عقب «إعدامات بنغازي»... سجال ليبي يستحضر جرائم «داعش»

«الأعلى للدولة» يطالب الجهات القضائية بالتحقق من سلامة الإجراءات

مسلحون يرفعون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية - رويترز)
مسلحون يرفعون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية - رويترز)
TT

عقب «إعدامات بنغازي»... سجال ليبي يستحضر جرائم «داعش»

مسلحون يرفعون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية - رويترز)
مسلحون يرفعون راية تنظيم «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية - رويترز)

فجَّر إعدام 10 مُدانين بـ«الإرهاب» في بنغازي ردود فعل متباينة وسجالاً واسعاً في الشارع الليبي، وسط استحضار ذكريات الفظائع التي ارتكبها تنظيم «داعش» في ليبيا قبل دحره.

وكان مكتب المدعي العام العسكري بالقيادة العامة أعلن، الأحد، تنفيذ أحكام الإعدام رمياً بالرصاص بحق العشرة المدانين بارتكاب «جرائم إرهابية»، وذلك تنفيذاً لأحكام المحكمة العسكرية العليا؛ وقال إن الأحكام جاءت «عقب مداولات قضائية استمرت لسنوات، وبعد استيفاء الإجراءات القانونية المتعلقة بالادعاء والدفاع، وانتهائها إلى ثبوت التهم المنسوبة إلى المدانين».

لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

غير أنه في أعقاب الإعلان عن تنفيذ العقوبة، ظهرت تأثيرات الانقسامات السياسية والجهوية التي تعيشها البلاد، ما بين مؤيد للحكم باعتباره «قصاصاً»، ومتحفظ ورافض لمحاكمة مدنيين أمام القضاء العسكري. كما تصاعدت حدة السجال عندما وصفت إحدى القنوات الفضائية الليبية المحكومين بأنهم «سجناء سياسيون».

وانتقد محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف المدانين بأنهم «سياسيون»، وقال: «السياسة لدى هذه الفئة هي القتل والإرهاب... وأي محاولة للتصالح مع هذا التيار غباء».

وكان تنظيم «داعش» قد اتخذ من درنة وسرت معقلين له في وسط وشرق ليبيا منذ عام 2014، وبدأ في فرض قبضته عبر تحصيل «الجزية» وتنفيذ إعدامات في الساحات العامة بحق المناوئين من المدنيين والعسكريين، قبل أن يتمكن «الجيش الوطني» من طرده من هذه المناطق بشكل كامل في 28 يونيو (حزيران) 2018.

«سلامة الإجراءات»

تَقدَّم المجلس الأعلى للدولة في طرابلس جبهة المطالبين بتوضيحات بشأن الحكم، وقال: «إعلان تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من المواطنين في شرق البلاد، أثار تساؤلات عدة بشأن ظروف الاحتجاز والمحاكمة وضمانات الدفاع والإجراءات التي سبقت التنفيذ».

وطالب المجلس في بيان، مساء الأحد، بـ«الكشف عن أسماء من نُفذت بحقهم أحكام الإعدام، وأرقام القضايا، والجهات القضائية التي أصدرتها مع بيان مراحل التقاضي وطرق الطعن التي استُنفدت»؛ وقال إن «القضية لا تتعلق بالدفاع عن متهمين أو تبرئة مدانين، وإنما بمبدأ أسمى هو حق الدولة الليبية وحدها في العقاب، وحق القضاء في ممارسة ولايته، وحق كل مواطن في محاكمة عادلة، أياً كانت التهمة المنسوبة إليه».

كما شدد المجلس على «تمكين الجهات القضائية الوطنية المختصة من التحقق من سلامة الإجراءات التي سبقت تنفيذ الأحكام، ومدى استيفائها الضمانات القانونية، لا سيما حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، مع دعوة النيابة العامة والجهات القضائية المختصة إلى الاضطلاع بمسؤولياتها القانونية، باعتبار أن استقلال القضاء ضمانة لكل الليبيين دون تمييز».

لقطة من شريط فيديو نشره تنظيم «داعش» عبر حساباته قبيل ذبح 21 مسيحياً مصرياً في فبراير 2015

ورغم أن مكتب المدعي العام العسكري أوضح أن الاتهامات الموجهة للمُدانين تراوحت بين الانتساب إلى تنظيمات إرهابية محظورة، وارتكاب جرائم اغتيال بحق عسكريين ومدنيين، فإن ذلك لم يمنع أطرافاً ليبية من اعتبار الحكم «كارثة قانونية».

ونوّه الحقوقي الليبي طارق لملوم، في تصريحات صحافية، بأن الحكم العسكري جاء بعد 3 أسابيع فقط من مؤتمر دولي عُقد في بنغازي تحت عنوان «العدالة والإصلاح»، وقال إن «القائمين عليه تحدثوا عن سيادة القانون، وضمانات المحاكمة العادلة وحماية حقوق السجناء، وتطوير المؤسسات الإصلاحية وفق المعايير الدولية».

واعتبر لملوم ما حدث يمثل «مفارقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح»، وهي: «مؤتمرات دولية وخطابات عن سيادة القانون من جهة، ومن جهة أخرى مدنيون أمام القضاء العسكري وأحكام بالإعدام».

وانتهى قائلاً: «الأمر ليس مستغرباً؛ فحين تتحكم عصابات وميليشيات مسلحة في الغرب، وعائلة عسكرية في الشرق، يصبح القانون هو الحلقة الأضعف».

المدعي العام العسكري بشرق ليبيا فرج الصوصاع (القيادة العامة)

بين مؤيد ومعارض

على هامش الانقسام تباينت الآراء؛ فالمستشار القانوني أسامة أبو ناجي، الذي يقطن طرابلس، يرى أن «أي أحكام تصدر عن المحاكم العسكرية في المنطقة الشرقية صورية وباطلة، وهي والعدم سواء؛ لأنها صادرة عن محاكم لم تُنشأ أو تُشكّل من السلطة الشرعية المختصة، ولا يستند تشكيلها إلى أساس قانوني صادر عن الحكومة الشرعية المعترف بها».

وكتب في صفحته على «فيسبوك»، أنه «لا ولاية لقاضٍ لم يستمد شرعيته من القانون، ولا اختصاص لمحكمة لم تنشأ وفق الأصول، ولا قيمة لحكم صدر ممن لا يملك إصداره».

وفي المقابل، دافع موالون لـ«الجيش الوطني» عن الحكم، وعدّوه قصاصاً عن الجرائم والفظائع التي ارتكبها تنظيم «داعش» في ليبيا.

وعدّ الرائد عبد الرحيم القزيري، مدير مكتب الإعلام بالقيادة العامة، «ما صدر من أحكام بحق المدانين في قضايا إرهابية، تطبيقاً فعلياً لمفهوم دولة القانون والمؤسسات»، وقال إنها نُفذت «بعد استيفاء كل الإجراءات القانونية والقضائية الصحيحة، وصدور الأحكام عن الجهات القضائية المختصة، وبعد أن استنفدت القضايا مراحل التقاضي المقررة».

واستطرد قائلاً: «أُتيح للمتهمين خلال مراحل التقاضي حقوقهم القانونية، واستمرت المداولات القضائية لسنوات، إلى أن صدرت الأحكام النهائية واجبة التنفيذ». وانتهى إلى أن ما تم هو «تنفيذ لأحكام قضائية، وليس إجراء خارج إطار القانون، وهو ما يؤكد أن العدالة أخذت مسارها القانوني والقضائي حتى النهاية».

وتداول ليبيون موالون لـ«الجيش الوطني» مقاطع فيديو تتضمن صوراً واعترافات للمتهمين وهم يشرحون كيف اغتالوا ضباطاً في مدينة درنة.

وقالت الكاتبة الليبية عفاف الفرجاني عبر حسابها على «فيسبوك»: «أبشع عملية تصفية جسدية نفذها (الدواعش) كانت بحق الشهيد الشرقاوي الفيتوري أثناء القبض عليه في حصار درنة 2015».

وأبدى المحلل السياسي الليبي محمد قشوط «كل الدعم للمحكمة العسكرية التابعة للقيادة العامة في تنفيذ أحكام الإعدام ضد الإرهابيين»، مذكراً بمقولات سابقة للتنظيم، وقال: «أليسوا هم من قالوا لليبيين قد جئناكم بالذبح؟».


مقالات ذات صلة

انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة الليبية... «قنابل الموت» بين السكان

شمال افريقيا صورة الحريق الذي هزّ مصراته (متداولة)

انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة الليبية... «قنابل الموت» بين السكان

هزّ انفجار مخزن للذخيرة مدينة مصراتة غرب ليبيا، مثيراً حالة من الذعر بين السكان، ومجدداً المطالب بإخلاء مخازن السلاح من المناطق السكنية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع لجنة «4+4» في تونس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

«خطاب التحريض» يختبر صمود اتفاق «4+4» في ليبيا

رغم توقيع اتفاق «4+4» برعاية أممية، تتواصل السجالات الإعلامية وتبادل الاتهامات بين معسكري شرق ليبيا وغربها، وسط تساؤلات عن فرص صمود الاتفاق.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا  عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي مجتمعا مع وزير المالية راشد أبوغفة (إلى اليمين) ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك (المصرف)

ليبيا: نفقات المؤسسات التشريعية والتنفيذية في مرمى الانتقادات الشعبية

أعاد إنفاق المؤسسات الليبية الجدل بشأن أولويات توزيع المال العام، وسط انتقادات للبذخ الحكومي وشكاوى معيشية تتزامن مع إضراب المعلمين للمطالبة بحقوقهم المالية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صدام يتوسط منتسبي «كتيبة الاستطلاع والعمليات الخاصة» أمس الخميس (القيادة العامة)

صدام حفتر يعتبر توحيد المؤسسة الأمنية الليبية «ضرورة مُلِحة»

تتزامن دعوات توحيد المؤسسة الشرطية في ليبيا مع تحركات أممية لتعزيز التعاون الأمني بين شرق البلاد وغربها، عبر تفعيل مركزين مشتركين لتبادل المعلومات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الطائرة البوينغ B727-224 (خبير النقل الجوي والطيران المدني د. محمد محمد عيسى)

ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

تتجه ليبيا لمقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في فاجعة إسقاط «الرحلة 114»، في تحرك قضائي يسعى لإنصاف 108 ضحايا بعد عقود من الصمت الدولي.

جمال جوهر

النور: لا حكم للبرهان وحميدتي كعسكريّين


 عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
TT

النور: لا حكم للبرهان وحميدتي كعسكريّين


 عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة «جيش تحرير السودان»، مشاركة البرهان وحميدتي في الحكم بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً لخوض السياسة التخلي عن الصفة والبزة العسكرية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

وأكد نور في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن مستقبل السودان يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق الحكم. وشدد على أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفَي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة.

ودعا إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد، تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة، وتقتصر مهمته على حماية الأرض والشعب والدستور.

ورفض تقسيم السودان، محذراً من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار.


العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
TT

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع تحقيق التوازن والانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. وشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة اهتمامات السياسات العمومية.

وقال الملك، في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، اليوم الجمعة، بالرباط، إن هذه الولاية تأتي في ظرفية استثنائية حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات، مقدّماً تهانيه لأعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين.

وفي سياق حديثه عن الشباب، شدّد الملك محمد السادس على ضرورة وضع قضاياهم في صدارة اهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وربط الخطاب الملكي هذا التوجه بتعزيز ثقة الشباب في قدراتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم لبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

وفيما يتعلق بالتدبير الترابي، أكد الملك أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني على المستوى الترابي، من خلال الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.

وأوضح أن النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، منبهاً إلى أن التأخير والاختلالات التي تُعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز ينعكسان سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعوق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين.

في هذا الصدد، شدد الملك محمد السادس على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير، أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز»، بما يقتضيه ذلك من نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

كما دعا إلى وضع حد للعراقيل التي تعوق عمل مؤسسات الجهة، من خلال تحديد أكثر وضوحاً للاختصاصات، والرفع من مواردها البشرية والمادية، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد تتيح للجهات اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

وعلى المستوى الاقتصادي، دعا الملك إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، خاصة في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. كما حثّ على الترشيد وتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية، داعياً القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وأن يكون أكثر مبادرة وافتكاراً، وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

وبخصوص موضوع الهجرة والأزمة التي اندلعت مع إسبانيا، قال الملك محمد السادس إن المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة أسفرت عن نتائج ملموسة، غير أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزاً، وهو ما تؤكده الأزمات المتكررة.

وفي هذا السياق، أكد الملك أن الشراكة مع إسبانيا عرفت تطورات مهمة في مختلف المجالات، بما فيها محاربة الهجرة غير الشرعية، لكنها باتت تواجه تحديات كبيرة مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع. وأوضح أن هذه المقتضيات والقرارات تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتُغذي أطماع الشبكات الإجرامية.

وفي معرض حديثه عن التصريحات غير المسؤولة، الصادرة عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية، شدد الملك محمد السادس على أن الشراكة اختيار سياسي والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، مؤكداً أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لوجه جديد من الشراكة، بما يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية.

وفي رسالة إلى أعضاء المؤسسة التشريعية، أكد الملك محمد السادس أن الانتداب البرلماني «أمانة والتزام سياسي وتعاقد أخلاقي» يربط البرلمانيين بالمواطنين، داعياً أعضاء البرلمان إلى الاضطلاع بمسؤوليتهم الوطنية، قائلاً: «كونوا - رعاكم الله - في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ».

كان الملك محمد السادس مرفوقاً بولي العهد الأمير مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد.


عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
TT

عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، مشاركة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» في أي حكم مقبل بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً على من يريد خوض العمل السياسي التخلي عن صفته وبزته العسكرية والاحتكام إلى الانتخابات.

وأكد نور، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة، داعياً إلى بناء جيش قومي جديد تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة.

ويعد عبد الواحد نور أحد أبرز قادة الحركات التي حملت السلاح في دارفور عام 2003 احتجاجاً على تهميش الإقليم. وقد رفض اتفاق أبوجا عام 2006، الذي وقعه نظام الرئيس السابق عمر البشير مع جناح من حركته بقيادة مني أركو مناوي.

السياسة بعد البزة

وربط النور موقفه من البرهان وحميدتي بمطالب ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، مؤكداً أن مستقبل الحكم يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق المشاركة السياسية. وقال: «من يريد تأسيس حزب أو عرض مشروع على السودانيين، يستطيع ذلك بعد مغادرة المؤسسة العسكرية، على أن تكون الكلمة للناخبين».

صورة مركبة لقائدي الجيش البرهان (يسار) و«قوات الدعم السريع» حميدتي (الشرق الأوسط)

وكانت الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر 2018 قد أفضت إلى الإطاحة بنظام الإنقاذ الوطني برئاسة البشير في أبريل (نيسان) 2019، ثم تشكيل سلطة انتقالية بمشاركة المدنيين والعسكريين. غير أن انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021 الذي قاده البرهان وحميدتي، قطع مسار الانتقال المدني، قبل اندلاع الحرب بين الجيش و«الدعم السريع» في أبريل 2023، على خلفية الصراع على السلطة والخلاف بشأن ترتيبات دمج القوات.

وشدد النور على أن حركته لا تقاتل إلى جانب أي من الطرفين. وبشأن الحديث عن تفاهمات مع «الدعم السريع» في دارفور، أبدى ترحيبه بأي تفاهم يمنع المواجهة، من دون أن يؤكد وجود اتفاق أو يحدد مضمونه، مؤكداً أن حركته ستدافع عن نفسها إذا تعرضت لاعتداء من أي جهة.

وأوضح أن وجود قواته في جبل مرة، معقل حركته في دارفور، يسبق الحرب الحالية، وأنها حافظت على مواقعها رغم مواجهات الجيش والجنجويد وميليشيات وحركات منشقة عنها.

وحذر من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار، ورفض تقسيم السودان، معتبراً أن الحفاظ على وحدته يقتضي معالجة الأسباب التي تدفع بعض مكوناته إلى المطالبة بتقرير المصير أو الانفصال. واستشهد بانفصال جنوب السودان عام 2011، محذراً من تكرار التجربة إذا بقيت جذور النزاع من دون معالجة.

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

ودعا نور إلى عقد اجتماع يعالج قضايا الهوية والعلاقة بين الدين والدولة واحتكار السلطة، إلى جانب إدارة التنوع والموارد وشكل الحكم. وقال: «المواطنة المتساوية وسيادة القانون هما ضمان الوحدة»، مؤكداً أن الخلافات السياسية ينبغي أن تُحسم عبر الانتخابات والبرلمان.

وقال نور إن حركته خلصت، بعد اندلاع الحرب 2023، إلى أن الحياد وحده لا يكفي، فأطلقت في أكتوبر 2023 مبادرة دعت إليها الأحزاب وحركات الكفاح المسلح ومنظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والشخصيات الوطنية، بهدف وقف الحرب وإنهائها، ومواجهة خطاب الكراهية، واستعادة التحول المدني الديمقراطي. وانتقلت لاحقاً إلى محاولة تشكيل جبهة للقوى المدنية الرافضة للحرب وغير المصطفة مع طرفيها، لاستعادة ثورة ديسمبر وأهدافها. واقترحت الحركة معايير لتمثيل الشباب والنساء ولجان المقاومة والمجتمع المدني والإدارات الأهلية والشخصيات القومية.

خلاف العلمانية

روى النور وجود خلاف حول العلمانية، مشيراً إلى أن حزب الأمة، يوافق على مضمون العلمانية، لكنه يتحفظ على المصطلح. وأشار إلى تشكيل لجنة برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الانتقالي السابق، الذي تواصل مع عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان/ قطاع الشمال بشأن صياغة تنص على فصل الدين عن الدولة. وأضاف أن حزب الأمة طلب نصاً يحمل المعنى نفسه من دون استخدام المصطلحات المرتبطة بالعلمانية، ومُنح أسبوعين للتشاور داخل مؤسساته.

الرئيس الكيني ويليام روتو مع حمدوك وعبد الواحد نور رئيس «حركة تحرير السودان» خلال توقيع وثيقة نيروبي مايو 2024 (إكس)

وقال إن انقسام «تقدم» وظهور «صمود» ثم «تأسيس» جاء بعد تلك المداولات. وكانت «تقدم»، وهي تنسيقية لقوى مدنية بقيادة حمدوك، قد انقسمت في فبراير (شباط) 2025 بسبب الخلاف بشأن تشكيل حكومة موازية، وأعلن المعارضون لهذا الخيار تحالف «صمود» بقيادة حمدوك. وأكد النور أن حركته لن تستمر في المبادرة إذا انحرفت عن هدف استعادة ثورة ديسمبر والتأسيس لحكم مدني، مشدداً على رفض الالتحاق بالإسلاميين بقوله: «ما بنمشي للكيزان». و«الكيزان» تعبير سوداني شائع يُستخدم للإشارة إلى التيار الإسلامي، ولا سيما المرتبطين بنظام البشير، الذي حكم البلاد منذ انقلاب عام 1989 حتى إطاحته عام 2019.

ودعا النور إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد بعد وقف الحرب، على أن تخضع جميع القوات، بما فيها قوات حركته، لمعايير موحدة.

وقال: «الجيش لا يحكم، الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة»، معتبراً أن إعادة بنائه يجب أن تنهي احتكار قيادته وتدخله في السلطة، وتحصر مهمته في حماية الأرض والشعب والدستور.

واستند في دعوته إلى ما وصفه باستمرار البنية الموروثة من الاستعمار، متهماً نخَباً محددة بالسيطرة على القيادة واستخدام المؤسسة العسكرية لقمع مطالب مناطق أخرى.

واتهم النور الجيش بارتكاب جرائم في الجنوب والنيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور، باستخدام أسلحة كيميائية، مستشهداً بتقرير أصدرته منظمة العفو الدولية عام 2016 بشأن جبل مرة. وكانت المنظمة قد قالت إنها جمعت أدلة ترجح استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، فيما نفت الحكومة السودانية آنذاك تلك النتائج ورفضت الأدلة التي استند إليها التقرير.

حمدوك وعبد الواحد محمد نور خلال لقاء سابق في باريس (الشرق الأوسط)

ووصف النور الجيش القائم بأنه «أكبر ميليشيا»، وعدّه تابعاً للإسلاميين، داعياً إلى بناء مؤسسة عسكرية تمثل قوميات السودان ومناطقه، وفق شروط واضحة للخدمة وتأهيل الضباط وتشكيل القيادة؛ وأكد أن قوات حركته لن تُستثنى من هذه العملية.

المحاسبة داخل الحركة

ورداً على اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق أعضاء في الحركة، قال نور إن المغادرة متاحة لمن يريد، بينما يخضع من يبقون للوائح التنظيم والقانون العسكري. وأكد أن المحاسبة تشمل القيادة، بمن فيها هو، وأن للحركة مؤسسات عدلية. واتهم بعض الخارجين من الحركة باستخدام تلك الاتهامات لتبرير انتقالهم إلى النظام الذي تمردوا عليه، معلناً استعداده للمثول أمام محكمة دولية أو محاكم دولة تحترم سيادة القانون. وقال إنه موجود في كينيا ومستعد للمثول أمام محاكمها إذا قُدمت قضية ضده.

ورفض اختزال الحركة في شخصه، قائلاً: «حركة تحرير السودان ده ما حق عبد الواحد»، ومؤكداً أن بإمكانها اختيار رئيس آخر. لكنه لم يقدم، في إجابته، تفاصيل عن مصير الأعضاء الذين تناولتهم الاتهامات.

وبشأن أوضاع المدنيين، قال إن مناطق سيطرة الحركة في جبل مرة (غرب دارفور) تستقبل، وفق تقديراته، أكثر من سبعة ملايين سوداني. وأضاف أن قواته توفر لهم الأمن، لكنها تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لتوفير الغذاء والمياه والسكن، داعياً المنظمات إلى مساعدتهم والصحافيين إلى زيارة المنطقة، كما رفض تصنيف حركته ضمن «حركات دارفور»، معتبراً أن مشروعها يتعلق بالسودان كله، وأن حصر القوى القادمة من الأقاليم في المطالب المحلية يحرمها من المشاركة في تحديد السياسات الوطنية.

التفاوض بشروط

نفى النور رفض التفاوض من حيث المبدأ، موضحاً أن حركته تفاوضت مع نظام البشير في جولتين بمدينة أبشي التشادية عام 2003، ثم شاركت في سبع جولات بأبوجا النيجيرية بين عامي 2004 و2006. وانتهت مفاوضات أبوجا إلى اتفاق في مايو (أيار) 2006 وقعه جناح مني مناوي، بينما رفضه جناح النور وحركة العدل والمساواة لعدم تلبيته مطالبهما السياسية والأمنية. وقال نور إن تلك التجربة دفعته إلى رفض العودة إلى التفاوض مع النظام، بعدما خلص إلى أنه يسعى إلى استيعاب معارضيه بالمناصب والأموال، لا إلى تحقيق السلام. وأضاف: «الثورة عمرها ما بتبقى جزء من النظام». واستشهد بعد ذلك برفضه التحالفات، وبتعاون الحركة مع حركة العدل والمساواة، ومشاركتها في التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة الثورية و«الفجر الجديد» وإعلان باريس عام 2014.

وعزا مغادرتها الجبهة الثورية، التي جمعت حركات مسلحة معارضة للبشير، إلى تحولها، في تقديره، من جبهة لإسقاط النظام إلى جبهة تفاوض تسعى إلى «الهبوط الناعم» عبر «نداء السودان»، في إشارة إلى التوصل لتسوية مع النظام بدلاً من إسقاطه.