حين أقول إن الثقافة في العالم الآن ليست في أحسن أحوالها أقولها متردداً غير واثق من صحة ما أراه وأشعر به، مستعداً لإعادة النظر فيه والإقرار بعدم صحته إذا تبيّن لي ما يوجب ذلك. وسوف يرضيني إقراري بخطئي أكثر بكثير مما يرضيني أن يكون ما قلته عن الثقافة الآن صحيحاً.
وأنا مقر منذ البداية بأن ما قلته انطباع لا يخلو من مبالغة وتعميم. فالثقافة في العالم أكبر وأوسع وأغنى من أن نحيط بها ونحكم عليها بهذه الصورة، فإذا صح هذا الحكم على جانب من الإنتاج الثقافي في العالم فهو لا يصح على كل الجوانب، لأن ثقافة العالم ثقافات تعد بالمئات إذا نسبناها للدول، وتتجاوز المئات إذا نسبناها للجماعات التي تنتجها، وعددها أكثر من عدد الدول، والدولة الواحدة ربما كانت وطناً لجماعات متعددة لكل منها ثقافتها ولغتها وتاريخها. ثم إن الثقافة الواحدة مجالات ومستويات يختلف بعضها عن بعض، وقد يسبق مجال ويبطئ مجال.
لكني مع هذه الاحتراسات الضرورية أشعر بأن الثقافة في العالم الآن ليست في أحسن أحوالها، وهو انطباع لا أنفرد به، وإنما يشاركني فيه آخرون، فمن الواجب أن نطرحه للبحث والمناقشة، لأن حاجتنا الحيوية للثقافة تفرض علينا أن ننظر فيما صارت إليه ونكشف عما قد نراه من سلبيات في ثقافتنا وفي الثقافات الأخرى التي نحتاج لها وننتفع بها كما يحتاج غيرنا لثقافتنا. وهناك أسباب وشواهد تثير فينا الشعور بعدم الاطمئنان، أولها هذه التطورات التقنية التي تحولت إلى انقلابات فقد بها الكتاب المطبوع مكانه أو يكاد، وحلت محله هذه الأجهزة التي أصبحت لدى الكثيرين الذين يتزايد عددهم كل يوم طريقهم المفضل للمعرفة. بل نحن نرى أن هذه الأجهزة أصبحت تزاحم الإنسان الذي كان يقدم لنا علمه وفنه بنفسه في قاعات الدرس، والمسارح، والمتاحف، وحتى في المقاهي، فصار الحاسوب ينافس الإنسان في هذا النشاط ويؤدي الدور الذي كان يؤديه الأستاذ الجامعي، والشاعر، والكاتب، والفنان، وهكذا يحل الذكاء الاصطناعي محل الذكاء الطبيعي، ويرسم للبشر جميعاً مستقبلاً لا ندري كيف يكون.
هل نحن أمام مستقبل يتقدم فيه الإنسان أكثر ويحقق فيه أحلامه، ويسيطر فيه على هذه الأجهزة، ويستخدمها في الوصول إلى ما يريد؟ أم نحن في نهاية عصر لم نكتف فيه بالسيطرة على الطبيعة وامتلاك الوسائل والأدوات التي نمارس بها نشاطنا ونلبي مطالبنا، وإنما اندفعنا في تقدمنا التقني هذه الاندفاعة حتى صنعنا بأيدينا هذا العدو اللدود الذي لا قِبل لنا بما يستطيع أن يفعله؟
هل تحمل لنا هذه الأجهزة الإلكترونية ما حملته المطبعة التي اخترعها غوتنبرغ فكانت طريقاً للكثير مما حققه الإنسان في القرون الماضية؟ أم أنها تحمل لنا ما حملته الطائرة الأميركية إلى هيروشيما؟
سؤال لا أملك فيه الجواب، لكني أرى علامات غير مطمئنة. أرى كيف هبط مستوى التعليم في بلاد كثيرة وكيف تراجعت العلوم الإنسانية التي تخاطب العقول وتوقظ الضمائر لتحل محلها الرياضيات، وهذا ما أشارت إليه التقارير الصادرة في أوروبا فذكرت أن الثقافة الكلاسيكية تراجعت في البرامج التعليمية خلال السنوات الأخيرة، وهذا ليس مجرد نقص في المعلومات، وإنما هو تفريط في كسب المعرفة التي يصحو بها العقل ويحيا بها الضمير، فما الذي ننتظره حين تتراجع هذه المعرفة التي يكون بها الإنسان إنساناً؟
أطرح هذا السؤال على نفسي وأبحث في بلاد الحاسوب والكتاب المسموع عن العقل والحرية فماذا أجد؟ أجد نظماً لا تكف عن الحديث باسم العدالة وحقوق الإنسان، ولا تكف عن ارتكاب جرائمها في حق العدالة وحقوق الإنسان. والذي يحدث للفلسطينيين في وطنهم على أيدي الصهيونيين وحلفائهم شاهد على ما أقول.
وماذا أجد أيضاً؟ أجد نمواً مخيفاً للنزعات المتطرفة والأحزاب العنصرية التي أصبحت وباء اجتاح عدة بلاد أوروبية.
لا أريد أن أقول إن تراجع الاهتمام بالعلوم الإنسانية في البرامج الدراسية كان وراء حصول حزب لوبن في فرنسا على مائة وثلاثة وأربعين مقعداً في البرلمان الفرنسي، وإنما أردت أن أقول إن تراجع الثقافة صورة من صور التحولات المختلفة التي شهدها العالم في الأعوام الخمسين الماضية وما صاحب هذه التحولات وترتب عليها من مراجعات وانقسامات وردود أفعال عبرت عن الحيرة، واضطراب الرؤى، وغياب المقاييس، وإعادة النظر في الأهداف والطرق، وسوى ذلك من نتائج غيرت المناخ، وأثرت على الثقافة كما أثرت على السياسة والاقتصاد. وأنا أنظر الآن إلى عواصم الثقافة الحديثة أبحث في الأجيال الجديدة عن خلف للأسماء التي رحلت فأخرج بالانطباع الذي عبرت عنه في بداية المقالة فأشعر بأن الإنتاج الثقافي في هذه العواصم لم يعد كما كان. وهنا أكتفي بشاهد واحد على ما أقول. أكتفي بفرنسا.
فرنسا التي تربعت على عرش الثقافة الأوروبية من أواسط القرن السابع عشر إلى أواخر القرن العشرين، وقدمت للعالم ما قدمته في الفلسفة، والشعر، والرواية، والمسرح، والسينما... أعمال ديكارت التي انتشرت في أوروبا كلها وهو على قيد الحياة، وأعمال بسكال الذي بدأ نشاطه الفكري وهو لا يزال في السادسة عشرة من عمره، ثم أعمال مونتسكيو مثل «روح القوانين»، وجان جاك روسو صاحب «العقد الاجتماعي»، وفولتير ومعجمه الفلسفي، ومن كتاب المسرح كورني وراسين وموليير. وفي القرن التاسع عشر بلزاك، وفيكتور هوغو، وبودلير، وفيرلن، ورامبو. وفي القرن العشرين بول فاليري وأندريه جيد، حتى نصل إلى سارتر وسيمون دو بوفوار، وبول إيلوار وأراغون. ثم ننتظر الأسماء الجديدة ونظل ننتظر إلى الآن.
ولا أظن أننا سنجد في العواصم الأخرى غير ما وجدناه في فرنسا.
والثقافة الإنسانية إذن ليست في أحسن أحوالها.
والسؤال مطروح أولاً على ثقافتنا العربية.
