهله، من فوق ومن تحت. لا يهمهم ولا يعنيهم أي أثر يتركونه في نفوس الناس. «قارئ» مصري شهير عدَّد أسماء الذين سوف يتوفّون هذا العام، من دون أن يتساءل لحظة ماذا سيكون شعور من يسميهم. حاصرهم ولم يترك لهم أملاً بالنجاة، أو بالحظ، أو حتى برحمة الله. وثمة من نشر له هذه «التنبؤات»، وأحياناً بالخط العريض.
وتعترض معظم صحف لبنان على هذا السلوك التلفزيوني، ثم تعود فتنشر التوقعات بحجة عدم المسؤولية. وأحياناً، أقرأ بدوري هذه «التنبؤات»، أو شيئاً منها، لأعرف أين وصلنا كشعب. ولا أعرف. نحن في حاجة إلى «قارئ» يعرف، ليقول لنا. وليس لي أي موقف من كل ذلك، سوى ما يتعلق بالرعب والحزن والوسواس الذي يتركه المتنبئون في قلوب الناس والعائلات.
وأتمنى لو أنهم بدل الاعتماد على التنبؤات في تحصيل المعيشة - وهو أبسط حقوقهم - أن يتنبأوا مرة واحدة بحركة الأسهم، أو الذهب، ويحصدون الثروة. أما التنبؤ بحركة الأرض في القارات والولايات... روقوا. روقوا.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة