غداً يحتفل العالم بـ«يوم الأمم المتحدة»؛ وهو التاريخ الذي نشأت فيه المنظمة عام 1945 بديلاً لـ«عصبة الأمم» التي تأسست بدورها مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى. وكما نعلم؛ فإنه لا توجد طريقة واحدة لتقييم أي مؤسسة أو منظمة، سوى بربط إنجازاتها بالأهداف المرسومة لها، التي تحدد هويتها وماهية وجودها.
لن نتوخى أي تعقيد أو مبالغة في التقييم، وسننطلق بكل موضوعية مما تضمّنه «ميثاق الأمم المتحدة» نفسه، الذي ينص على أن الهدف هو إنقاذ «الأجيال المقبلة» من ويلات الحروب. فالميثاق واضح، والواقع الدولي منذ عام 1945 إلى اليوم واضحٌ أيضاً.
نحن هنا نتحدث عن «ميثاق» يمثل «الدستور العالمي» لـ193 دولة. لذلك نراه دستوراً مهماً جداً، ويتحمل مسؤولية استقرار وحياة وسعادة سكان العالم، ونظرياً يجب أن تكون بنودُه في خدمة أفكار السلام والاستقرار والعدالة.
والسؤال ببساطة شديدة: هل نجحت منظمة «الأمم المتحدة»، التي تجاوز عمرها 8 عقود اليوم، في إنقاذنا - لأننا ننتمي حالياً جميعاً إلى مَن سُمُّوا «الأجيال المقبلة» عند تأسيس المنظمة - من ويلات الحروب؟
صحيح أنه إلى حد الآن لم تندلع حربٌ عالمية ثالثة، ولكن الحصيلة في الصورة الأشمل قد فاقت التكلفة البشرية الباهظة للحرب العالمية الثانية، وهو حكم استنتاجي صاغته الأرقام والوقائع: فقد اندلع أكثر من 250 صراعاً مسلحاً؛ سواء أكانت حروباً بين دول، أم حروباً أهلية داخلية. وحالياً يعيش العالم على وقع، وفي أتون، 65 صراعاً مسلحاً نشطاً، وهو الرقم الأعلى من ناحية النزاعات المتزامنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل إنه في السنوات الأخيرة حدثت قفزة كمية وعودة إلى الحروب المباشرة، مثل الحرب الروسية - الأوكرانية، والحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران. ومن ثمّ، فإن القول إن زمن الحروب المباشرة قد ولّى غير دقيق.
إن أهم رقم يُضعف أداء منظمة «الأمم المتحدة»، ويضع الأعضاء الـ5 أصحاب العضوية الدائمة في «مجلس الأمن» داخل قفص الاتهام، هو أنه منذ حرب فيتنام إلى الأزمات الراهنة، قد قُتل ملايين الأشخاص؛ بين مقاتلين ومدنيين. وزيادة على ذلك، فإن المأساة تُصبح أكبر حين نعلم أن الوفيات المرتبطة بالحروب منذ عام 1945 حتى الآن تقدر بعشرات الملايين؛ غالبيتهم مدنيون ماتوا بسبب المجاعات، والأوبئة، وانهيار البنى التحتية للمؤسسات الصحية، ونقص الماء الصالح للشرب؛ نتيجة الدمار.
إلى جانب ما يخبرنا به الواقع الدولي من تكلفة هائلة في الخسائر البشرية وعدد النزاعات وخطورتها، فإن ما أدى إلى فشل منظمة «الأمم المتحدة» في حماية «الأجيال المقبلة» من ويلات الحروب، إنما يكمن في الهيكل القانوني لـ«الميثاق» الذي قامت عليه. والمشكلة أنه حتى بعد مرور 81 عاماً، فإن تركيبة «العضوية الدائمة» التي تملك وحدها «حق النقض (الفيتو)» ما زالت هي نفسها، من دون اعتبار لتغيّر التوازنات الدولية ولا المسار الحقوقي الإنساني.
لقد خصّت الدولُ الـ5 المنتصرة في الحرب العالمية الثانية نفسَها باستخدام «حق النقض»، وهي: الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا (الاتحاد السوفياتي سابقاً)، وبريطانيا، وفرنسا، والصين. ويكفي أن تَستخدم إحدى هذه الدول الـ5 «الفيتو» حتى يسقط أي قرار في «مجلس الأمن»، في حين أن قارة مثل أفريقيا، التي تضم نحو مليار ونصف المليار نسمة، لا تملك مقعداً دائماً في «مجلس الأمن» يحمي مصالحها ويمكّنها من الدفاع عن نفسها... بل إن منطقة الشرق الأوسط، التي تعيش توترات مستمرة منذ عام 1948 إلى اليوم، لا تمتلك مقعداً، في حين وُظِّف «حقُّ الفيتو» كثيراً من أجل حماية إسرائيل ولعرقلة القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
والشيء الواضح حالياً هو أنه لا يمكن أن يظل «ميثاق الأمم المتحدة» جاثماً على أنفاس الشعوب التي لا تملك العضوية الدائمة في «مجلس الأمن».
والرد الجاهز تقريباً كلما أثيرت انتقادات، هو أن المادتين «108» و«109» من «ميثاق الأمم المتحدة» تشترطان لتحقيق أي تعديل أو إلغاء «حق الفيتو» موافقةَ وتصديقَ ثلثي الدول الأعضاء، على أن يكون من بينها جميع الدول الـ5 دائمة العضوية. وهو شرط تعجيزي وماكر أغلق أبواب الاجتهاد وحدد آليات قانونية تجعل التعديل والتطوير أمراً مستحيلاً.
لا مناص من تعديل قانوني يشمل المادتَين المشار إليهما من أجل التوسع الإقليمي، ومنح مقاعد دائمة إضافية تحترم الشعوب، وتجعل قرار الحرب أمراً مستعصياً. أليس منع الحرب أهون بكثير من محاولة علاج آثارها المدمرة؟ أم إن العالم سينتظر حرباً عالمية جديدة لتهدم هذا الهيكل وتبني بدلاً منه نظاماً أفضل عدالة، كما حدث مع «عصبة الأمم»؟
