رضوان السيد
كاتب ومفكر ومترجم سعودي من أصل لبناني. أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية.
TT

التسابق على استهداف الدول العربية!

استمع إلى المقالة

منذ الثمانينات من القرن الماضي، كنا نسمع ونقرأ من الإيرانيين هجماتهم على قومية الدول العربية بحجة العنصرية والعلمانية والمنافرة للإسلام. لكنني في عالم 1999 سمعتُ ذلك من خامنئي نفسه، عندما زرنا إيران صحبةَ مفتي لبنان آنذاك محمد رشيد قباني بدعوةٍ رسمية. بدأ خامنئي الهجوم على القومية العربية من دون مناسبة بحجة البعثية وتجاهُل الدين. وقلنا له: كنا نسمع ذلك عنكم في الثمانينات، ونظنُّ أنّ ذلك يعود للحرب مع العراق والاتهامات المتبادلة في حالات النزاع. وغيّر الرجل الحديثَ دون أن تتغيّر الوجهة؛ إذ قال إنَّهم كانوا في الستينات ومطلع السبعينات على الخط نفسه؛ إذ كانوا يترجمون لسيّد قطب والبنّا والمودودي، ويشجبون التغريبَ الذي أحدثته الأفكار القومية المستورَدة!

منذ هجمة عام 2001 على الولايات المتحدة، انهمكنا في مواجهة التطرف والإرهاب، فالإسلام السياسي مع صعود «الإخوان» و«القاعدة» و«داعش» وما سُمي تنظيمَ الدولة في سوريا والعراق. ومنذ ذلك الحين، وبخاصةٍ بعد انفصال غزة، أدركنا أنّ هناك تحالفاً وثيقاً بين أنصار الخلافة، وأنصار ولاية الفقيه، ظهر بقوة بعد عام 2011، وما تراجع أو اختفى بعد ذلك.

هناك عاملٌ بارزٌ في عداء جماعات الإسلام السياسي للدولة الوطنية، هو أنهم يريدون إحلال ما يسمُّونه الدولة الإسلامية أو تطبيق الشريعة محلّها. والجدال مع القوميين والعلمانيين منذ الخمسينات والستينات يتخذ هذه الوجهة، ويصبح شعاراتٍ منذ مطلع السبعينات تحت عناوين ضرورات الحلّ الإسلامي وبينات الحلّ الإسلامي.

إنَّ هذا العداء للدولة الوطنية العربية قديمٌ لدى الحزبيين الإسلاميين، وهو يبدو الآن لدى القوميين واليساريين القدامى الذين اصطفّ كثيرون منهم معهم بعد عام 2013، وهم إلى جانب الحزبيين الإسلامويين يتضامنون بشدة بالأمس واليوم مع الإيرانيين، ومع الحوثيين، ساعةً باسم العداء لأميركا وإسرائيل، وساعة باسم التضامن مع غزة، وفي كلِّ الأحوال في الهجوم على الدول الوطنية العربية، دونما التفاتٍ إلى اختلاف المشروعات، واختلاف الآيديولوجيات.

عندما كان الحزب المسلح في لبنان في مطلع عام 2023 يدعو إلى وحدة الساحات، كنا نعرف جميعاً أنَّ إيران وميليشياتها في العراق ولبنان والحوثيين في اليمن، إضافةً إلى «حماس»، كلهم داخلون في تلك الوحدة الغريبة. فلما اشتعلت الحرب على يد «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 دخل الحزب المسلح في لبنان وحده في حرب الإسناد المعروفة. وإلى جانب الحزب وجناح «حماس» في لبنانَ دخلت تنظيمات إخوانية في دعاية الجهاد، واشتدّت الحملات الإعلامية على الدول العربية؛ لأنَّها لم تشارك في حرب «حماس» التي تريد تحرير فلسطين(!). ومن وراء حلفاء «حماس» من إسلامويي «الإخوان»، انتشرت الحملات الإعلامية الضخمة بين الجمهور العربي في المشرق والمغرب لتهتف لإيران، ولتبشر باقتراب الثورة الثانية لإقامة دولة الإسلام على نهج الثورة الإيرانية!

وعندما شنّ الأميركيون وإسرائيل الحربَ على إيران، وأجابت إيران بغاراتٍ شاملةٍ على كلّ دول الخليج والأردنّ، ما تغيّر ثوران الإسلامويين والقوميين واليساريين على الدول العربية بحجة وجود الأميركيين الذين يريد الإيرانيون الأفذاذ طردهم من المنطقة، في حين ينهمك الإيرانيون في التفاوض مع (العدو) الأميركي!

والآن، والحوثيون بدفعٍ من إيران يخرّبون في اليمن، ويضربون المطارات في السعودية، لا تتبدل اللهجة، ويصبح الحوثيون أبطالاً في نظر هؤلاء الذين تحدثنا عنهم آنفاً.

ما هذا الوعي المنحرف لدى فئات الحزبيين من الإسلامويين واليساريين، في حين تعمل إيران طائفياً، وتتعرَّض دول الاستقرار والتنمية العربية للهجوم من جانب ميليشيات همُّها ضرب الدول العربية المستقرة، وتعطيل المصالح وتشريد الناس في البراري، وإعاقة الملاحة البحرية. وفي الوقت نفسه طمأنة أميركا إلى أنَّها لن تمنع من المرور إلا السفن السعودية؟!

لا عدوَّ لحركات الإسلام السياسي، وحركات أنصار ولاية الفقيه إلاّ الدول الوطنية العربية. وهي متحالفةٌ على هذا الهدف منذ عقود، وما عادت تهتم لستر هذا الاستهداف. فحلُّها الإسلامي المزعوم الذي تحمل إيران رايته كان دائماً ولا يزال مواجهة العرب والدول العربية وفي طليعتها المملكة، لأنَّها تعتبر الدول الوطنية النموذج المواجه لنموذجها الإمبراطوري والقروسطي.

ولا بد من الصراحة وإنْ بعد فوات الأوان. هناك أغاليط ومآزق وانحرافات لدى قسم من الجمهور العربي والإسلامي بشأن الدولة وشروطها وضرورتها، وقبل ذلك وبعده هناك انحرافات بشأن فهم الإسلام، وهو قوة ناعمة يراد تحويلها آيديولوجيا قتالية لا يصلح الإسلام لها ولا تصلح له. والدليل على ذلك المذابح والإبادات في أوساط الجمهور التي تسبّب فيها هذا الفهم المشؤوم للدين!