قبل أكثرَ من ربع قرن، كان الأمير سلطان بن عبد العزيز، رحمه الله، ينظر إلى «جبل صبر»، المطل على مدينة تعز اليمنية، وأحد أبرز معالمها الطبيعية والرمزية في وجدان اليمنيين، بوصفه فرصةً للتنمية وتعزيز الروابط بين الشعبين السعودي واليمني. ففي يناير (كانون الثاني) 2001، افتُتح الطريق الذي موّله الأمير بنحو 12.5 مليون دولار، ليربط المدينة بمرتفعات الجبل، ويسهّل حركة السكان، ويعزّز الحركة الاقتصادية والسياحية. وبعد ربع قرن، تعود تعز إلى قلب الحسابات السعودية، ولكن من زاوية مختلفة تفرضها الحرب وأمن البحر الأحمر والتوازنات العسكرية في اليمن. فما الذي يجعل هذه المدينة، التي ارتبطت بمشروع تنموي سعودي، ذات أهمية استراتيجية متجددة بالنسبة إلى الرياض؟
بالعودة إلى مطلع الألفية، أوكل الأمير سلطان الإشراف على تنفيذ المشروع إلى مجموعة هائل سعيد أنعم، إحدى أبرز المجموعات الاقتصادية اليمنية المتحدرة من تعز. وروى الشيخ علي محمد سعيد أنَّ الأمير سلّمه شخصياً شيكات بقيمة عشرة ملايين دولار، قبل استكمال تمويل المشروع الذي بلغت تكلفته النهائية نحو 12.5 مليون دولار.
وامتد الحضور التنموي للأمير سلطان إلى مناطق يمنية أخرى، من خلال رئاسته للجانب السعودي في مجلس التنسيق السعودي - اليمني، حيث رعى اتفاقيات شملت مشروعات للطرق، والتعليم، والصحة، والتدريب المهني في محافظات مختلفة، بينها دعم مستشفى عدن العام والمعاهد التقنية، إلى جانب مشروعات تعليمية في جامعة تعز. وقد جاءت هذه المشروعات ضمن التمويلات الحكومية السعودية، في حين مثّل طريق جبل صبر مبادرة شخصية من الأمير سلطان، ارتبطت بمكانة الجبل لدى اليمنيين ودوره في تعزيز النشاط الاقتصادي والسياحي.
وفي الوقت الحاضر، يكتسب جبل صبر أهمية استراتيجية في الصراع على تعز، بحكم موقعه المطل على المدينة من الجنوب، وما تتيحه مرتفعاته من قدرة على مراقبة التحركات العسكرية وطرق الإمداد. وتتجلَّى هذه الأهمية في جبهة الشقب، التي تشهد مواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين، ضمن الصراع على السيطرة على المدينة ومداخلها.
ولفهم أهمية جبل صبر، ينبغي النظر إلى مكانة تعز في اليمن. فهي من كبرى المحافظات اليمنية سكاناً، إذ يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة، متقدمةً على محافظتي عدن وصنعاء، وتُعرف بالعاصمة الثقافية للبلاد، فضلاً عن مكانتها التاريخية بوصفها أحد أبرز مراكزها التجارية والصناعية، حيث نشأت فيها مجموعات اقتصادية كبرى امتد نشاطها إلى خارج اليمن. كما تحتضن ميناء المخا التاريخي الذي ارتبط اسمُه بتجارة البن العالمية. وتزداد أهميتها بموقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقةَ اتصال بين المرتفعات الوسطى والساحل الغربي، ويربطها جنوباً بعدن وغرباً بالمناطق القريبة من باب المندب. وهكذا، تجمع تعز بين الثقل السكاني والاقتصادي والموقع الاستراتيجي، مما يجعل السيطرةَ عليها أو عزلها مؤثراً في التوازنات السياسية والعسكرية بين الداخل اليمني وساحل البحر الأحمر.
وقد أعادت المواجهات العسكرية خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2026 تعز إلى صدارة المشهد، مع تصاعد المعارك في جبهاتها الجنوبية والغربية، بما فيها الشقب ووادي الضباب. ويعكس هذا التصعيد أهمية المحافظة في الصراع الأوسع على الطرق والمرتفعات والمواقع المتصلة بباب المندب، وإن كانت السيطرة على جبل صبر لا تعني بالضرورة التحكم المباشر في المضيق.
أما بالنسبة إلى السعودية، فتنبع أهمية تعز من ارتباطها بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وثقلها السكاني والسياسي في موازين القوى اليمنية، وانعكاساتها على مستقبل الدولة اليمنية. فالتوسع الحوثي في المحافظة قد يمنح الجماعة أوراق ضغط إضافية في المفاوضات مع الرياض، ويعقّد الترتيبات الأمنية والسياسية المستقبلية. وفي المقابل، فإن استمرار الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين قد يُضعف قدرتها على تشكيل توازن سياسي وعسكري مستقر. ومن هنا، فإن المصلحة السعودية لا تقتصر على منع التمدد العسكري، وإنما تشمل الحفاظ على التوازنات الاجتماعية والسياسية التي تهيئ لقيام دولة يمنية مستقرة، خصوصاً أنَّ أي تسوية سياسية مستدامة يصعب أن تتجاهل محافظة بهذا الثقل السكاني والاقتصادي والتاريخي.
ويَا لها من مفارقة مؤلمة؛ فالجبل الذي أراده الأمير سلطان بن عبد العزيز نافذة يطل منها الزائرون على جمال تعز، وشقّ الطريق إلى قممه لتكون مقصداً للحياة والسياحة، حوّل الحوثيون بعض مرتفعاته إلى مواقع عسكرية تطل منها فوهات البنادق على المدينة وأهلها، بعد أن فرضوا عليها حصاراً طال أمده. وهكذا، تبدّلت وظيفة الجبل من احتضان الزائرين والسياح إلى موقع تُراقَب منه المدينة وسكانها، ومن مشهد للجمال والسلام إلى ساحة تتردد فيها أصوات الرَّصاص، في مفارقة تختزل مأساة اليمن، حيث تحوّلت الطرق التي شُقّت لتقريب المسافات بين الناس إلى خطوط تماس تفصل بينهم.
وبعد ربع قرن من مبادرة الأمير سلطان، تبدو تعز الجريحة شاهداً على أنَّ الجغرافيا التي كانت ميداناً للتنمية أصبحت ساحة لتنافس المصالح والصراع على النفوذ. فحسم معركة تعز قد يغيّر موازين القوى العسكرية والسياسية في اليمن، ويعيد تشكيل أوراق التفاوض بين أطراف الصراع. ولعلَّ التحدي الحقيقي أمام السعودية واليمن لا يكمن في إعادة رسم خرائط السيطرة العسكرية فحسب، وإنَّما في تهيئة الظروف التي تسمح بعودة التنمية والاستقرار، حتى لا يبقى الطريق الذي جمع الناسَ ذاتَ يوم شاهداً على انقسامهم.
