لعل في إحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تِيتِّيه، في مجلس الأمن جزءاً من الحقيقة، خصوصاً أنها تمحورت حول مُعَرقِلِي الحل في ليبيا، من دون أن تذكرهم كعادتها، رغم أنهم موجودون في سجلاتها بالاسم والصورة، وحتى دون أن تفصح عن كياناتهم، أو التلويح بعقوبات عليهم. أثبتت فشلها في حل الأزمة الليبية مرة بعد أخرى، وقد سبق تِيتِّيه إلى هذا الفشل 11 مبعوثاً، ولهذا تعدّ إحاطتها مفرغة من المحتوى ودون فائدة أو طعم أو لون، ولطالما تناولت العموميات من دون ذكر التفاصيل؛ «حيث يكمن الشيطان».
ورغم التلويح الأميركي بفرض عقوبات على معرقلي الحل في ليبيا، فإن السياسة الأميركية تجاه ليبيا أثبتت عكس ذلك، وأنْ ليست هناك جدية للتنفيذ، رغم تصريح السفيرة جنيفر لوسيت، نائبة الممثل الخاص للشؤون السياسية في البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة: «الأفراد والكيانات الذين يعرقلون العملية الانتقالية قد يخضعون لعقوبات مجلس» الأمن. وفي المقابل؛ بريطانيا تطرح مشروعاً شبيهاً بـ«النفط مقابل الغذاء» في ليبيا.
التلويح بالعقوبات سيبقى بعيداً عن واقعية التنفيذ، خصوصاً أن الأزمة الليبية لا تزال تُستخدم ورقةَ ضغطٍ وتَفاوُضٍ؛ و«ابتزازٍ» سياسي أحياناً، في قضايا دولية وإقليمية؛ لذلك بقيت الأزمة الليبية بين مَدّ وجزر وفق حركة الصراع في العالم، فالملف الليبي ليس بعيداً عن الأزمة في أوكرانيا، ولا حتى أزمة مضيق هرمز، وهما ملفان مرتبطان بالمتدخِّل الخارجي؛ الروسي والأميركي، والملف الليبي يُستخدم ورقةَ «كُوْتْشِينَة» بين المكسب والخسارة.
وفي أحيان كثيرة يتصرف «مجلس الأمن» كأنه أحد معرقلي الحل في ليبيا، فقد اجتمع واستمع عشرات المرات للمبعوثين الدوليين إلى ليبيا، وهانا تِيتِّيه ليست الأخيرة في هذه السلسلة. لكنه لم يصوت حتى على آخر اتفاق، المسمى «4+4»، الذي يُشرعن تقاسم السلطة بين الأطراف الفاعلة على الأرض، ويلقى شبه إجماع ليبي، باستثناء الطرف الرافض، وهو تيار «الإسلام السياسي».
ليبيا بلاد الطيوب والزهور والحنة، أصبحت ضحية «الربيع العربي»، ومن ثم ضربات «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، حيث سقطت الدولة كلها بصفتها كياناً، وليس فقط النظام، عام 2011، وهي تعاني اليوم من معرقلي الحل التوافقي؛ سواء من الداخل ومن الخارج. فالمعرقلون تنوعت مآربهم، وليسوا على قلب رجل واحد، بل قلوبهم ومطامعهم شتى، حتى المؤسسات الرسمية المنتخبة، كالبرلمان، أصبحت اليوم جزءاً من المشكلة، بل ومن صلب عرقلة الحل، ناهيك بالمؤسسات الأخرى الموازية غير المنتخبة، مثل «مجلس الدولة» و«المجلس الرئاسي»، وهي نتاج هجين لـ«اتفاق جنيف» الذي انتهت هو الآخر ولايته. والمؤسسات السياسية جميعها تحولت إلى ما يشبه الأحزاب الخاصة، وكل فريق يتنازع الشرعية مع الفريق الآخر.
لا أحد بين المؤسسات السياسية يرغب في الحل، وجميعها انتهت ولاياتها الشرعية، فالحل سيُنهي وجودَهم، فهم يقتاتون ويعيشون على استمرار الخلاف.
بعدما كان الانقسامُ سيدَ الموقف داخل «مجلس الدولة» بتنازع رئاستين أمام القضاء، أصبح اليوم البرلمان يواجه المصيرَ ذاتَه بالتشظي والانقسام، مثله مثل جميع المؤسسات السياسية في ليبيا، التي تبقى في حالة خلاف دائم وتبادل أدوار التعنت والرفض، والمهم عندهم ألّا يكون بينهم اتفاق؛ لأنه سر بقائهم جميعاً في السلطة واستمرار المشهد السياسي لأكثر من 12 عاماً متتالية على حاله ومن دون انتخابات.
ليبيا اليوم رهينة المعرقلين رغم «تهديدات» الأمم المتحدة بفرض عقوبات عليهم، إلا إن هذه التهديدات بقيت «صوتاً دون صدى»، ولا أثر له؛ إذ استمر المعرقلون في عرقلة جميع الاتفاقات السابقة والالتفاف عليها، ولعل آخرها «اتفاق جنيف» الذي تجاوزته الحكومة و«المجلس الرئاسي» بـ5 سنوات من الحكم دون سند شرعي أو حتى غطاء انتخابي، ولم يتحقق شيء من الاتفاق كالانتخابات والمصالحة الوطنية، وهما أساس وظيفة حكومة «جنيف» المسماة «حكومة الوحدة الوطنية»، فلا تحققت الوحدة، ولا كانت حكومة وطنية.
المؤسف في أزمة ليبيا أن من يملك مفاتيح الحل هو من يعطّله، سواء أكان من داخلها أم من خارجها، فهناك «فيتو محلي إقليمي دولي» بشأن عرقلة الحل في ليبيا، فالمطلوب أن تبقى ليبيا في حالة مراوحة وانقسام سياسي ولا غالب ولا مغلوب عند خط سرت - الجفرة، حيث قُسمت ليبيا بـ«جغرافيا وقف إطلاق النار» بين الطرفين.
الثروة الليبية والنفط والغاز والذهب وحتى المخزون المائي في جوف الصحراء... جميعها تعدّ أسباباً في إطالة عمر الأزمة الليبية وعرقلة الحل، فالجميع يريد ليبيا منقسمة متشظية ليسهل نهبها، فعندما كانت ليبيا دولة واحدة وقوية لم يستطيعوا نهب برميل واحد من النفط، أما اليوم؛ فآبار بأكملها تُنهب، وأموال بالمليارات تختفي من الخزينة الليبية، وأرصدة الذهب نُهبت جميعها... وقُيّد كل ذلك في سجلات الشرطة «ضد مجهول».
معرقلو الحل في ليبيا ليسوا فقط ليبيين، بل يتجاوزن أحجار الشطرنج الليبية المستخدمة في إثارة الأزمة الداخلية، إلى دول لا يمكن التلويح في وجهها بالعقوبات ولا حتى بالنقد. وحين تنتهي خلافات المتصارعين على الكعكة الليبية، فسيكون هناك حل قابل للتطبيق ويسود التعايش في ليبيا.
