إذا كانت الأعمال بخواتيمها، كما يقال، فإن الخاتمة في فنزويلا للعملية العسكرية الأميركية وما تلاها لم تتضح بعد، لكن التوقعات تشير إلى أنها ليست بعيدة. المسافة بين مطالب الرئيس ترمب وما يريده قادة فنزويلا قد لا يمكن تجسيرها بين يوم وليلة، إلا أنها، في ضوء المعطيات الحالية، ليست مستحيلة؛ لذلك لا غرابة أن يتصدر الغموضُ المشهد الفنزويلي حتى وقت لاحق، حيث ستتضح الطرق. وكلها، في رأيي، تقود نظام الحكم الفنزويلي إلى واشنطن، مهما كانت الوسيلة أو الوسائل.
نحن الآن شهود عيان على مشهد تاريخي غير مسبوق في صراع غير متكافئ يجري بين بلدين: أحدهما بلد يمتلك أكبر قوة اقتصادية وأعتى قوة عسكرية في العالم، والثاني بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، والجغرافيا نقطة ضعفه. الطرق التي قد تقود إلى تسوية سلمية، وتجنّب فنزويلا شرور حصار بحري أميركي على شحناتها من النفط الخام، ولا تحرمها من مصدر دخلها الوحيد، لا يزال البحث عنها جارياً. الحلول الأميركية المطروحة الآن على الطاولة مجحفة، وأسوأ من «شرط النسيب الكاره».
خطفت أميركا «الرأس» وأبقت على كامل النظام كما كان، في سابقة غير معهودة. وخلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس ترمب، بعد الغارة في كاراكاس، لم يتعرض ولو تلميحاً لأي دور للمعارضة الديمقراطية في فنزويلا في المرحلة المقبلة. وكان متوقعاً أن يطالب بتقليد المرشح الرئاسي المعارض، إدموندو غونزاليس، الرئاسة، بوصفه المرشح الفائز في الانتخابات الرئاسية الماضية باعتراف أميركا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، أو على الأقل بمشاركة المعارضة في الحكم.
عدّ الرئيس ترمب العملية العسكرية مجرد إنفاذ للقانون الأميركي ضد رئيس دولة يتهمه مكتب الادعاء العام الأميركي بارتكاب جرائم تتعلق بتهريب المخدرات. بعدها، انصبَّ تركيزه على تعويض الشركات النفطية الأميركية المطرودة من فنزويلا من قِبل الرئيس السابق هوغو تشافيز في عام 2007،، وفتح الطريق أمامها للعودة للعمل هناك. التقارير الإعلامية الغربية الصادرة في اليوم التالي ذكرت أن أسهم الشركات النفطية الأميركية الكبرى ارتفعت في الأسواق المالية.
على الجانب الآخر من المشهد، يبدو وضع دلسي رودريغز في منصب الرئيسة المكلفة صعباً، فهي فعلياً بين فكي كماشة. فمن جهة، هناك الضغط الأميركي للامتثال والتعاون وتنفيذ المطالب، حيث هدد الرئيس ترمب بأن مصيراً أسوأ من مصير الرئيس مادورو سيكون في انتظارها في حالة رفض التعاون. ويقابل ذلك الضغط الفنزويلي الداخلي من قيادات النظام التي تمسك بمقاليد الأمور سياسياً وعسكرياً وأمنياً، واحتمال رفضهم للمطالب الأميركية، خصوصاً إذا أحسّوا أنها تعرِّض مصالحهم ونفوذهم للخطر.
الميل إلى إحدى الكفتين على حساب الأخرى سيفضي بها إلى هاوية سحيقة. وعلى الأرجح فإن حرص واشنطن على عدم الاعتراض على تعيينها رئيساً مكلفاً، حسب تصريح ترمب، يعود إلى أنها أبدت رغبة في التعاون مع الإدارة الأميركية. والرأي السائد بين أغلب المعلقين، أن واشنطن ارتأت التعامل مع مسؤول من داخل النظام مستعد للتفاوض، بدلاً من العمل على تسليم السلطة لمعارضة بلا مخالب ولا أنياب.
أما المظاهرات الشعبية التي خرجت إلى الشوارع في كاراكاس وغيرها تندد بالغارة الأميركية وتطالب بعودة الرئيس المخطوف، فلا تشكل - في رأيي - وزناً ذا قيمة فيما يجري؛ كونها على الأغلب احتجاجات أُعدت خلف كواليس من قبل أجهزة الحزب الحاكم. فنحن نعرف أن للمعارضة أنصارها، لكن خروجهم إلى الشوارع تأييداً لما فعله الأميركيون سيُقابل بالرصاص.
الأمور في كاراكاس قد لا تعرف استقراراً قريباً، ومن المتوقع أن تتحول العاصمة إلى ساحة لمفاوضات سرّية تجري تحت تهديد فوهات البنادق الأميركية. الشدُّ والجذبُ بين الطرفين سيبدو أكثر وضوحاً خلال المدة القريبة المقبلة، من خلال الخطوات التي قد تقرر الرئيسة المكلفة اتخاذها مع بقية القيادات. وهي خطوات يُتوقَّع لها أن تكون محسوبة بدقة، وليس مستغرباً أن يتم التنسيق بشأنها سرّياً مع الجانب الأميركي قبل الإعلان عنها. وعلى الأرجح فإن القيادات الفنزويلية ستحاول تفادي التصعيد قدر الإمكان، وقد تقبل بالمطالب الأميركية لكن بصياغة مخففة تحفظ ماء الوجه، أي مثلاً بإحداث تغييرات شكلية تشبه عملية «إعادة تغليف محلية» للمطالب الأميركية، كي يسهل بيعها لأنصارهم.
