د. آمال موسى
وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة في تونس سابقاً وأستاذة جامعية مختصة في علم الاجتماع، وشاعرة في رصيدها سبع مجموعات شعرية، ومتحصلة على جوائز مرموقة عدة. كما أن لها إصدارات في البحث الاجتماعي حول سوسيولوجيا الدين والتدين وظاهرة الإسلام السياسي.
TT

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

استمع إلى المقالة

في منتصف القرن الماضي وبعد الحرب العالمية الثانية وحصول الدول العربية تباعاً على استقلالها، تميزت النخب السياسية الحاكمة آنذاك بحماسة البناء ورسم خريطة طريق للتنمية. وأهم ما يمكن رصده بالنسبة إلى تلك الحقبة التاريخية أن عمليات التنمية لم تخضع جميعها للمقاربات نفسها ولا كانت بالوتيرة نفسها. لذلك؛ فإن التجارب التنموية في البلدان العربية ليست واحدة. ويبدو لنا أن الدول التي وُفِّقت في بدايات مشروعاتها التنموية هي التي اختارت الرهان على الرأسمال البشري، وتطلّب منها ذلك حزمةً من التشريعات الاجتماعية الفردية الأساسية حتى يُهيَّأ «الفضاء الثقافي والاجتماعي»، عبر غرس أنظمة رمزية قادرة على إعادة تشكيل الرأسمال البشري على النحو الذي يُمكّنه من صنع التقدم؛ ولو كان ذلك عبر أجيال.

ربما كانت زمنية التنمية نفسها حينها على نمط الزمنية الاجتماعية والسياسية والثقافية. أما اليوم، فإن تحديد الوتيرة لم يعد شأناً خاصاً بمجتمعٍ ما أو دولةٍ معينة. هناك زمنية فوقية مهيمنة على الجميع ومفروضة عليهم. لذلك؛ فإن فكرتنا هي أن التقدم بات مسألة إجبارية كإجبارية التعليم وإجبارية عدم الاعتداء على حقوق الغير. وهو إجباري - أي التقدم - لأنه بات مرتبطاً بالوجود في العالم، ولم يعد بالإمكان الاكتفاء بالاستهلاك والفرجة من دون أن نكون من المشاركين في صنع هذا التقدم الذي لا يكفّ عن التقدم.

لقد أملت ثورةُ تكنولوجيا الاتصال اليوم شروطَها من أجل ضمان الوجود، وهي ثورة ليست صبوراً كما هي حال الثورة الصناعية، ومن بعدها الثورة الفكرية في القرن الـ18، وصولاً إلى الثورة الفرنسية. لم يعد مفهومُ التقدم مجردَ رفاهية؛ بل أصبح، أكبر من أي وقت مضى، قضيةَ وجودٍ واستمرارٍ للشعوب. وإذا كانت النظريات النقدية الحديثة، لا سيما أطروحات مدرستَيْ «فرنكفورت» و«ما بعد الحداثة»، قد فَكّكت آيديولوجيا التقدم الغربي وحذرت من تحول التطور التقني أداةً للهيمنة واغتراب الإنسان وتدمير البيئة، فإن هذا التحذير فات أوانه اليوم؛ لأن المحظور قد وقع، ولا بد من مقارباتِ فعلٍ ومشارَكة، لا مقارباتِ تأقلمٍ سطحي من بوابة الاستهلاك السلبي كما هو واقع حالياً. نحن هنا في قلب مشكلة عويصة؛ هي معضلة الفهم العربي الراهن للتقدم، الذي لا يزال يُختزَل في بعده المادي.

هذا التشظي بين الإقبالِ الجارف على استهلاك منتجات الثورة الرقمية، والتمسكِ في الوقت نفسه بتنشئةٍ فكرية تقليدية تنتصر للمؤسسات على حساب الفرد، يُنتج تقدماً شكلانياً لا يُعالج الفجوة الحضارية، التي تنبّأ بها ونقَدَها روادُ الفكر العربي المعاصر، حيث أكد عبد الله العروي حتميةَ تبني ما يسميها «التاريخانية الحداثية» بوصفها «منظومة شاملة»، بينما ركز محمد عابد الجابري على تفكيك بنية التراث لإحياء العقلانية القائمة على الاستدلال، ودعا التونسي هشام جعيط إلى استيعاب جوهر التحرر الفكري العميق للنسق الثقافي الأوروبي. وكما نلحظ، فإن النخب الفكرية العربية كانت واعية بحالة التشظي في علاقة العرب بالتقدم وبكيفية فهمه، أي إن الغالبَ على هذه العلاقة الطابعُ الاستهلاكي، وهو ما يطعن في هذا الفهم.

إن «الأبعاد الغائبة» أو «شبه الغائبة» لم نتمكن من تذليلها؛ وإن كانت هناك بدايات محتشمة. لذلك؛ فإننا بحاجة إلى خطة جريئة تقطع مع معوّقات التقدم، المتمثلة في بيداغوجيا التلقين، وتغييب العقل النقدي، واعتماد اقتصاد الريع، وتواضع المسارات الحرياتية والحقوقية التي تؤثر على الإبداع وتوظيف قدرة العقل العربي على التميز؛ وهو من الأسباب الدافعة للأدمغة العربية، بما فيها الشابة، إلى الهجرة نحو الخارج.

ورغم كل هذه الثغرات، فإن التحول العالمي الجارف منذ سنوات نحو «اقتصاد المعرفة» و«الذكاء الاصطناعي» يَفتح أمام المجتمعات العربية فرصة مهمة للتدارك الحضاري، ولإحداث نقلة نوعية في مجال التقدم... ذلك أن اقتصاد المعرفة جعل من البياناتِ مصدرَ خلقِ الثروةِ الجديدَ، ومن الابتكارِ الخوارزمي أداةَ الهيمنة. أي إن التقدمَ آليةٌ دفاعية إجبارية للمشاركة الفعلية في هذا الاقتصاد الذي يقوم على التفوق المعرفي بالأساس.

وفي الحقيقة؛ ما يعزز فكرة وجود فرصة تاريخية اليوم لتعزيز الصلة بماهية التقدم وشروطه؛ أن مجتمعاتنا تمتلك قوة ديموغرافية فريدة، تتجسد في كتلة شبابية هائلة هي الكبرى مقارنة بدول طاعنة في التقدم لكنها تعاني من التَّهَرُّمِ السكاني... ولا تقتصر هذه القوة على الكمّ الديموغرافي الشبابي؛ بل إن العالمَ المتقدمَ نفسَه بات يستورد خيرةَ شبابنا، وهو يعي جيداً ذكاء الكفاءات العربية العلمية المهاجرة في ميادين الهندسة، والطب، والعلوم الدقيقة والرياضيات، وهي العقول التي تُثبت جدارتها يومياً في أرقى مراكز الأبحاث والمستشفيات والشركات التكنولوجية العالمية.

بيت القصيد: لم يَعُد بالإمكان مواصلة تبني فهم مبتور للتقدم، خصوصاً أن «اقتصاد المعرفة» المولع به شبابنا قد بات من أهم موارد التقدم والمنافسة، وهو فرصة كي نشارك العالم المعرفة ونبتعد عن دور المتفرج المستهلك.