جذور عنصرية

جذور عنصرية

الأربعاء - 24 ذو القعدة 1438 هـ - 16 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14141]
محمد رُضــا
صحافي متخصص في السينما
في أول زيارة لي للولايات المتحدة في سنة 1979 (وكنت في أواخر العشرينات من عمري) أضعت طريق العودة إلى فندقي في مدينة نيويورك ليلاً، فسألت رجلاً أبيض عن العنوان فلم يعرف. مشيت خطوتين ثم سمعت صوتاً يقول لي: «أنا أدلك». نظرت خلفي فإذا به رجل أسود البشرة. استمعت إلى شرحه الموجز في الوقت الذي كانت فيه نفسي تحدثني بالاحتياط منه. مشيت ومشى بمحاذاتي. ازداد حذري.
بعد دقيقة قال: «علي أن أذهب من هذا الطريق (أشار إلى يمينه) هل أنت متأكد أنك تعرف طريقك الآن؟». كنت أعرف أين أنا الآن وذلك بناء على توجيهاته، فابتسمت له وشكرته ومضى كل منا في طريقه.
لكن لماذا خفت؟ سبق لي أن تحدثت هنا عن الخوف من المجهول، لكن في هذه الحادثة المجهول هو نتيجة نمط من الصور الذهنية الجاهزة التي تتراءى حالما تجد نفسك أمام شخص لا تعرفه ولا تستطيع أن تعلم إذا ما كنت تستطيع الثقة به أو لا. حقيقة أنه شخص أسود يعزز الخوف الناتج ويكشف عن استعدادنا للتنميط.
هذا يحدث كل يوم في كل مكان: مع البيض حيال السود، مع السود حيال البيض، مع الغالبية حيال الأقلية، والأقلية حيال الغالبية. يحدث في كل مجتمع فيه أكثر من عنصر أو لون أو طائفة. يحدث معنا نحن المسلمين كل يوم في هذه الأيام ليس كنتيجة جانبية للإرهاب المتطرف بل لأن الإرهاب المتطرف يهدف إلى تخويف الأوروبيين وسواهم من الإسلام والمسلمين، ومع تعدد حالات الدهس والقتل المتعمد والتفجير ينجح أيما نجاح.
ما حدث في مدينة شارلوتيل، ولاية فرجينيا، قبل أيام يملأ الصحف والمجلات الأميركية هذا الأسبوع، ناهيك عن المواقع. استعراض قوّة للجماعة المتطرفة البيضاء (نازيون جدد وخلافهم) ضد كل آخر. هذا الآخر قد يكون أسود البشرة أو مسلم الديانة أو يهوديا أو آسيويا أو مكسيكيا الخ... وفي حين أن المتظاهرين المنددين بالجماعات المتطرفة كانوا مسالمين وبلا سلاح، تحدثت الأنباء عن سلاح ظاهر وجاهز في أيدي العصابات المتطرفة، بل عن فريق منهم ارتدى ثياب العسكر الصربي (نسبة إلى الزي الذي ارتدته القوى الصربية خلال الحرب الأهلية)، لأن القانون في تلك الولاية «لا يمنع السلاح الظاهر» كما ذكرتنا إحدى تلك الصحف.
لكن لماذا؟ لماذا كل تلك الضغينة وكل ذلك الحقد؟ لماذا العنصرية؟ في العديد من مجتمعاتنا العربية هناك عنصرية تمارسها الغالبية على الأقلية، إما لأسباب دينية أو لأسباب عرقية، أو لأسباب تتعلق بأن هذا الآخر مهاجر ليس من مستواه التعليمي أو المعيشي. هذا على طريقة رد فعل رجل بريطاني محافظ أول ما بدأ الهنود قيادة الحافلات الحمراء ذات الطابقين في لندن، إذ صرخ: «يقودون حافلاتنا». الدين الإسلامي ينبذ العنصرية كذلك الدين المسيحي الداعي إلى المحبة. لكن من يمارس العنصرية يتبرع بموقفه بعيداً عن نصوص الأديان. بعيداً عن الإدراك العاقل أن لا أحد في هذه الدنيا أفضل من سواه. نلد ونموت بنفس واحد. تجرح أي منا، فينزف الدم ذاته. وعالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى ما عاد يتحمل كل هذا التعسف والتعصب.

التعليقات

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
16/08/2017 - 05:39

استاذ محمد رضا
يجب ان يعلم البشر جميعا فى انحاء العالم كله انهم ولدوا من اب واحد وام واحدة هما آدم وحواء فلو سلسلت نسل اى انسان فى الكون كله لوصلت الى انه ينتسب الى آدم وحواء , ويقول الله فى كتابه العزيز : " يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير " ويقول سبحانه : " ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة " , وقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فى خطبة الوداع : " يايها الناس الا ان ربكم واحد وان اباكم واحد لافضل لعربى على عجمى ولا لابيض على اسود الا بالتقوى " ولو تتبعنا خلق الله سبحانه وتعالى لوجدنا انه قد خلق آدم من غير اب ولا ام وخلق حواء من اب دون ام وخلق عيسى عليه وعلى امه السلام من ام دون اب " فلله وحده طلاقة القدرة يخلق مايشاء وهو على كل شىء قدير , فالبشر جميعا اخوة

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
16/08/2017 - 05:44

يتابع
2- اما اليهود الذين يعتبروم انفسهم هم جنس سامى يسمو ويعلو فوق كل البشر فهم مخطئون على ضوء ما تقدم فما اليهود الا بشر كسائر البشر لايسمون ولا يعلون على احد وهم ينتسبون الى آدم وحواء فياليتهم يعلمون ذلك جيدا فلا يتعالون على سائر البشر

ندى حمود
البلد: 
لبنان
16/08/2017 - 07:02

يقول الله تعالى في القرآن الكريم "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ" (النساء: 1)، كذلك نهت التعاليم المسيحية عن العنصرية ونادت بالمحبة بين جميع البشر لأن "الله أحب العالم كله" (إنجيل يوحنا 16:3)، ومعظم دول العالم وقّعت منذ ما يقارب خمسين سنة على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وبالرغم من كل ذلك ما زالت العنصرية بكافة وجوهها (العرقية والدينية والمذهبية والاجتماعية) منتشرة ومتفشية. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على مدى انتشار الجهل والتعصب الأعمى والشعور بالكِبَر والفخر والزهو تجاه الآخر الذي يختلف عنا، والذي قد يكون أفضل منا في جانبٍ ما. والعنصرية تنبع من مفاهيم مغلوطة لا ترتبط بالإنسانية أبداً، لأن الله قد أوحى إلينا عبر رُسله وكُتبه بأن "الناس سواسية كأسنان المشط"..تابع

ندى حمود
البلد: 
لبنان
16/08/2017 - 07:04

2) لا يُفرّقهم لون أو عِرق أو دين أو مال، ولا تمايز بينهم إلا بالتقوى، فحُسن الخُلق الذي تدعو له كل الأديان هو الهوية الوحيدة التي من الممكن أن تجعل من الإنسان إنساناً أرقى وأسمى وأفضل. بالعلم والعمل والمعرفة والانفتاح لا بالجهل والتعصب يستطيع الإنسان أن ينبذ العنصرية وأن يعلو ويرتقي بفكره، ليؤسس قاعدة نفسية متينة تنهض بالمفهوم الإنساني لينشر فكرة للعالم أجمع، مفادها أن البشر لا فرق بينهم فهم "سواسية كأسنان المشط"، وكما قال النبي (ص): "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى".

حسان التميمي
16/08/2017 - 15:45

ما يلفت النظر ، .ويبعث على السرور بان الأخت ندى مطلعة على القرآن وعلى الإنجيل ، حيث انها استشهدت بكليهما ، وربما تحفظ شيئا منهما عن ظهر قلب

حسان التميمي
16/08/2017 - 16:23

قالَ رسولُ اللهِ "صـلى اللهُ عليهِ و سلـم " : ( لا فرق بين عربي و لا أعجمي و لا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى )
صدقَ رسول الله صلى الله عليه و سلم

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
16/08/2017 - 10:34

بعد أن توارت العنصرية قليلا عادت للظهور علانية فها فد اعلنت عنها الجماعة المتطرفة في فيرجينيا باستعراض للقوة والتفاخر وتسمية أنفسهم بالنازيين الجدد ، ثم إن تطرف المقيت لبعض الببض ضد الملونين متفاخرين بحمل ا السلاح ، فما مغزى ذلك ؟ اهو للتخويف أو تهديد بالقتل ،ولكي نكون صادقين مع أنفسنا فالتطرف يجتاح كل العالم ، ولا سبيل للقضاء عليه على المستوى المنظور ، وإننا إذ نشكر الكاتب على غثارة هذه القضية القديمة المتجددة ، فإننا نتمنى بان يتحفنا بصولاته وجولاته في علم الفن والسينما والمهرجانات وما إلى ذلك ،لانه يشارك الناقد طارق الشناوي في هذه الصحيفة الغراء بالنقد السينمائي المستحدث والذي لا أجد مبررا للتهافت عليه ، فهو موسمي وعلى الهامش فهنالك مثل عامي يقول، يمد يده في الهواء فيحضر رزقا،، كناية عن الشطارة ، فأين التخصص ؟! وشكراثانية ومعذرة

ندى حمود
البلد: 
لبنان
16/08/2017 - 17:06

من خلال متابعتي أنا وصديقاتي للصحيفة الغرّاء ولما يكتبه الأستاذ محمد رضا، نرى أنه لا يتوانى عن "إتحاف" قرائه ومتابعيه بصفحة سينمائية أسبوعية متجددة كل يوم خميس؛ ولا يضير أبداً أن يكتب رأيه في شتى المواضيع المختلفة التي يتطرق إليها كل يوم أربعاء، فهو أستاذ وله "جولات وصولات"؛ وله جمهوره الخاص الذي ينتظر كتاباته، سواء السينمائية أو المتنوعة. نرجو من الأستاذ محمد رضا أن لا يبخل علينا بأفكاره ومواضيعه التي يدونها في صفحته "الرأي" التي ننتظرها كل يوم أربعاء، بالإضافة إلى صفحته السينمائية المتخصصة كل يوم خميس.
شكراً.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة