د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

أزمة متفاقمة في ألمانيا

استمع إلى المقالة

ألمانيا التي شكّلت قوة صناعية كبرى قبل الحربين العالميتين، الأولى والثانية، تقع وسط أوروبا وبين دول أوروبية متعددة؛ ما جعل منها مركزاً استراتيجياً مهمّاً وضمِنَ لها مكانة جوهرية مميّزة في العلاقات الأوروبية؛ لتغدو الشريك الأقوى سياسياً واقتصادياً ضمن الاتحاد الأوروبي. إلّا أنها تمرّ حالياً بمرحلة انتقالية حرجة، حيث تسعى الحكومة الجديدة برئاسة المستشار فريدريش ميرتس إلى إيجاد توازن بين الحاجات الاقتصادية الملحّة، والضغوط السياسية الداخلية، كذلك معالجة متطلّبات دورها المتنامي على الساحة الدولية.

ألمانيا، «قاطرة الصناعة العالمية»، صاحبة أقوى اقتصاد في أوروبا وواحدة من أقوى ثلاث دول في قطاع الصادرات بعد الصين والولايات المتحدة؛ بسبب اقتصادها القوي الذي يعتمد بشكل كبير على صادرات السيارات والأدوية والهندسة الميكانيكية والصناعات الكيميائية والكهربائية، انزلقت إلى ركود مستمر بسبب الأزمات الاقتصادية والمخاطر الجيوسياسية واعتماد الحكومة على الاقتراض لتحريك الاقتصاد المتعثر وزيادة الإنفاق الدفاعي. عقبات كثيرة ومشاكل جمّة وتحدّيات كبيرة وعسيرة تواجه الحكومة الجديدة، لذا؛ حذّر رئيس اتحاد الصناعات الألمانية بيتر ليبنغر بأن أكبر قوة اقتصادية في أوروبا في حالة سقوط حر، والحكومة الفيدرالية الألمانية لا تستجيب بشكل حاسم بما يكفي.

خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية بتحوّل دراماتيكي من الدمار الشامل إلى «المعجزة الاقتصادية» بفضل مزيج من «خطّة مارشال» وتطبيق نموذج «اقتصاد السوق الأوروبي» الذي جمع بين الرأسمالية والعدالة الاجتماعية بقيادة «أبو المعجزة الاقتصادية» و«أبو اقتصاد السوق الاجتماعي» وزير الدفاع لودفيغ إيرهارد قبل أن يصبح مستشاراً فيما بعد، مع الاعتماد على عمالة وفيرة ماهرة وتوفير بيئة اقتصادية جاذبة للشركات المستثمرة وللمستهلكين؛ ما جعل من ألمانيا قوة عالمية بارزة ذات ثقة وصاحبة علامات مميزة، وعلامة «صُنع في ألمانيا» رمزاً للجودة (مرسيدس بنز وفولكس فاغن وسيمنز وبوش وإليانز...».

لكن حرب أوكرانيا وجائحة كورونا أدّتا إلى رفع تكاليف الصناعة بشكل هائل واهتزت صورة الدولة العملاقة بشدة في السنوات الأخيرة بسبب الأزمات الاقتصادية المتتالية وفقدان الطاقة الرخيصة وتوقف سلاسل إمدادات الغاز الروسي الرخيص وتراجع الطلب العالمي، بينما تضغط المنافسة الدولية الصينية بخاصة على الصناعات الألمانية، وزيادة الإنفاق العسكري؛ ما أثـر مباشرةً على قطاع الصناعة وأدّى إلى ركود وتراجع الاستثمار، كما تعيق البيروقراطية والاستثمار المنخفض بسبب قيود مالية، الإصلاحات الهيكلية. وما زاد في الطين بلّة وزاد الوضع تردياً هو تداعيات الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية، أكبر شريك تجاري لألمانيا عام 2024.

في هذا السياق، إن ما يدعو للقلق هو تزايد حالات الإفلاس في قطاعات الرعاية الصحية وزيادة ضغط نسبة المتقاعدين على أنظمة التقاعد والصحة والضمان الاجتماعي وتكنولوجيا المعلومات وتهديد الإنتاجية ونقص العمالة الماهرة.

أما أزمة الهجرة، فتسبّبت في صراعات سياسية داخلية حادة، وتزايد الشعبويّة المتطرّفة يُشكّل تحدّياً حادّاً إلى الحكومة في وقت يعاني التحالف الحكومي انقسامات داخليّة تؤخّر اتخاذ قرارات حاسمة للإصلاحات الاقتصادية الضرورية.

المشاكل والتحديات لا تُحصى ولا تُعدّ، والوضع الألماني بعامة والاقتصادي بخاصة، متهالك. ولكن على الرغم من ذلك، فإن إحصاءات صندوق النقد والبنك الدوليين وغيرهما من المؤسسات الموثوقة تشير إلى تعافٍ وتفاؤل ملحوظ نسبياً، حيث تقدّر وزارة الاقتصاد الألمانية أن نسبة النمو للناتج المحلي الإجمالي 1.3 في المائة في عام 2026 مع توقعات تصل إلى 1.4 في عام 2027، وقد يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 4.5 تريليون دولار عام 2026 ونحو 4.6 تريليون دولار عام 2027. أما معدل التضخّم، فمن المتوقع أن يصل إلى نحو 202 في المائة عام 2026 وربما ينخفض قليلاً عام 2027، وفقاً لتقديرات البنك المركزي الألماني (البوند سباك)، بينما تشير توقعات أخرى إلى معدّلات متشابهة تقريباً، مع بقاء التضخّم الأساسي أعلى قليلاً بسبب نمو الأجور السريع.

وقال كارستن نرزيسكي، الرئيس العالمي للاقتصاد الكلّي في بنك «آ إن جي»، إن النمو المتوقّع في عام 2026 سيأتي بشكل أساسي من حزمة الاستثمارات الحكومية ومن زيادة أيام العمل الإضافية، وأضاف أنه بالنسبة للمتشكّكين، يبقى هذا النمو ضئيلاً للغاية، ما يؤكّد أن الانتعاش الحقيقي ما زال ضعيفاً. أما المتفائلون فيرون أنه على الأقل يشكّل بداية. وعندما يغيب النمو الاقتصادي لسنوات، نتمسك بأي عنصر إيجابي مُتاح.

ونوَّه «مكتب الإحصاء الألماني» بأن الألمان سيشهدون عاماً أطول من العمل في عام 2026، حيث سيبلغ متوسط عدد أيام العمل 250.5 يوماً، أي بزيادة 2.4 يوم عن عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022، وفق «رويترز». وأوضح المكتب أن هذه الزيادة تعود أساساً إلى تزامن عدد من العطلات الرسمية مع عطلات نهاية الأسبوع خلال عام 2026.

ويبقى السؤال: هل ستتمكّن الحكومة الجديدة من التصدّي لكل هذه العقبات والمعوّقات الموجعة والمعقدة التي تنتظرها في وقت قصير؟!