انتهاء ولاية «اليونيفيل» يضع أمن جنوب لبنان أمام اختبار صعب

الاتحاد الأوروبي ينشئ بعثة تدريب للجيش اللبناني

احتفال قوات «اليونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات «اليونيفيل»)
احتفال قوات «اليونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات «اليونيفيل»)
TT

انتهاء ولاية «اليونيفيل» يضع أمن جنوب لبنان أمام اختبار صعب

احتفال قوات «اليونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات «اليونيفيل»)
احتفال قوات «اليونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات «اليونيفيل»)

يستنفر لبنان الرسمي لتلقف الفراغ الأمني الذي من المتوقع أن ينتج عن مغادرة القوات الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل) مع انتهاء ولايتها نهاية العام الحالي، في ظل غياب تفاهم دولي على تمديد مهامها أو على قوة بديلة تحل مكانها، في حين أنشأ الاتحاد الأوروبي الاثنين بعثة لدعم القوات المسلّحة اللبنانية، مع تأكيده أنها ليست بديلاً عن «اليونيفيل».

وقالت مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس: «ستقدم هذه البعثة المشورة والمساعدة للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي لتعزيز سيطرتها على أراضيها، وأمن الحدود، والأمن الداخلي». وأضافت: «من خلال هذه البعثة الجديدة - التي تشكّل تحديثاً مهماً لعلاقاتنا الأمنية - نواصل دعم مؤسسات الدولة في استعادة السيادة الكاملة، وبناء استقرار دائم للشعب اللبناني». وذكر مسؤولون في التكتل أن المهمة التي تستمر ثلاث سنوات تهدف إلى نشر 150 موظفاً مدنياً وعسكرياً.

«فراغ أمني» متوقع؟

تقع منطقة عمليات «اليونيفيل» في جنوب لبنان، بين نهر الليطاني شمالاً و«الخط الأزرق» جنوباً، وتمتد على مساحة تقارب 1060 كيلومتراً مربعاً. وهي منطقة يقع جزء كبير منها تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ العام الماضي.

وبالتالي، فإن انتهاء مهمة «اليونيفيل» وخروج قواتها من المنطقة الحدودية مع إسرائيل يطرحان تساؤلات جدية حول الجهة التي ستتولى ملء الفراغ الذي قد ينشأ عن انسحابها، والآليات التي ستُعتمد لضمان استمرار مراقبة «الخط الأزرق» ورصد الانتهاكات، خاصة في ظل القدرات المحدودة للجيش اللبناني على تولّي المهام الأمنية والميدانية التي كانت «اليونيفيل» تؤديها، ولا سيما في المناطق التي يصعب الوصول إليها، أو التي تخضع لقيود عسكرية إسرائيلية.

جنود من بعثة «اليونيفيل» يشاركون في دورية عسكرية جنوب لبنان على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

قوات دولية بإمرة الجيش

يعتبر العميد المتقاعد خليل الحلو أن «الوضع الاستراتيجي في جنوب لبنان لن يتغير برحيل (اليونيفيل). ما سيحصل أن مهمة الجيش ستكون أصعب بغياب أحد الوسطاء بين لبنان وإسرائيل، علماً أن الجانب الأميركي يقوم بهذه المهمة في المرحلة الحالية».

ويشير الحلو في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «في ما يتعلق بالقوات الدولية البديلة التي يُحكى عنها، فهي يجب أن تكون تحت الإمرة العملانية للجيش، ومن الأفضل أن تكون لوجستية (طبية - هندسية - اتصالات)، ليس فقط لمساندة الجيش، وإنما للمساعدة في إعادة ترميم المنشآت الحيوية، باعتبار أن (اليونيفيل) كانت مصدر دخل للجنوبيين الذين سيفقدون جزءاً من الحركة الاقتصادية ووظائف بالمئات، ومجملهم من جمهور مؤيد لـ(حزب الله) و(حركة أمل)».

مصلحة لبنان وخطط إسرائيل

من جهته، ينبّه الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين إلى أن «الخشية ليست من رحيل قوّة عسكريّة في حدّ ذاته، بل من رحيل الشاهد الدوليّ الوحيد على ما يجري على الحدود. فانتهاء ولاية قوات (اليونيفيل) يحصل في ظرف بالغ الدقّة؛ إذ لا تزال القوّات الإسرائيليّة تحتلّ مناطق حدوديّة في الجنوب، في حين يخوض لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة».

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (اليونيفيل)

ويوضح يمين: «مكمن الخطر أنّ أيّ اتّفاق يتم التوصل إليه يحتاج إلى من يتحقّق من تنفيذه على الأرض. فمن دون حضور دوليّ تصبح الرواية الإسرائيليّة هي الرواية الوحيدة، ويغدو كلّ خرق قابلاً للتبرير، وكلّ اعتداء قابلاً للتسويق بوصفه دفاعاً عن النفس».

ويضيف يمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «(اليونيفيل) لم تكن مجرّد مراقب، بل كانت أيضاً قناة اتّصال بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، تحتوي الحوادث قبل أن تتدحرج إلى مواجهات أوسع، وغيابها يجعل إدارة أيّ أزمة أشدّ صعوبة وأعلى تكلفة»، مشدداً على أن «مصلحة لبنان من وجود قوّات دوليّة جنوباً هي مصلحة قانونيّة وسياديّة قبل أن تكون أمنيّة. فالقوّة الدوليّة العاملة تحت راية الأمم المتّحدة تنتشر بموافقة الدولة اللبنانيّة وطلبها، وتستمدّ شرعيّتها من قرارات مجلس الأمن، لا سيّما القرارين (425) و(1701)، اللذين يقومان على مبدأ الانسحاب الإسرائيليّ الكامل وبسط سلطة الدولة اللبنانيّة حتّى الحدود المعترف بها دوليّاً. والإبقاء على هذا الإطار الأمميّ يعني الإبقاء على المرجعيّة القانونيّة التي تحمي الحقّ اللبنانيّ، بدل الانزلاق إلى ترتيبات ثنائيّة يختلّ فيها ميزان القوى اختلالاً فادحاً لصالح الطرف الأقوى».

عناصر من «اليونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية - الإسرائيلية من برج مراقبة في بلدة مروحين جنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)

وتتجلّى المصلحة اللبنانية بوجود دولي في الجنوب في أربعة أمور، بحسب يمين: «أوّلها توثيق الخروق الإسرائيليّة وتكوين سجلّ دوليّ موضوعيّ يمكن الاحتجاج به أمام المراجع الدوليّة. وثانيها مؤازرة الجيش اللبنانيّ في مرحلة يُطلب منه فيها أن يتولّى وحده الأمن جنوب الليطاني. وثالثها تثبيت الالتزام الدوليّ باستقرار الجنوب، بحيث لا يُترك لبنان وحيداً في مواجهة إسرائيل. ورابعها البُعد الإنسانيّ والاقتصاديّ الذي أدّته هذه القوّة طوال عقود في حياة القرى الجنوبيّة».

ويعتبر يمين أن «إسرائيل لا تريد شاهداً؛ فالحضور الدوليّ، بما يوفّره من رقابة وتوثيق، يقيّد حرّيّة الحركة التي اعتادتها في الجنوب، ويُبقي سلوكها تحت عين المجتمع الدوليّ. والقراءة (الأدقّ) أنّ ثمّة نزعة إسرائيليّة إلى إنهاء هذا الوجود والدور الأمميّ؛ للاستفراد بلبنان والتصرّف بجنوبه من دون رقيب».


مقالات ذات صلة

«كهرباء لبنان» تبدأ قطع التيار عن وزارات وبلديات ومؤسسات عامة

المشرق العربي صورة متداولة لمؤسسة «كهرباء لبنان» (الوكالة الوطنية للإعلام)

«كهرباء لبنان» تبدأ قطع التيار عن وزارات وبلديات ومؤسسات عامة

بدأت مؤسسة «كهرباء لبنان» الاثنين تنفيذ إجراءات قطع التيار الكهربائي عن الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات المتخلّفة عن تسديد مستحقاتها المالية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

تعهُّد «حزب الله» عدم إسناد إيران هل يُلزم «مجلسه الجهادي»؟

يتعامل لبنان بجدية مع الرسائل التحذيرية التي وصلت إليه، سواء بالواسطة أو مباشرةً، وتحمل تنبيهاً من أن إسرائيل ستضطر إلى توسعة المنطقة الأمنية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جندي لبناني يستخدم جواله لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

الجيش اللبناني يرفض التنسيق الثنائي مع إسرائيل قبل الانسحاب من الجنوب

يرفض الجيش اللبناني مطالب إسرائيلية بتنسيق ثنائي مباشر بين الجيشين تجنباً لاستباق نتائج المفاوضات ومنعاً لتحويله إلى مادة تجاذب سياسية في الداخل 

نذير رضا (بيروت)
الاقتصاد اجتماع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي في باريس (المجموعة)

«فاتف» تُبقي لبنان على «القائمة الرمادية» وتطالبه باستكمال إصلاحاته

أبقت مجموعة العمل المالي «فاتف» لبنان على قائمتها الرمادية للدول الخاضعة للمتابعة المعززة، رغم إقرارها بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية منذ أكتوبر 2024.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة

صبحي أمهز (بيروت)

الأردن: الطراونة رئيساً لمجلس النواب وكلام تحت القبة عن سيطرة الحكومة على المجلس

نواب أردنيون في المجلس الجديد يستمعون إلى خطاب العاهل الأردني الذي افتتح دورته الثالثة
نواب أردنيون في المجلس الجديد يستمعون إلى خطاب العاهل الأردني الذي افتتح دورته الثالثة
TT

الأردن: الطراونة رئيساً لمجلس النواب وكلام تحت القبة عن سيطرة الحكومة على المجلس

نواب أردنيون في المجلس الجديد يستمعون إلى خطاب العاهل الأردني الذي افتتح دورته الثالثة
نواب أردنيون في المجلس الجديد يستمعون إلى خطاب العاهل الأردني الذي افتتح دورته الثالثة

فاز النائب عن حزب الميثاق (المُقرب من الحكومة)، إبراهيم الطراونة، برئاسة مجلس النواب بـ70 صوتاً، بفارق 30 صوتاً عن منافسيه مجحم الصقور (37 صوتاً)، وسليمان الزبن (23 صوتاً).

وكان النائب مجحم الصقور، المنتسب لحزب الميثاق أيضاً، في مفارقة سياسة لم يفسرها الحزب حتى الآن. قطع فرحة الطراونة، بعد اتهام رئيس الحكومة جعفر حسان بالتدخل في انتخاب رئاسة مجلس النواب، والانحياز لمرشح بعينه.

وقال الصقور: «لدي قناعة بتدخل الحكومة في اختيار الطراونة»، مطالباً بـ«استقلال السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذيّة»، الأمر الذي يجب «الوقوف عنده».

الأمير الحسين بن عبد الله ولي عهد الأردن إلى جانب والده أمام حرس الشرف في العاصمة الأردنية أمس (الديوان الملكي)

وأضاف الصقور أن انتخاب رئيس مجلس النواب يجب أن يتم عبر الممارسة الحرة في الانتخاب، لا عبر «تفاهمات تتم بالخارج (يقصد خارج مجلس النواب) لحسم اختيار الرئيس وليس انتخابه».

وأحرج النائب الصقور، الذي انتخب لـ7 دورات نيابية منذ عام 1997، رئيس الوزراء جعفر حسان، عند مهاجمة الصقور الرئيس مباشرة بسؤاله كيف يمكن لمجلس النواب ممارسة دوره الرقابي، إذا كان «حسان» يتدخل في انتخابات رئاسة المجلس؟

الصقور وفي مداخلته التي وصفها نواب بـ«النارية»، والتي صدرت عن نائب قريب من السلطة مثله، شدد على أن التعاون بين السلطات لا يعني «خضوع إحداها للأخرى»، مؤكداً أن مداخلته لا يُقصد منها التعرض للرئيس الجديد، بل هي محاولة لإنقاذ «هيبة البرلمان واستقلاله عن الحكومة».

الرئيس الجديد شقيق رئيس أسبق

النائب إبراهيم الطراونة، هو الأخ الشقيق لرئيس مجلس النواب لثلاثة مجالس متعاقبة، عاطف الطراونة، الذي اعتزل العمل البرلماني منذ عام 2020، على خلفية توقيف شقيق له بشبهة فساد في واحد من العطاءات الحكومية.

كما واجه الشقيق الأصغر للرئيسين سلسلة اتهامات عن مصادر ثروته، وإعادة ضبط حسابات الضرائب على شركات العائلة. ورغم إعلان الطراونة الأخ الأكبر اعتزاله العمل البرلماني مبكراً، فإن الانطباع لدى الرأي العام بأن الاتهامات لشقيقيه كانت سبباً في اعتزاله.

النائب إبراهيم الطراونة فاز برئاسة مجلس النواب (إعلام مجلس النواب)

الرئيس الجديد لمجلس النواب إبراهيم الطراونة، سبق أن انتخب نقيباً لأطباء الأسنان في دورتين متتاليتين، واختصر الرئيس الجديد، نشاطه السياسي، بانتمائه لحزب الميثاق عام 2023، وتولى مناصب قيادية في الحزب تمهيداً لترشحه للانتخابات الأخيرة التي جرت في سبتمبر (أيلول) من عام 2024 عن دائرة محافظة الكرك الجنوبية.

انقسامات داخل حزب الميثاق

كانت مفارقة لافتة لجهة ترشيح النائبين الطراونة والصقور، وهما ينتسبان لحزب الميثاق نفسه، ولا أحد يعرف كيف توزعت أصوات أعضاء كتلة الحزب البالغ عدد أعضائها 33 نائباً، مُشكّلة بذلك الكتلة النيابية الكبرى في المجلس الحالي، وعدد أعضائه 138 نائباً. علماً بأن الكتلة التي تليها في الوزن العددي، هي كتلة حزب الأمة (حزب جبهة العمل الإسلامي سابقاً)، بـ31 نائباً.

العاهل الأردني الملك عبد الله يصافح كبار الشخصيات الأردنية قبل دخوله إلى مجلس النواب لافتتاح دورته الثالثة (الديوان الملكي)

حزب الميثاق متهم بأنه صناعة رسمية، وأن بناء الحزب كان نتيجة لفكرة وجود حزب للسلطة تحت قبة البرلمان. لكن الحسابات الرسمية لعدد من الأحزاب الوسطية المحسوبة على السلطة لم تتطابق وحسابات هندسة المرشحين للانتخاب، وعلى أن توفر نصاب الأكثرية النيابية المُنتمية للأحزاب القريبة من الخط الرسمي والمتمسكة بسياسات محافِظة في مجال التشريع والرقابة.

بحسب مراقبين، فإن الأداء الحزبي تحت سقف قبة البرلمان لم يحقق الأهداف المرجوة. وباستثناء حزب الأمة (جبهة العمل الإسلامي سابقاً)، بالكاد يسمع الرأي العام مواقف معارضة تحاكي تطلعاته وطموحاته؛ الأمر الذي يستدعي، بحسب نخب سياسية وبرلمانية، تقييم تجربة لجنة التحديث السياسي والتشريعات التي انبثقت عنها، وتحديداً قانون الأحزاب والانتخاب.

فراغ سياسي يملؤه المعارضون

تُتهم حكومة جعفر حسان بأنها «قامعة للحريات وتضيق ذرعاً بالرأي الآخر»، كما أنها تسعى لتحصين نفسها من الانتقادات عبر سياسات إعلامية مستقلة. وتستشهد الحكومة باستطلاعات رأي، يجريها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية (جامعة رسمية)، تفيد بارتفاع مستوى رضا الأردنيين على رئيس الحكومة، في حين يحظى وزراؤه بنسبة رضا أقل.

وهنا كان لافتاً وبكل وضوح رسالة الملك لمجلس الأمة وللرأي للعام، في خطابه، بالقول: «أنتم صوت للشارع وحارس للمصلحة العامة، ورقيب على أداء الحكومة، على أن تكون الأولوية الحفاظ على مصلحة الأردنيين»... في إشارة إلى أن مجلس الأمة «الركن الأساسي والمُقدّم»، مُذكّراً بمبدأ «الأمة مصدر السلطات»، ومؤشراً إلى أهمية العلاقة بين السلطات على هذا الأساس.

كان واضحاً في خطاب الملك كذلك، أن المرحلة المقبلة ستشهد تفعيلاً لمبدأ التوازن بين السلطات، في حين تُجمع نخب سياسية على أن إضعاف مجلس الأمة يساهم ويساعد في الفراغ السياسي الذي قد يدفع المواطن للانتباه أكثر للضغوط الاقتصادية الاجتماعية، ويدفعه للتعبير عن الغضب.

لكن الملك الأردني واستدراكاً لما سبق بـ«حكمة تقدير المخاطر» في إدارة الأزمات، قد يعزز دور مجلس الأمة بغرفتيه (النواب والأعيان)، «على أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور ويحميه. فصدر هذا الوطن وصدرنا رحب أمام كل رأي... مخلص ومسؤول».


أهالي القنيطرة يمزقون لافتات تحذيرية إسرائيلية

توغل إسرائيلي داخل بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة خلال ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
توغل إسرائيلي داخل بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة خلال ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

أهالي القنيطرة يمزقون لافتات تحذيرية إسرائيلية

توغل إسرائيلي داخل بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة خلال ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
توغل إسرائيلي داخل بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة خلال ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

تشهد مناطق عدة من ريف القنيطرة السورية تطوراً لافتاً في تصعيد جنود الاحتلال الإسرائيلي تجاه السكان المحليين، تمثلت في وضع لافتات على الطريق العام تحمل عبارات تحذيرية بمنع المرور في أرتال تضم أكثر من 3 سيارات، وتهديد باستهداف من يخالف ذلك، بعد أن كانت ممارساته تشمل التوغلات، وإقامة الحواجز، وتفتيش المارة، واعتقال مدنيين.

ورغم أن حركة السيارات على الطريق العام ظلت على حالها، وقيام الأهالي بتمزيق اللافتات في عدة مواقع، فإن الأمر زاد من مخاوفهم في أن يصل في ظل تشديد الاحتلال من التضييق عليهم إلى إجبارهم على النزوح من بلداتهم، وقراهم.

لافتة في ريف القنيطرة السورية تحمل تحذيراً إسرائيلياً من مرور أكثر من ثلاث سيارات معاً (درعا24)

وأوضح مصدر محلي في مدينة السلام في القطاع الأوسط بريف القنيطرة، لـ«الشرق الأوسط»، أن أهالي في المنطقة مزقوا اللافتات التحذيرية في أكثر من موقع، أحدها في بلدة الصمدانية الغربية، بعد ساعات من وضعها من قبل جنود الاحتلال يوم الأحد على الطريق العام الواصل بين عدة بلدات وقرى، منها الحميدية، والصمدانية الغربية، ورسم الرواضي، والقنيطرة المهدمة.

وحملت اللافتات عبارات تحذر الأهالي من التنقل في قوافل تضم أكثر من ثلاث مركبات، مع تهديد كل من يخالف ذلك برد جيش الاحتلال.

وأكد المصدر أن حركة السيارات الاعتيادية على الطريق العام بين تلك البلدات والقرى لم يطرأ عليها تغيير بعد وضع تلك اللافتات، لأنها في الأصل خفيفة، ونادراً ما تمر أرتال سيارة طويلة عليها إلا عندما تكون هناك مناسبات أفراح (جهات لخطبة عروس، أو زفاف عروس من بلدة أو قرية إلى أخرى).

لافتة تحذيرية وضعها جيش الاحتلال الإسرائيلي قرب الحميدية في ريف القنيطرة السورية الأوسط (درعا24)

التصعيد الإسرائيلي الجديد الذي يهدف إلى خلق حالة من الرعب لدى السكان، والتضييق عليهم، زاد مخاوفهم وهواجسهم من أن يصل الأمر إلى أن يجدوا أنفسهم مجبرين على النزوح، حسب المصدر، الذي أضاف: «كانت انتهاكات الاحتلال تشمل التوغل، وإقامة حواجز، والتنفيش، والاستيلاء على الأراضي، وتطورت حالياً إلى لافتات تحذيرية، وتهديدات بتعرض السكان لخطر، والناس تهجس حالياً بأن الأمر يمكن أن يتطور في الأيام القادمة إلى أكثر من ذلك».

وأشار المصدر إلى أن لسان حال الشارع في ريف القنيطرة حالياً يقول: إن الأمر زاد على حده، ونتساءل أين الحكومة، والمجتمع الدولي، والأمم المتحدة مما يقوم به الاحتلال؟ مشيراً إلى أن المواطنين لا يريدون إحراج السلطات السورية الجديدة عبر القيام بتصرفات يمكن أن تؤدي إلى حرب، لافتاً إلى عمليات تهدئة للأهالي، خصوصاً في محافظة درعا جنوب البلاد، من خلال التوضيح أن الأمر يحل عبر الدبلوماسية المستمرة والمكثفة التي تقوم بها الحكومة.

بلدة الحضر بريف القنيطرة الشمالي على سفوح جبل الشيخ (درعا24)

وشهد محور ريف القنيطرة الشمالي تحذيرات مشابهة للأهالي من قبل الجنود الإسرائيليين، وأفاد مصدر محلي في بلدة حضر الواقعة على سفوح جبل الشيخ، وتقطنها غالبية من طائفة المسلمين الموحدين (الدروز)، بأن جنود الاحتلال حذروا الأهالي من مكوثهم بعد الساعة السادسة مساء في المنطقة الممتدة بين «الاستراحة» إلى «قرص النفل» شمال البلدة، حيث توجد نقطة عسكرية للاحتلال الإسرائيلي.

ورجح المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن يكون سبب التحذير الإسرائيلي هو الخوف من استهداف نقطته العسكرية، خصوصاً أن المنطقة عادة ما تشهد حركة كثيفة للدراجات النارية.

يذكر أن جيش الاحتلال الإسرائيلي عمد منذ اليوم الأول بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 إلى التوغل في المنطقة العازلة في الجانب السوري من هضبة الجولان، وانتشر في مناطق واسعة منها، في خرق فاضح لاتفاقية الهدنة الموقعة عام 1974.

وفي كلمة له ألقاها السبت خلال جلسة حول ‏مرتكزات الأمن الإقليمي ضمن أعمال الدورة الـ22 لمؤتمر حوار المنامة 2026، قال وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني: «تعرضت أراضينا لأكثر من 1000 اعتداء إسرائيلي خلال أقل من عامين أودت بحياة العشرات، فكيف يستقيم مطلب ضبط الحدود وحصر السلاح، والسيادة السورية تنتهك وتستهدف بشكل يومي؟».

وجدد الشيباني إدانته اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي المتكررة على الأراضي السورية، مكرراً المطالبة بالعودة إلى خطوط ما قبل الـ8 من ديسمبر لعام 2024، وتفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.


نازحو الخليل يعودون... ومشاهد الدمار أول ما ينتظرهم

شابة فلسطينية تتفقد الأضرار يوم الاثنين داخل شقة فجّرتها القوات الإسرائيلية بمنطقة عين دير بحّة بمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
شابة فلسطينية تتفقد الأضرار يوم الاثنين داخل شقة فجّرتها القوات الإسرائيلية بمنطقة عين دير بحّة بمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

نازحو الخليل يعودون... ومشاهد الدمار أول ما ينتظرهم

شابة فلسطينية تتفقد الأضرار يوم الاثنين داخل شقة فجّرتها القوات الإسرائيلية بمنطقة عين دير بحّة بمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
شابة فلسطينية تتفقد الأضرار يوم الاثنين داخل شقة فجّرتها القوات الإسرائيلية بمنطقة عين دير بحّة بمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

لم يجد مختار حي عين دير بحة بمدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة، حجازي التميمي (أبو الرائد)، مزيداً من حلوى «السكر الفضي» كي يوزعها على أحفاده الكثر الذين عادوا مع آبائهم إلى منزلهم الكبير في منطقة الجلدة بالحي، بعد 11 يوماً على إجبارهم من الجيش الإسرائيلي على النزوح.

وأجبر الجيش الإسرائيلي ضمن عملة شنها في الخليل ما لا يقل عن 3 آلاف شخص، بينهم أكثر من 200 رضيع و32 من ذوي الإعاقة، على مغادرة بيوتهم قسراً، وذلك رداً على هجوم نفَّذه مسلحان فلسطينيان ينحدران من حي عين دير بحة، وأسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين عند حاجز قرب المدينة، قبل أقل من أسبوعين.

وقال التميمي (70 عاماً) بعد أن عاد إلى منزله: «نحن هنا ولن نهاجر، نحن هنا شروشنا (جذورنا) مثل شروش التين في الأرض».

ومع ذلك كانت مشاهد الدمار والتخريب التي خلَّفتها العملية الإسرائيلية في الخليل أول ما ينتظر العائدين الذي ما كادوا يفرحون بعودتهم حتى صُدموا بالتخريب الذي طال ممتلكاتهم ومنازلهم.

كانت فرحة التميمي الذي أُدخل المستشفى قبل أسبوع بعدما اعتدى عليه جنود الاحتلال لمنعه من الوصول إلى منزله، كبيرة، وعبَّر عن تحدٍّ لافت أمام العملية الإسرائيلية، كغيره من عائلات الحي التي استطاعت، الاثنين، الوصول إلى منازلها بعدما أجلاهم الجيش منها بالقوة، وأخيراً انسحب.

صبي فلسطيني يدوس علماً إسرائيلياً ملقى داخل فناء منزله بعد انسحاب الجنود الإسرائيليين منه في الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

وأظهرت فيديوهات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، احتفالات جماعية وسيارات تجوب الشوارع وشباناً يوزعون الحلوى ونساء يبكين عند وصولهن إلى منازلهن وأطفالاً يلهون في ساحات المنازل، على الرغم من أن معظم هؤلاء فوجئوا بحجم التخريب الذي خلَّفه الجنود هناك. واتهم فلسطينيون الجنود بتخريب المنازل والمحال والمؤسسات، وقال بعضهم إنهم تعرضوا للسرقة. وتداول فلسطينيون عبر منصات التواصل الاجتماعي إفادات عن سرقات تعرضوا لها.

وقال صاحب استوديو للتصوير يُدعى عبيدة مجاهد، إن محله تعرض للسرقة، وإن خسائره تجاوزت 100 ألف شيقل (نحو 32 ألف دولار)، جراء سرقة كاميرات ومعدات تصوير. وقالت امرأة، لم تعرَّف عن نفسها، إن الجنود حطموا منزلها وخربوه. وقالت امرأة أخرى إن الجنود أتلفوا جميع مستلزمات فرح ابنتها، مضيفةً: «كان عرسها قريباً... كسروا جهازها».

نساء فلسطينيات ينفضن الغبار عن أثاث منزلهن في منطقة «عير دير بحة» بمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة الاثنين بعد تعرضه للنهب والتخريب بفعل عملية نفّذها الجيش الإسرائيلي (أ.ف.ب)

وقال أسامة شاور، لوكالة الأنباء الرسمية، إن أبناءه عادوا إلى شققهم السكنية ليجدوا أن قوات الاحتلال حطمت معظم محتوياتها، ولم تسلم ألعاب الأطفال والعطور والنقود وحصالات الصغار من التخريب والسرقة، كما حُطمت الأبواب وعُبث بمحتويات المنازل.

وقال مهند التميمي، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن عائلته عادت لتجد شقتها مدمرة، أثاثها وملابسها مبعثرة على الأرض، وفراشها مقلوب، وألعاباً مكسرة.

ونشر كثير من الفلسطينيين مشاهد للتخريب والدمار الذي خلَّفه الجنود في منازلهم.

كان الجيش الإسرائيلي قد اقتحم الخليل، الجمعة قبل الماضي، مطلقاً عملية عسكرية في المدينة بعد هجوم فلسطيني على حاجز إسرائيلي في منطقة «فرش الهوى»، على مشارف المدينة، انتهى بمقتل جنديين وإصابة 3.

ومنذ بدأت العملية سيطر الجيش الإسرائيلي على مناطق في الخليل، وهدم 15 منزلاً، واحتل أخرى بعد أن طرد السكان من منازلهم، خصوصاً في منطقتي الجلدة ودير بحة، التي خرج منها المنفذون، حتى انسحب فجر الاثنين.

وأعلن محافظ الخليل خالد دودين، انسحاب قوات الاحتلال من كامل مدينة الخليل، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تسيطر على المنطقة بالكامل. وأوضح المحافظ أن بإمكان العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها العودة إليها.

وتمكنت العائلات من العودة إلى منازلها بعد فحص سريع أجرته الأجهزة الفلسطينية المختصة خشية وجود مخلفات متفجرة.

خبراء متفجرات بالشرطة الفلسطينية يتفحصون المنازل المهدمة والمتضررة في الخليل بعد الانسحاب الإسرائيلي (الشرطة الفلسطينية)

ودعا الدفاع المدني المواطنين إلى الالتزام بإرشادات السلامة بعد انسحاب قوات الاحتلال من الخليل، وعدم لمس الأجسام المشبوهة أو دخول المباني المتضررة قبل فحصها. وعلى الرغم من انتهاء العملية، لم تغادر القوات الإسرائيلية كامل المنطقة.

تأجيل الانسحاب

وقالت مصادر عسكرية لهيئة البث الرسمية إنه تقرر تأجيل انسحاب القوات من الأحياء الفلسطينية في المدينة إلى ما بعد السبت المقبل على الأقل، بسبب التوقعات بوصول نحو 20 ألف شخص إلى المدينة لإحياء فعالية دينية يهودية تُعرف باسم «سبت سارة».

ولم يُصدر الجيش بياناً رسمياً حول إنهائه العملية، لكنَّ مسؤولاً عسكرياً أكد للصحافيين ذلك، وقال إن القوات غادرت المنازل في مناطق محددة، وتستعد لتأمين «سبت سارة».

صورة لسيارة أضرم فيها مستوطنون إسرائيليون يمينيون النار في محاولة لمنع شرطة الحدود والجيش الإسرائيلي من هدم بؤرة استيطانية غير قانونية في مدينة سلفيت بالضفة الغربية المحتلة الاثنين (أ.ف.ب)

وانتهت العملية بعد خلاف بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس من جهة، والذين تعهَّدوا في البداية بأن ينقلوا تجربة «المخيمات» في الضفة (الاحتلال والتهجير) إلى أحياء الخليل، وبين رئيس أركان الجيش إيال زامير الذي طالب قبل الانتخابات الإسرائيلية، بإنهاء العملية في ضوء النتائج الضعيفة وصعوبات قانونية.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إنه تم إنهاء العملية بعد استثمار عديد من القوات والموارد فيها، حيث بدت الإنجازات العملياتية محدودة وضئيلة قياساً بنطاق العملية ومدتها.