ما زالتِ الماكينة الانتخابية للسيدة ريبيكا غرينسبان تعمل بنشاطٍ وحيوية سعياً نحو إيصالها في ليلة باردة مظلمة من ليالي شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل إلى سدة الأمانة العامة للأمم المتحدة، وما زالت تتنقل بين عواصم العالم عموماً، وعواصم دول مجلس الأمن، خصوصاً في رحلات مدفوعة التكاليف بحكم كونها المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية وتجتمع برؤساء الدول وكبار المسؤولين لتقنعهم بأهليتها لهذا المنصب الذي هو أكبر المناصب وأهمها في ميدان الدبلوماسية العالمية، مستندة إلى الدعم القوي الذي تَلْقاه من الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من الدول الأعضاء في المجلس.
هذه الماكينة الانتخابية تتحرك بسرعة وكفاءة نحو الوصول إلى الهدف خلال أسابيع قليلة من الآن، وما لم تتحرك الجهات المعارضة لترشيحها فوراً فإن وصولها سيصبح أمراً واقعاً لا يمكن تغييره.
غرينسبان لا تخفي تعاطفها الشديد مع إسرائيل التي أقامت فيها لفترة، ولديها أفراد من أسرتها ما زالوا مقيمين فيها، وبعضهم خدم في الجيش الإسرائيلي. وهي تفتخر بأنَّها ابنة ليهوديين من أوروبا الشرقية هربَا من اضطهاد النازية وانتهى المطافُ بهما في كوستاريكا.
تؤكد غرينسبان أنَّها ستلتزم الحياد في مختلف النزاعات الدولية. لكن الحياد بين المحتل وبين الشعب ضحية الاحتلال هو انحياز سافر، وهي تكرر أنَّها مؤمنة بحل الدولتين، ولكنَّها لا توضح لنا كيف تنوي أن تضع هذا الحل موضع التنفيذ.
تلمح غرينسبان إلى أن معارضتها نوع من أنواع اللاسامية، لافتة إلى أن الأمم المتحدة لم يسبق لها أن انتخبت يهودياً لمنصب الأمين العام عبر أكثر من ثمانين عاماً من عمرها. وهذه مفارقة غريبة، فالمسلمون (والهندوس والبوذيون وحتى السيخ) عددهم في العالم يفوق أعداد اليهود، وهم أيضاً لم يتمكنوا حتى الآن من إيصال مرشح منهم إلى هذا الموقع!
وحتى لا نفاجأ متأخرين بأنَّ وصول غرينسبان إلى هذا الموقع عرّض للانتكاسة مكاسب كثيرة حققتها القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، فإنني أدعو الدول العربية والإسلامية إلى قيادة تحالف يضم دولاً أفريقية وآسيوية، يوجه دعوة للسيدة غرينسبان لمقابلتهم مجدداً في رحاب الجمعية العامة للأمم المتحدة للإجابة عن أسئلة محددة منها:
- ما موقفها الحقيقي من حل الدولتين؟ وكيف ستعمل على إخراجه إلى حيز التنفيذ؟
- ما موقفها الحقيقي تجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟ وهل يمكنها أن توجه نداءً صريحاً تدعو فيه الولايات المتحدة إلى إسقاط معارضتها لانضمام فلسطين؟
- ما موقفها تجاه مسألة «أونروا» (منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) وهل تضمن المحافظة على ميزانياتها ومواجهة الاحتياجات المتزايدة للاجئين؟
- ما موقفها حول ضرورة تأمين الحماية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية تجاه حملات الإبادة التي ما زال الجيش الإسرائيلي يشنها بلا هوادة، وتجاه اعتداءات المستوطنين؟
إنني أرجو أن يتولى الأخ الصديق نبيل فهمي الأمين العام الجديد للجامعة العربية قيادة حملة فعَّالة لتنسيق هذه الجهود، وهو بذلك سيبعث رسالة بأن في الجامعة العربية عهداً جديداً وقائداً مختلفاً ونمطاً غير تقليدي في الفكر والعمل.
إن أجابت السيدة غرينسبان عن تساؤلاتنا بشكل مقنع ومعقول فأهلاً وسهلاً بها، وإلا فإننا ندعو لها بالصحة والسعادة والعمر المديد على شواطئ كوستاريكا الجميلة، بعيداً عن ضوضاء نيويورك وإزعاجات الفلسطينيين!
