د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

الأزمة اليمنية

استمع إلى المقالة

«الأزمة اليمنية» التي احتدمت خلال الأسبوعين الأخيرين ليست جديدة على الشعب اليمني ولا الشعب العربي. اليمن جزء من حزمة دول عربية لم تنجح في الحفاظ على تماسكها الجغرافي والسياسي، رغم أن اليمن تاريخياً لم يتعرض للاحتلال الاستعماري في ما عدا الجنوب الذي وقع تحت الوصاية البريطانية؛ ونجح اليمنيون في التخلص من الاستعمار وإقامة دولة اليمن الجنوبي. النتيجة أن اليمن أصبح مقسماً بين الشمال والجنوب؛ ومع الزمن بين الملكيين والجمهوريين، وباختصار وقع كلاهما في أسر «الحرب الباردة» العالمية والإقليمية خلال الستينات من القرن الماضي. عالم السياسة مالكولم كير كتب كتابه «الحرب الباردة العربية» لكي يصف المعارك السياسية والإعلامية بين الدول العربية التي انقسمت بين النظم الجمهورية والملكية، وأنصار الولايات المتحدة وأتباع الاتحاد السوفياتي، والاشتراكيين والرأسماليين. الحرب الأهلية اليمنية بين أنصار الجمهورية وأنصار الإمامية قسمت العالم العربي بين مؤيديهما، وجاءت واحدة من نتائجها القاسية استغلال إسرائيل للموقف وقامت بحرب يونيو (حزيران) 1967 التي انتهت بهزيمة قاسية لمصر وسوريا والأردن. رد الفعل العربي جاء عندما انعقدت القمة العربية في الخرطوم لكي تضع اللاءات الثلاث الرافضة للسلام مع إسرائيل، وتقديم المعونات العربية للدول التي باتت في حالة حرب مع إسرائيل؛ والتقارب بين مصر والمملكة العربية السعودية وتسوية حرب اليمن.

جرت التسوية ببقاء اليمن جمهورية مع انسحاب القوات المصرية، وانتهى حصار صنعاء، وبدأ اليمن مسيرة من أجل توحيد شمال وجنوب اليمن، وهو ما تحقق بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي الذي كان النظام في جنوب اليمن على شاكلته الاشتراكية. حصل اليمن على الوحدة ولكنه لم يحصل على الاستقرار إلا في فترات قليلة حتى حصلت حرب داخلية مع الحوثيين، وبعدها جاء «الربيع اليمني» لكي يضع الدولة في اختبار كبير انتهى إلى قسمة الدولة بين الحوثيين الذين اقتحموا صنعاء العاصمة، والحكومة الشرعية التي أيدها العالم والعالم العربي وأقامت سلطتها في عدن. «المسألة الحوثية» رغم جذورها اليمنية فإنها لم تختلف كثيراً عما حدث في دول عربية أخرى حيث يمكن الاستناد إلى طائفية من نوع ما تنتج ميليشيا تحصل على العون المادي والعسكري الإيراني وتقرر «المقاومة» وتحرير فلسطين. جرى ذلك في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وخاض هؤلاء هم ومؤيدوهم حرباً باردة جديدة انقلبت إلى عنيفة عندما دخلت الصواريخ الحوثية إلى الصورة من خلال قيامها بالاعتداء الصاروخي على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في ميناء الفجيرة ومطار أبوظبي. أصبحت الحرب الباردة ساخنة، بخاصة عندما تكوّن التحالف العربي الذي واجه الحوثيين براً وجواً، مؤيدين في ذلك الحكومة الشرعية اليمنية التي بقيت على عهد الدولة اليمنية تقودها قيادة تجمع بين الأطراف السياسية في شمال وجنوب اليمن وتواجه الميليشيات الحوثية وتحاول تحرير صنعاء، بينما قرر الحوثيون تحرير فلسطين ومواجهة إسرائيل والولايات المتحدة فيما يدفع الشعب اليمني ثمناً فادحاً.

القصة هكذا تعرض أصول «الأزمة اليمنية» الراهنة التي تطورت عندما بدأ «المجلس الانتقالي» في اقتحام محافظتي حضرموت والمهرة، في تطور كلاسيكي يقوم على تحويل الأنظار من المواجهة مع الميليشيا التي أقلقت مضاجع الشعب اليمني إلى رفاق السلاح المشاركين في السعي نحو استعادة الدولة اليمنية الشرعية. المشهد بعد ذلك فيه الكثير الذي يجذب بعيداً عن الخصم الرئيسي في الساحة اليمنية؛ والخصوم الجدد الذين تمثلهم إسرائيل التي أعلنت صراحة أنها تسعى إلى «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» وإقامة «إسرائيل الكبرى» وفي الطريق اعترفت بدولة «أرض الصومال» التي لا يعترف بها أحد، مستهدفة النفوذ في القرن الأفريقي القريب من اليمن والجزيرة العربية. النتيجة هي ما أشرنا إليه في مقالات سابقة حول ضرورة تحقيق التوازن الاستراتيجي من الدول العربية التي نجت من شرور «الربيع العربي» وأبقت على تماسكها الداخلي ودخلت في مشروع وطني للتنمية والحداثة في مواجهة الميليشيات الإرهابية وإسرائيل في الوقت نفسه. «إعلان العلا» في 5 يناير (كانون الثاني) 2021 من قمة التعاون الخليجي بمبادرة من المملكة العربية السعودية لتصفية الأجواء السياسية العكرة بين دول عربية وقطر وتركيا وإيران، نجح في ذلك، وكان سبباً في التعامل الإيجابي بين دول عربية مع فتح أبواب إيران في أوقات حرجة، وباختصار تحمل الآثار السلبية لحرب غزة وتوابعها الإقليمية. العودة إلى هذا الإعلان ضرورة لما توافقت عليه دول الإصلاح العربية التي نجت من «الربيع العربي»؛ وإن ما تسير فيه من نهضة حداثية يستوجب حالة من الاستقرار الإقليمي والتعامل مع كل الظروف الصعبة التي تسود المنطقة.