د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

صراع بين عملاقين... الصين والهند

استمع إلى المقالة

تتّسم العلاقات الهندية - الصينية بتوترات مزمنة تعود جذورها إلى عقود، وتتمحور بشكل رئيسي حول نزاع حدودي غير مُحسَم (صراع على الحدود) يمتد لآلاف الكيلومترات في جبال الهيمالايا، وأكثرها تعقيداً في العالم، وهي من أطول الحدود المتنازع عليها، وتمتد عبر نحو 3500 كيلومتر في جبال الهيمالايا ومناطق مثل إكساي تشين، التي تسيطر عليها الصين وتعدّها طريقاً حيوياً يربط بين التيبت وشينجيانغ، و«أروناتشال براديش» الولايات الهندية المتنازع عليها مع الصين التي تتمسّك الهند بها.

تفاقمت الأزمة في يونيو (حزيران) عام 2020؛ بسبب الاشتباكات العسكرية والمواجهات الدموية الأعنف في وادي غالون بمنطقة لاداخ الحدودية في الهيمالايا المتنازع عليها بين الجارتين النوويتين؛ ما أوصل الوضع إلى اشتباكات عنيفة، واللكم بالأيدي والأسلحة البيضاء والضرب بالهراوات والرمي بالحجارة، وأدّى إلى مقتل أكثر من عشرين جندياً هندياً وإصابة آخرين، في أعنف معركة منذ 45 عقداً، وإلى سقوط جنود في نهر سريع الجريان، وتجمّد آخرين نظراً لتدنّي درجات الحرارة، وتبادَل الطرفان الاتهامات بخرق الحدود.

وفي السياق، جاءت الاشتباكات غير المسبوقة نتيجة محاولات صينية لتغيير الوضع القائم، وفي ظلّ تطوير الهند للبنى التحتية (طرق وجسور) في المنطقة؛ ما أدّى إلى زيادة التصعيد بين الدولتين الجارتين بشكل كبير. فكان لهذه الاشتباكات تأثير سلبي كبير على العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية. أضف إلى ذلك التنافس الجيوسياسي وتحالف الصين مع باكستان، وهكذا شكلت حرب 1962 ترسّبات من عدم الثقة والقلق بين القوتين الصاعدتين في آسيا؛ على الرغم من أنّ العلاقات التاريخية القديمة القائمة على التبادل الثقافي تربط البلدين، خصوصاً عبر انتشار البوذية من الهند إلى الصين، مما عمّق الروابط الروحية والفلسفية. كما أنه رغم التنافس الجيوسياسي والمخاوف الأمنية المتبادلة فإن العلاقات تتجه حالياً نحو تجاوز الخلافات بإعادة الروابط الدبلوماسية والشعبية من خلال السياحة، والتعليم، والتجارة. وتنشط أكثر من 100 شركة صينية في الهند.

في أوائل شهر سبتمبر (أيلول) 2025 (في 31 أغسطس/آب - 1 سبتمبر 2025) في مشهد تاريخي، اجتمع الرئيس الصيني شي جينبينغ، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مدينة تيانجين الصينية، في محاولة لتجاوز الخلافات الحدودية القائمة بين البلدين. ويُعدّ ذلك اللقاء الأول من نوعه منذ اشتباكات الحدود عام 2020، وحمل رسالة واضحة بأن البلدين مستعدان لفتح صفحة جديدة. وتعهّد الزعيمان، الهندي والصيني، بمعالجة مشكلة الحدود، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتنموي.

هذا، وقد دخلت العلاقات مرحلةً من القطيعة السياسية والتوتر العسكري في مرحلة سابقة، فرضت خلالها الهند قيوداً صارمة على التطبيقات والشركات الصينية، وعلّقت استثمارات بمليارات الدولارات، بينما عزّزت الصين وجودها العسكري في مناطق النزاع في جبال الهيمالايا. وعُقد اجتماع ثنائي، بعد خمسة أيام من فرض واشنطن رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة على البضائع الهندية، وأعلن خلاله الرئيس مودي أنه تم التوصُّل بين البلدين إلى اتفاق فيما يتعلق بإدارة الحدود.

وفي لقاء كازان، على هامش قمة «بريكس» في روسيا عام 2024، أعلن مودي استئناف الرحلات الجوية التي تمّ تعليقها منذ عام 2020 بين البلدين.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن تقارير وبيانات حكومية هندية صادرة في أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026 تشير إلى أن الهند أصبحت رابع أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للهند، متجاوزة اليابان في السنة المالية 2025 -2026، بما يعادل 4.3 تريليون دولار أميركي. وتشير التقديرات إلى نمو اقتصادي قوي يتجاوز 7 في المائة، مما يحافظ على مكانتها بوصفها واحداً من أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً، مع توقعات بأن تتجاوز اليابان لتصبح رابع أكبر اقتصاد عالمياً، ويواصل اقتصاد الهند الصعود، بنمو متوقع 7.4 رغم عواصف التجارة العالمية.

توقَّع صندوق النقد الدولي أن تتجاوز الهند اليابان، لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، بعد الولايات المتحدة والصين وألمانيا، وكان قد أشار في تقرير أخير إلى أن الهند ستبقى أسرع أكبر الاقتصادات نمواً في العالم، وهي الدولة الوحيدة التي من المتوقع أن تحقق نمواً يتجاوز الـ6 في المائة خلال العامين المقبلين. ويُقدَّر الناتج المحلي الإجمالي للهند حالياً بـ4.3 تريليون دولار أميركي. ووفقاً للتقرير فإن هذا الارتفاع سيؤدي إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للهند إلى 5.5 تريليون دولار بحدود عام 2028؛ مما سيمكّنها من تجاوز ألمانيا لتصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم.

تتجّه العلاقة نحو تقارب حذر تحكمه المصالح الاقتصادية المشتركة في إطار مجموعة «بريكس» والنمو السكاني الذي تتفوق به الهند رغم استمرار المنافسة التجارية والجيوسياسية. وتتوقع تقارير أن تضيق الفجوة مع الصين بحلول 2035 - 2075.