أعمدة المستر «بيل»

أعمدة المستر «بيل»

الأربعاء - 1 ذو الحجة 1438 هـ - 23 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14148]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
لعل أهم متغير في حياة الإنسان المعاصر أنه لم يعد يدهش لشيء. ونقرأ اليوم عن الإنسان الآلي وكأننا نقرأ حكاية ليلى والذئب. كانت ألعاب الأطفال سيارة من خشب، وأصبحت سيارة الكبار بلا سائق. تصعد إليها وتعطيها البرنامج وتضع رجلاً فوق رجل. الباقي، من تجنب الحفر والتوقف عند الضوء الأحمر، والتوقف السريع لكي لا تصدم رجلاً أهوج في الطريق، كل ذلك اتركه لها. أو لبيل غيتس. كنتَ تحلم وأنت في عمر الأحلام، بهاتف «مصور» ترى من خلاله على الطرف الآخر، من تحب. انسَ. لقد أصبح «سكايب» اختراعاً قديماً الآن، ابتدعه رجل من لاتفيا، التي لم تسمع بها حتى الآن، وبالكاد تعرف أنها من جمهوريات البلطيق.
كلمة سرعة لم تعد تكفي لوصف وتيرة العصر. كانت لا تزال مناسبة أواخر القرن التاسع عشر عندما اخترع المستر بيل الهاتف. لكن الأعمدة التي رفعت عليها الأسلاك شوهت المناظر، فراح الناس الغاضبون يقطعونها. وظن البعض الآخر أن المستر بيل «مسكون» ويتعاطى مع العفاريت. وعندما عرض الفكرة على الممولين، ظنوا أنه يهذي. غير أن توماس إديسون، عبقري الاختراعات، قال إن صديقه بيل غيّر فكرة الزمان والمكان بين البشر. وإلى الأبد. ولم يعد ورثة المستر بيل في حاجة إلى أعمدة تقف عليها الطيور وتغرد، وأسلاك تحمل الحوارات والآهات، فالآلة التي طورها ستيف جوبس تقوم بمئات المهمات، وهي في جيب سترتك.
الناس لم تعد تنتظر وصول الجيل الجديد من الآيفون كآلة لا حدود لاستخداماتها، وإنما كلعبة مذهلة حولت السلوى إلى أهم صناعة في العصر. والتطلع الآن إلى «الآيفون» كهاتف، مثل النظر إلى أعمدة بيل، كشرفة عالية لطيور القبرات.
والقبرة عصفور جميل صغير يمر بلبنان مع الربيع، ويتولى اللبنانيون قتله، ويستعجلون قبل «انتهاء الموسم». ولا تدعوا الفرصة تفوتكم. وهناك عصفور آخر يسمى «الوروار» نسبة إلى صوته، وفيه جميع ألوان الطيف. ولسبب مجهول يجتذبه الدخان، فتُحرق له الحرائق، فيحوم حولها بكثافة غبية - أو حسن نية - فيطلق عليه الصيادون النار، ويحولون العشرات منه إلى وليمة. ويكمل الناجون سبيلهم إلى بلدان أرحم بالعصافير.
ولعلنا أكثر إنسانية من بعض الأميركيين. ففي ولايات كثيرة، استخدمت أعمدة المستر بيل مشنقة طارئة أقيمت على عجل لإعدام «عبد» أسود ضُبط وهو يمد يده إلى كرم من العنب.
وهل من الترف الإنساني أن تفكر في القبرات فيما ألوف البشر يُسحقون كل يوم، ويُذلون كل لحظة في بلاد العرب أوطاني؟ أجل. لكن على الإنسان أن يتعلم الرحمة بدءاً بعدم اغتيال البلابل. «صوت صفير البلبل... هيج قلب الثملي»، أنشد الأصمعي.

التعليقات

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
23/08/2017 - 05:52

اخى الاستاذ سمير كتبت وكتب غيرى عن مساؤى التقنية وما سببته من تبلد للعقول وعقدت اللسان وققللت من القراء ة واصبح الانسان المعاصر يعانى من انيميا حادة فى الثقافة دعنا الان نعدد محاسن التقنية اولا وفرت للانسان المعاصر الاف المبالغ المالية التى كان يستخدمها فى التنقل الى اهله واصدقاءه ويكتفى الان برسالة ويعممها على الكل كل عام وانتم بخير قللت نسبة الطلاق حيث اصبح الزوج وكذلك الزوجة مشغولين بالنت فلا كلام ولانقاش يؤدى الى مشاجرة عادة ما تنهى بالطلاق فى السابق اصبحنا نذهب الى صالون الحلاقة ونجلس الساعة والساعتين دون ملل وكلنا دخل على النت ولايدرى اين هو اهم من ذلك التقنية منعت الكذب ولامجال لطفلك ان يقول للمتصل ابى غير موجود

تيمور
البلد: 
ليبيا
23/08/2017 - 06:13

دخلك يا طير الوروار خدلى من صوبك مشوار

حسين موسى
البلد: 
لبنان
23/08/2017 - 06:51

وسلملي عالاستاذ سمير وخبرني بحالو شو صار

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
23/08/2017 - 09:07

مقال جميل جدا، نعم على الإنسان أن يتعلم الرحمة بدءاً بعدم اغتيال البلابل. شكرا للاستاذ سمير عطا الله.

عثمان فكري
البلد: 
مصر
23/08/2017 - 14:13

عثمان فكري:

ورقة وقلم وقلب .. سمير عطا الله

من العادات التي ورثتها عن والدي فكري أفندي باشا عليه رحمة الله ورضوانه بخلاف الولع الشديد بالفلسفة رغم أني لم أدرسها مثله .. هي مطالعة الصحف اليومية من صفحتها الأخيرة وهو ماكان يعتاد عليه عندما كانت الصحف في مصر 3 فقط وأحيانا 4 أو 5 بالكثير .. المهم أنا مولع بالصفحات الأخيرة بالجرائد اليومية مصرية كانت أو عربية .. ومنها جريدة الشرق الأوسط اللندنية التي بدأت في متابعتها بداية من منتصف الثمانينات في بدايتها هي وجريدة الحياة أيضا .. وان كان لا يوجد فرق كبير بين الصفحة الأخيرة في الشرق الأوسط عن جريدة الحياة فهي نفس الروح والتيمة وأحيانا الفتيشرات والأخبار ولكن الفرق في كتاب الصفحة الأخيرة في الحياة تكتفي بزاوية عيون وآذان للأستاذ الموسوعي جهاد الخازن فقط .. أما الشرق الأوسط فكانت ومازالت تتميز ب

شربل القطار
23/08/2017 - 14:29

اشار الاستاذ سمير عطا الله الى عصفور يسمى (الوروار)،
الذي وصفه الشاعر بولس سلامه في كتابه (من شرفتي) اي شرفته في قرية بتدين اللقش (جزين-لبنان) (الوروار) في (البقروق)، وللشاعر بولس سلامه المؤلفات: (عيد الرياض، من شرفتي، حكاية عُمر، مذكرات جريح، تحت السنديانة، عيد الستين، في ذلك الزمان، خبز وملح، فلسطين واخواتها، الامير بشير، علي والحسين، عيد الغدير، مع المسيح، الصراع في الوجود، حديث العشية، ..). ما يلي وصف الشاعر سلامه للوروار، منشور في الكتب المدرسية:
"ومن ضيوفنا، في البقروق، الوروار، وهو طائر جميل المنظر، في رأسه حمرة، مطوق العنق بمثل صفرة الذهب، أخضر الجناحين، قصير الرجلين، طويل المنقار أسوده، وفي ذنبه ريش يضرب إلى الزرقة. ويقيناً أنهم اشتقوا اسمه من حكاية صوته، كما قيل في القطا والعقعق والزيز والصرصور. يأتينا في أيلول. ولو عرفه .. الخ"

Imas Al-manasfi
البلد: 
UK
23/08/2017 - 16:56

تحية عطرة استاذ سمير,
مخترعو سكايب Skype وهم ثلاثة من جمهورية إستونيا البلقانية وشكرا.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة