أمضت مجموعة من الجيولوجيين ساعات لا تُحصى فوق تلال اسكوتلندية تعصف بها الرياح، بحثاً عن أصل إحدى أكثر سمات «ستونهنج» إثارة للاهتمام.
لكن هذا النصب الأثري العائد إلى عصور ما قبل التاريخ لا يبوح بأسراره بسهولة، إذ يكشف تقرير علمي جديد أنّ أصل «حجر المذبح» في «ستونهنج» لا يزال عصياً على التحديد، وأنّ الجيولوجيين الذين لفحتهم الرياح ربما كانوا يبحثون في المكان الخطأ أساساً.
ووصف أحدهم أصل حجر المذبح بأنه «لغز»، فيما وصفه آخر بأنه قصة بوليسية جيولوجية لم تعرف نهاية واضحة حتى الآن.
وقد بدا الأمر مختلفاً تماماً عام 2024، عندما فحص متخصّصون من جامعات في لندن وويلز وأستراليا حبيبات من الحجر الرملي المأخوذ من حجر المذبح، وافترضوا أنه جاء من شمال شرقي اسكوتلندا، على بُعد أكثر من 400 ميل من «ستونهنج».
ووصف أحد أعضاء الفريق هذا الاكتشاف بأنه «مذهل»، وأثار تكهّنات بشأن الطريقة التي نُقل بها الحجر، الذي يزن 6 أطنان: أعلى زلّاجة أم على متن سفينة؟ كما فتح الباب أمام التساؤل عن طبيعة العلاقات بعيدة المدى التي ربما كانت قائمة بين شعوب العصر الحجري الحديث.
واستُعين بمزيد من الخبراء من كندا وإيطاليا والسويد واسكوتلندا، وأُجريت دراسة بعنوان «البحث عن أصل حجر المذبح في ستونهنج»، نقلتها «الغارديان» عن «مجلة الجمعية الجيولوجية»، للتركيب الدقيق للصفيحة الحجرية، شملت فحوصاً غير إتلافية للحجر في موضعه الأصلي، وفحص 8 شظايا منه محفوظة في متاحف.
وبعد التوصّل إلى هذا الوصف التفصيلي، توجّه أعضاء من الفريق إلى شمال شرقي اسكوتلندا لمحاولة إيجاد تطابق دقيق مع الصخور البارزة هناك، ومن ثم تحديد أصل حجر المذبح بدقة.
ووصف أستاذ الكيمياء الجيولوجية الفخري في قسم الجغرافيا وعلوم الأرض بجامعة أبيريستويث، نيك بيرس، البحث عن أصل حجر المذبح بأنه أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.
وقال: «المشكلة أنّ المساحة شاسعة جداً، وتبلغ آلاف الكيلومترات المربّعة. والسبيل الوحيد هو أن تذهب إلى هناك وتعثر على العيّنات».
وأضاف: «عليك التخطيط بعناية. فقد كان أحد زملائي هناك مؤخراً وعلق في العواصف، وهو ما لا يُعدّ طقساً مثالياً للعمل الميداني في الجيولوجيا. وقد أخذنا نحو 70 عيّنة، وأعدناها إلى المختبرات وأجرينا عليها الاختبارات».
وأشارت الاختبارات إلى أنه من غير المرجّح أن يكون حجر المذبح قد جاء من شمال شرقي اسكوتلندا.
وقال بيرس إنه لم يُصب بخيبة لعدم حلّ اللغز بعد. وأضاف: «نقترب من الحل. ففي قصة بوليسية جيولوجية مثل هذه، يكتسب استبعاد المناطق المحتملة للمصدر أهمية لا تقلّ عن تحديد مناطق جديدة. فكلّ موقع يُستبعد يضيّق نطاق البحث ويقرّبنا من معرفة المكان الذي جاء منه حجر المذبح. لست فاقداً للأمل. هذا جزء من العملية».
وخلص الأستاذ الفخري في جامعة جنوب ويلز الذي قاد الدراسة، دنكان بيري، إلى أنه من «غير المرجّح إطلاقاً» أن يكون حجر المذبح قد جاء من شمال شرقي اسكوتلندا. وقال إن الحجر لم يأتِ بالتأكيد من جنوب بريطانيا أيضاً، وإنه ربما جاء من مكان آخر في اسكوتلندا، أو شمال إنجلترا، أو حتى من آيرلندا.
وقال بيري إنّ أصل الحجر لا يزال لغزاً، لكنه أضاف: «هذا أشمل تحقيق جيولوجي أُجري على حجر المذبح على الإطلاق. فمن خلال الجمع بين طائفة واسعة من التقنيات التحليلية، استطعنا تكوين أوضح صورة حتى الآن لتركيب الحجر، واختبرنا النظريات الرئيسية بشأن أصله».
وتابع: «حتى الآن، لا يتشارك أيّ من المواقع التي فُحصت مع حجر المذبح في المجموعة نفسها من الخصائص، لكن البحث لم ينتهِ بعد».
وقال مايك بيتس، وهو خبير مرموق في موقع «ستونهنج» لم يشارك في الدراسة، إنّ تحديد أصل حجر المذبح احتمال مثير. وأضاف: «من شأن ذلك أن يساعد كثيراً في وضع حجر المذبح في سياق عالم من نقلوه. فسنتمكّن من رؤية المشهد الطبيعي بعيونهم، ومعرفة المكان الذي بدأت منه الرحلة بالضبط».




