د. محمود محيي الدين
المبعوث الخاص للأمم المتحدة لأجندة التمويل 2030. شغل وظيفة النائب الأول لرئيس البنك الدولي لأجندة التنمية لعام 2030، كان وزيراً للاستثمار في مصر، وشغل منصب المدير المنتدب للبنك الدولي. حاصل على الدكتوراه في اقتصادات التمويل من جامعة ووريك البريطانية وماجستير من جامعة يورك.
TT

أضرار نافعة ومنافع مخفية

استمع إلى المقالة

فعاليات أربع شاركت فيها خلال الأسابيع الماضية أستخلص منها أربع رسائل ذات دلالة عمّا أقصده بهذا العنوان:

الرسالة الأولى؛ كانت عن الاستثمار في المستقبل، وترددت في منتدى الاستثمار العالمي، الذي نظمته «أونكتاد» التابعة للأمم المتحدة واستضافته الدوحة بإعدادٍ متميز. فالاستثمار الأجنبي زاد حقاً بمقدار 6 في المائة رغم المعوقات؛ ولكن 80 في المائة منه تستأثر بها 20 دولة فقط، والمشاريع المعلن عنها في البلدان النامية انخفضت بأكثر من الربع مقارنةً بالعام الماضي بما في ذلك مجالات البنية الأساسية، والصحة والغذاء، والاستثمار ينبغي له أن يرفع مستويات المعيشة وفرص العمل ويحافظ على الاستدامة، ويدعم السلم والأمن وإعادة البناء.

وهذا كله لا يسانده في رأيي الوضع الراهن للترتيبات الدولية، ولا أقول النظام الدولي؛ فالنظام يحمل من المعاني والتوقعات ما لا يفي به ما هو سائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من أوجه التحيز والتمييز وتباين تطبيق القواعد وانتقائية تنفيذ المعايير. استدعى هذا الدعوة إلى تبني إطار عمل جديد، تم الإعلان عنه في نهاية المنتدى، يتضمن حوكمة الاستثمار وربطه بالاستدامة وجودة الحياة، ويتعامل مع الذكاء الاصطناعي وصناعات المستقبل، والتمويل وأدوات تخفيف المخاطر، وتوفير البيانات، ومساندة رواد الأعمال خصوصاً الشباب والنساء.

الرسالة الثانية؛ ما كان من نقاش في ندوة في القاهرة حول كتابين صدرا هذا العام عن دار نشر جامعة أكسفورد، عن الاقتصاد المصري والاقتصاد المغربي. برز فيها التأكيد بأوجه مختلفة على نهاية ما يعرف بتوافق واشنطن الذي لخصه الاقتصادي جون ويليامسون في عام 1989 في عشرة بنود تتبناها مؤسستا «بريتون وودز» -البنك الدولي وصندوق النقد الدولي- من أهمها ما يتعلق بتحرير التجارة والاستثمار وسعر الصرف وتقييد الإنفاق العام، بما يستدعي اليوم البحث عن نموذج نمو جديد ببوصلة مرشدة واضحة الوجهات لإدارة الاقتصاد. هذا يمنح الحرية للبلدان المختلفة في اختيار ما يناسبها. ويؤكد هذا ما ذهب إليه تقرير لجنة النمو الصادر في عام 2008، الذي قاد أعماله الاقتصادي الحائز نوبل في الاقتصاد، مايك سبنس، من أن تجارب النمو الناجحة تشهد بأنه لا توجد وصفات جاهزة لتحقيق التنمية فتطبّقها كل دولة، ولكن هناك مكونات أساسية لا غنى عنها لأي دولة، من أهمها الاستثمار في البشر، وتطوير البنية الأساسية، وإرساء الحوكمة، وتحقيق التراكم عبر الوقت.

الرسالة الثالثة؛ ظهرت في جلسة أدرتها في قمة قادة الأعمال، التي نظمتها الغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية تزامناً مع الاجتماع الوزاري للجنة التعاون الاقتصادي والتجاري لمنظمة التعاون الإسلامي، عن أهمية «الإقليمية الجديدة» التي تدفع بالتجارة والاستثمار والتبادل المعرفي بين دول الجوار الجغرافي أو دول يجمعها توافق المبادئ والتوجهات رغم بعد المسافات بينها. وتتجلى أهمية «الإقليمية الجديدة» مع الصراعات الجيوسياسية والحروب المحتدمة واهتراء خيوط الإمداد، وتواتر واستمرار أزمات المناخ والطاقة والغذاء والديون. وهو ما دفع وزير تجارة الدولة المضيفة للقمة، البروفسور عمر بولات، إلى التأكيد أننا بحاجة إلى نموذج تعاوني جديد للصمود طويل الأمد، مضاد للصدمات والأزمات.

الرسالة الرابعة؛ من مؤتمر عُقد في لندن الشهر الماضي عن التنمية في أفريقيا نظَّمته صحيفة «الفاينانشال تايمز»؛ ذكرت في جلسة فيه عن تمويل التنمية أن تراجع المساعدات الإنمائية يمكن اعتباره من المنافع والخيرات المخفية. شهدنا عامين من تراجع حاد للمساعدات والمنح الدولية بسبب إلغاء المعونة الأميركية، وتخفيض المساعدات الأوروبية؛ إما لقيود من الموازنات العامة وعجزها، وإما لتقييد سياسي من الحكومات والمعارضة اليمينية، وإما للسببين معاً. لا شك في تضرر قصير المدى لبلدان نامية اعتمدت على هذا النوع من التمويل. ولكن هل يمكن إغفال ردود الأفعال، وأهمها مراجعة نهج تمويل التنمية بل نموذج النمو نفسه المحرك لها؟ فقد تحررت حكومات من تمويل سهل وميسَّر ظاهرياً، ولكنه كبحَ الاجتهاد في حشد التمويل محلياً والاعتماد على الموارد الذاتية العامة والخاصة؛ كما وجه التمويل لمشاريع ليست ذات أولوية أصلاً، وانحازت السياسات العامة لمستهدفات لا تلبي تطلعات عموم الناس، وربطَ جهات صنع القرار بخيوط معلقة بمصادر الهبات والمساعدات التي تتحرك بالضرورة وفقاً لأولويات مانحيها، والتي قد لا تنسجم دائماً مع ضرورات مستقبليها من الممنوحين، الذين استسهلوا طريق الهبات حتى استبانوا وعورة نهاياته. وللمنادين بين حين وآخر بمشروع مارشال جديد، على غرار ما استفادت منه أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بدعم أميركي؛ فليتذكروا أن هذا كان لإعادة الإعمار، وليس الإعمار في الفراغ من البدايات، وكان لكيانات اشتركت مع المانح في الثقافة والنهج والتوجه، بمؤسسات تعليمية وقضائية وإنتاجية ورقابية عطلتها الحرب ولم تُجتث جذورها، فعجَّل مشروع الجنرال مارشال باستئناف أعمالها. والأهم أن عهد مارشال بمقوماته وأوزانه وزعاماته قد ولّى، ونحن اليوم في عالم سريع التغير بقواه الجديدة الصاعدة التي تنافس القوى التقليدية على الصدارة.

إذن فخلاصة الرسائل الأربع أن من تداعيات نهايات ما يسمى النظام العالمي ما يحمل مزايا الحرية والمرونة والبحث عن بدائل. فنحن بحاجة إلى إطار جديد للاستثمار والتجارة، وبحاجة من قبل هذا إلى نموذج جديد للنمو المطرد الشامل للجميع والمحقق لأهداف توطين التنمية، وبحاجة إلى تفعيل أسس التعاون من خلال «الإقليمية الجديدة» ذات النفع المتبادل والمتوازن لأطرافها. والأجدى من المنّ بمنافع المساعدات المشكوك فيها أصلاً، أن تُدرأ مفاسد الاستغلال والتدفقات المالية غير المشروعة.