د. محمود محيي الدين
المبعوث الخاص للأمم المتحدة لأجندة التمويل 2030. شغل وظيفة النائب الأول لرئيس البنك الدولي لأجندة التنمية لعام 2030، كان وزيراً للاستثمار في مصر، وشغل منصب المدير المنتدب للبنك الدولي. حاصل على الدكتوراه في اقتصادات التمويل من جامعة ووريك البريطانية وماجستير من جامعة يورك.
TT

ثلاثيات الأوضاع الراهنة

استمع إلى المقالة

من أفضل إبداعات الأدب والفن ما كان من الثلاثيات، ومن أشهرها في الأدب العربي ثلاثية نجيب محفوظ التي ضمت رواياته المبهرة عن قاهرة النصف الأول من القرن العشرين، متتبعاً سيرة بطلها، السيد أحمد عبد الجواد، وعائلته، في أجزاء: «بين القصرين»، و«قصر الشوق» و«السكرية». ومن الكلاسيكيات ذائعة الصيت ما نظمه الشاعر الفلورنسي دانتي أليغييري في ثلاثية «الجحيم» و«المطهر» و«الفردوس»، المعروفة بـ«الكوميديا الإلهية». ومن أجمل ما أنتجته السينما فيلم «الأب الروحي» (العرّاب) متمثلاً في دون فيتو كورليوني، بأجزائه الثلاثة للمخرج فرنسيس فورد كوبولا.

وعلى مدار الأسبوع الماضي في بانكوك؛ حيث عُقدت الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، استوقفني تكرار استخدام «ثلاثيات» في وصف أوضاع الاقتصاد العالمي، وفي استعراض اقتراحات وتوصيات المسؤولين الدوليين.

فعندما كان الحديث عن التحديات العالمية، جاءت على لسان كريستالينا جورجيفا، مديرة صندوق النقد الدولي في ثلاثة: وهي الذكاء الاصطناعي، والطاقة، والديون. كما تجد التقرير السنوي للبنك الدولي عن التنمية في العالم، في تناوله للإسهامات الواعدة للذكاء الاصطناعي يلخص متطلباتها وشروط تحققها في ثلاثة: وهي «التبني» لمستحدثات الذكاء الاصطناعي، ثم «التكيف» معها بما يتوافق مع أحوال البلد المعني، ثم تأتي القدرة على «التطوير»، بما يستلزمه ذلك كله من استثمارات ضخمة في رأس المال البشري والتحول الرقمي، والبنية الأساسية التكنولوجية، وحوكمة استخدامات الذكاء الاصطناعي.

وفيما يتعلق بالاختلالات العالمية بين ازدياد للفائض الصيني وارتفاع العجز الأميركي والأوروبي، تأتي توصيات صندوق النقد الدولي في ثلاث أيضاً: وهي أنه على الولايات المتحدة أن تزيد من مدخراتها، وعلى أوروبا أن تطور استثماراتها، وعلى الصين أن ترفع استهلاكها؛ وجميعها تتطلب إجراءات اقتصادية وتغيرات هيكلية ليست يسيرة. وقد ضاق التصنيف الثلاثي عن أن يعرِّفنا بما يجب أن تقوم به سائر دول العالم الأخرى في هذا السياق، فلم يرد لها ذِكْر.

لا بأس شكلاً من استخدام ثلاثيات، أو غير ذلك من تركيبات وتقسيمات في الخطاب العام، إذا ما كان في ذلك تيسير لشرح المواضيع أو الإدلاء بآراء في رسائل مركزة؛ ولكن المشكلة في أن ينصرف بعض المتلقين إلى تصور أن ما جاء في هذه الرسائل، مقتضباً وملخصاً، لضيق الوقت أو اعتبارات المواءمة، هو القول الفصل ومنتهى الأمر.

وقد ورد تقييم من صندوق النقد الدولي للاقتصاد العالمي بأنه صامد رغم الصدمات المتوالية، بعد الجائحة والحروب والصراعات الجيواقتصادية وتبعاتها، ولكن هذا الصمود قد وصل إلى أقصاه؛ في دلالة على أن ممكنات الصمود وموانع التراجع والتدهور توشك على النفاد.

وأرى أن تقارير المؤسسات المالية الدولية تستخدم المؤشرات الاقتصادية الكلية بعدسة ضيقة، لا ترى من خلالها إلا تماسك معدلات النمو، وتراجعاً نسبياً في معدلات التضخم للتدليل على الصمود. ولكنها إذا ما أدرجت مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد على سبيل المثال، والتي شهدت ارتفاعاً للمرة الأولى منذ عام 2010، وفقاً لتقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة الصادر منذ أيام، لراجعت وصف الأوضاع بالصمود؛ فكيف يستقيم هذا الوصف وأكثر من 1.2 مليار إنسان يعيشون في فقر حاد متعدد الأبعاد في 108 من البلدان التي شملها التقرير. وأن عليها أن تشرح ما تعنيه بهذا الصمود إذا ما أدركت حقاً ما تعانيه دول من تبعات زيادة أعباء خدمة الديون بتخلفها عن متطلبات تحقيق التنمية المستدامة وأهدافها، وما أصاب الإنفاق على التعليم والصحة من تراجع حاد، بما ينذر بأن الفقر سيلحق به الجهل والمرض، ليكتمل الثلاثي البائس الذي أتت جهود التنمية لتحاربه بالتصدي لمسببات تخلف الأمم.

ورغم خطورة أوضاع الفقر وتداعياته، فإنه لم يحظَ بالاهتمام الواجب في الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بمعيار حلقات النقاش والسمينارات؛ إذ رصد الاقتصادي فيليب شيليكينس أن الفقر لم يُذكر إلا مرة في فاعلية واحدة من 174 فاعلية ضمتها هذه الاجتماعات.

والاحتفاء بالصمود وحده لا يكفي، كما أكد الاقتصادي محمد العريان، في محاضرة نظمها بنك «المشرق» في بانكوك عن النظام العالمي الجديد. فتَلقِّي صدمة وتحمُّلها ضروريان لوصف «الصمود»، ولكن يجب أن يتحلى الاقتصاد «بالقدرة» على التحرك السريع، مع تنوع البدائل المتاحة، في تصميم لنهج ثلاثي الأركان من «الصمود» و«الرشاقة» و«الاختيارية» للتعامل مع التطورات الاقتصادية المتلاحقة؛ خصوصاً في ظروف اللايقين.

ومن أطرف ثلاثيات الاجتماعات السنوية ما جاء لاعتبارات المواءمة فيما تعلَّق بعدم ذِكر لفظ «الذكاء الاصطناعي» في مخرجات رسمية للاجتماعات؛ إذ اضطر المجتمعون للتوافق على استخدام مصطلح بديل عن «الذكاء الاصطناعي» المتعارف عليه منذ الخمسينات من القرن الماضي، بعدما اعترض عليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فوفقاً لوجهة نظره التي أفصح عنها في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أن كلمة «اصطناعي» يمكن أن تفسر على أن هذا الذكاء زائف. وأصدر ترمب أمراً تنفيذياً يلزم الجهات الرسمية في بلاده باستخدام مصطلح «الذكاء الفائق» من دون غيره، وبات على مرؤوسيه الالتزام بهذا المصطلح الثاني؛ فلم يعد بإمكانهم الموافقة على بيان أو نص يُذكر فيه «الذكاء الاصطناعي»؛ حيث صنَّف الرئيس ترمب مَن يستخدمه بالأعداء. ولما كان مصطلح «الذكاء الفائق» ليس محل اتفاق دولي، فكان المَخرج -إلى حين- هو استخدام مصطلح ثالث، وهو «تكنولوجيا الذكاء المتقدم»، في محاولة لوصف أحد المربكات الكبرى المشكلة للأوضاع الراهنة.