انتهت أيام العام السوري 2025 ومع نهايتها، انتهت جهود ومساعي السوريين وغيرهم من المهتمين بسوريا في الكتابة والقول عن خلاصات العام، وماذا تحقق فيها، وما لم يتحقق منها. وكثير ممن كتبوا وقالوا، وضعوا خلاصات ما كتبوا وما قالوا في نقاط، ينبغي أن توضع على جدول الأعمال السوري للعام المقبل، بوصفها تُمثل مخرجاً لما هو قائم من مشكلات، ولما هو مطلوب علاجه من قضايا مطروحة ومحتملة، لا بوصفها جزءاً في برنامج العمل السوري، لأن من الواضح أنه ليس هناك برنامج عمل، وإن كان هناك برنامج فهو غير معلن.
تفتح الإشارة إلى برنامج العمل السوري بوابة النقاش حول الموضوعات الأهم المطروحة للمعالجة في عام 2026، الموصوف بأنه عام استهلال، ويمكن أن نستخلص نقاطاً من غيض فيض الموضوعات والمشكلات والقضايا، التي واجهت السوريين شعباً وحكومة في العام التجريبي، وأن نضعها في جدول مرتبة حسب أهميتها، وأن تُصنف أيضاً حسب موضوعاتها، وأن يشمل الترتيب توفّر إمكانات التعامل معها من الجوانب المختلفة، وأن يخضع الترتيب لقراءات متعددة، ومن فرق متعددة ومتنوعة الاختصاصات والخبرات، وأن يكون النقاش فيها حرّاً ومفتوحاً غير محكوم بآراء ومواقف مسبقة، باستثناء المصلحة السورية العامة والضرورات، التي تُركز على الحاضر وعيونها على المستقبل.
إذا استطاع السوريون، أعني الحكومة في المقام الأول والدوائر المحيطة بها، بحكم موقعهم في القرار وبمساعدة الفعاليات السياسية والاقتصادية/الاجتماعية من جماعات وشخصيات، وضع برنامج عمل لعام 2026، وأخضعوه إلى تدقيق وتصويب، فإنهم يؤسسون لنهج يتعامل مع الضرورات والإمكانات، وينتقلون من سياق المبادرات الفردية (التي قد تكون مهمة وضرورية في بعض الأحيان) إلى العمل بروح الفريق، التي هي ضرورة ومؤكدة في سوريا اليوم على وجه الخصوص، بل إن ذلك سيفتح بصورة خلّاقة باب التشارك السوري ويُطوّره من خلال تجارب عملية، بعد كل ما أصاب الفكرة من تشتت واختلاف في «هوشات النقاش» في العام الماضي بين السوريين في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي حول نقاط وموضوعات هامشية في الغالب، وبعضها مضر بشكل خطير.
وإذا كان من الصحيح، أنّ من شأن وضع وإعلان برنامج عمل حكومي له أهداف مدروسة ومدققة، وقابلة للتصحيح إذا أمكن، سوف يؤثر إيجاباً على هيجان النقاش الشعبي السائد في الإعلام، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، لأنه سينقل النقاش من التهديدات التي تشغل بال السوريين، وتثير القلق بصدد حاضرهم ومستقبلهم إلى الموضوعات التي من شأنها تحسين حياتهم وتجاوز مشكلاتهم، إن لم يكن كلها فالأهم فيها، وهذا سيعطي الحكومة مزيداً من الأوراق المؤثرة في المحيط الوطني، ويُعزز قوتها وموقعها في علاقاتها الخارجية.
ليست الحكومة والدوائر المحيطة بها هي المستفيد الوحيد من إعلان برنامج للحكومة، بل عموم السوريين الذين ما زالوا يعانون مشكلات وأوضاعاً، كان يفترض أن بعضها خفّ تأثيره السلبي في حياتهم، مثل أزمة الطاقة، أو تمت معالجته مثل صعوبات التعامل مع الدوائر الحكومية التي لا شك أنها صارت أفضل، وهي جزء في بند تحسين الأداء الحكومي في البرنامج الذي سيتضمن بنوداً سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تؤدي إلى تغييرات في حياة الناس، خصوصاً الفئات الشعبية، وأولهم المنسيون من سكان المخيمات، وتراكم باتجاه تحولات عميقة في مستوى الدولة والمجتمع بما يُحقق المصالح الكبرى للسوريين.
ولا شك أن الأبرز في محتويات برنامج الأداء الحكومي سوف يركز في الجانب السياسي، وأولى نقاطه استعادة وحدة الكيان السوري، وهو أمر لا يتعلق فقط بتعميم سلطة الدولة على مناطق شمال شرقي البلاد وجنوبها، بل أيضاً يؤكد إقامة تفاعل خلاق بين المناطق السورية كافة، من خلال تصفية مخلفات الماضي، وبينها وقف حملات التحريض والانقسام وإشاعة الكراهية، بل تجريمها، وفتح أبواب المشاركة الأوسع في إدارة الشؤون العامة، وتصفية آثار الحرب في إطار العدالة الانتقالية، بما فيها محاسبة المجرمين وتعويض الضحايا، وعودة اللاجئين.
إن تناول هذه النقاط في برنامج حكومي معلن يُعيد إنعاش الآمال العريضة التي ولّدتها عملية التغيير بالخلاص من نظام الأسد، ويساعد في مواجهة ما حصل من مشكلات وترديات ومعالجتها، وتُعيد ترتيب أولويات واهتمامات الحراكات السياسية والشعبية في سوريا، وبالنتيجة تعيد بناء العلاقات بين الحكومة السورية وأغلب السوريين، إن لم نقل كلهم.
