قدّم عبد الرحمن الراشد في مقاله «كيف للجنوب اليمني أن ينفصل؟» مقاربة مكثفة لإحدى أعقد القضايا السياسية المعاصرة، والمتمثلة في إشكالية الانفصال وحدود الشرعية الدولية. ووفق تقليده الصحافي المعروف، استطاع الراشد تفكيكَ هذه الإشكالية عبر لغةٍ رصينةٍ تجمع بين سلاسةِ السَّرد التاريخي وانضباطِ التحليل السياسي. كما لجأ إلى توظيف تجاربَ انفصالية مقارنة، أضفت على الطرح بعداً تحليلياً وتجريبياً أعمقَ، وأسهمت في إضاءة السياق العامّ للنقاش. وبهذا الأسلوب الرَّشيق والبسيط، قدّم للقارئ غيرِ المتخصص معالجةً واضحةً ومفهومة، من دون التفريط في العمق المفاهيمي أو الإخلال بالإطار التحليلي المنهجي للقضية.
وإضافة إلى ما وردَ في مقاله، أودُّ التنويهَ بأنَّ الأدبياتِ المتخصصةَ في علم السياسة والعلاقات الدولية تميّز بوضوح بين نمطين مختلفين من الشرعية: الاعتراف القانوني الدولي (De Jure)، وهو الاعتراف الذي تمنحه الدولُ والمؤسسات الدولية لكيانٍ سياسي بوصفه فاعلاً مشروعاً ضمن النظام الدولي، ويقع ضمن اهتمامات المختصين بالقانون الدولي، والاعتراف الواقعي (De facto)، الذي يشير إلى امتلاكِ الفاعل السياسي القوة المادية التي تمكّنه من القدرة الفعلية على السيطرة الميدانية وبسط النفوذ على الأرض، بصرف النظر عن وضعه القانوني أو أي إطار شرعي دولي، ويندرج هذا النوع من الاعتراف ضمن اختصاصات العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
وتعود أهمية هذا التمييز إلى حقيقة أنَّ عدداً كبيراً من الكيانات المسلحة التي تنشأ خارج إطار الدولة لا تسعى أصلاً إلى نيل اعتراف القانون الدولي (De jure)؛ إذ تبني شرعيتَها على منطق الأمر الواقع (De facto)، أي على امتلاك القوة وفرض السيطرة الواقعية على الأرض، مدعمة مصادر شرعيتها بخطاب تعبوي يقوم على شعارات المظلومية، وتهميش الهوية، وادعاء الاستحقاقات السياسية والاقتصادية المُغيّبة. وينطبق هذا النموذج على حركات مسلحة متعددة لا تُولي الاعتراف الدولي وزناً حاسماً في استراتيجيتها مثل «داعش»، و«حزب الله»، والحوثيين، وحركة «الشباب» الصومالية، و«قوات الدعم السريع» بقيادة حميدتي. وفي المقابل، ثمة نمط آخر من الكيانات السياسية التي تمتلك معظم، أو حتى جميع، مقومات الدولة الفعلية - من سلطة قائمة، وإقليم محدد، وشعب بهوية سياسية واضحة، وعلاقات محدودة بفاعلين دوليين - إلا أنَّها لم تحظَ بالاعتراف القانوني الدولي (De Jure) رغم سعيها الحثيث إليه، كحركة «طالبان» الحالية، وصومالي لاند، وأبخازيا، وشمال قبرص، وناغورنو كاراباخ، وفلسطين، وتايوان. وتُظهر هذه الحالات، على تباين سياقاتها، أن الاعتراف الدولي لا يُستمد من السيطرة المادية وحدها، بل هو ثمرة مسار سياسي - قانوني طويل ومعقّد، تحكمه توازنات النظام الدولي ومصالح القوى الفاعلة فيه.
وفي هذا السياق، يمكن القول بأنَّ المعضلة الحقيقية التي يواجهها المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم لا تتمثل في عدالة القضية الجنوبية ذاتها، بقدر ما تكمن في التَّحول التدريجي لسلوكه السياسي من فاعل اكتسب شرعيةً قانونية دولية (De Jure) من خلال عضويته في المجلس الرئاسي المعترف به دولياً، إلى ممارسات تقترب من نمط الفاعل الميليشياوي (De Facto)، عبر التمرد السياسي والمؤسسي على المجلس الرئاسي الذي يشكّل مصدر شرعيته الوحيد. ويبرز هنا تناقضٌ جوهري، فالقضية الجنوبية، من حيث المبدأ، قابلة لاكتساب شرعية سياسية وقانونية دولية من داخل إطار المجلس الرئاسي، ووفق آليات القانون الدولي، لا من خارجه. أمَّا تقويض هذا الإطار أو الانقلاب عليه عملياً، فيؤدي إلى نسف الأساس القانوني الذي يمكن أن تُبنى عليه عدالة أي قضية سياسية، أو مطالب مستقبلية مشروعة.
وضمن هذا الإطار التحليلي، يغدو من عقلانية السلوك السياسي للمجلس الرئاسي - وبإسنادٍ واضح من المملكة وانطلاقاً من اعتبارات حماية أمنها الوطني - الحرص على كبح أي مسار قد يدفع المجلس الانتقالي إلى التحول نحو نموذج الميليشيا المسلحة، بما يحمله ذلك من مخاطر تفكيك المجال السياسي والأمني وتقويض منطق الدولة، على غرار «حزب الله» أو حركة أنصار الله الحوثية وغيرها. فالغاية من تدخل المملكة - في إطار حماية مصالح أمنها الوطني وصون بيئتها الإقليمية من التهديدات - لم تكن بهدف إضعاف القضية الجنوبية أو تقويض مطالبها السياسية، بل إلى حماية المجلس الانتقالي نفسه من الانزلاق نحو نموذج تنظيمات العنف السياسي التي تستمد شرعيتها من الإكراه المادي والسيطرة القسرية خارج إطار الدولة، بوصفها سلطة أمر واقع (De facto) غير مكترثة بقواعد الشرعية الدولية أو منطق الاعتراف القانوني. ويُظهر واقع الحال أنَّ المجلس الانتقالي كان قد ارتضى الاشتغال ضمن إطار الشرعية، حين قَبِل العمل من داخل المجلس الرئاسي، وربط خطابه ومساره السياسي بشرعية هذا الإطار المؤسسي المعترف به دولياً، وتولى مواقع وزارية ومناصب رسمية في مؤسسات الدولة. وقد أتاح له هذا التموضع - حتى وقت قريب - اختلافاً وتمايزاً بنيوياً واضحاً عن أنماط سلوك الميليشيات المسلحة الأخرى.
وفي المرحلة الراهنة، تبدو القضية الجنوبية - ومعها المجلس الانتقالي - قد بلغت لحظة مفصلية دقيقة، وتقف عند مفترق طرق حاسمة تتداخل فيه احتمالات التحول الميليشياوي أو إعادة التموضع ضمن إطار الشرعية الدولية. فالخيار الأول المتاح أمام المجلس الانتقالي هو أن يُرسّخ نفسه كتنظيم سياسي يسعى إلى تعزيز شرعيته القانونية الدولية (De Jure) عبر الالتزام الصارم بإطار المجلس الرئاسي المعترف به، والانخراط المنظم في مؤسسات المجتمع الدولي، وتقديم قضيته بوصفها قضية سياسية عادلة ومشروعة تُدار بأدوات دبلوماسية وقانونية، وإمَّا الانزلاق نحو الخيار الثاني والمتمثل بتحوله إلى نموذج فاعل ميليشياوي (De Facto)، وما يستتبعه هذا التحول من عزلة دولية، وعقوبات محتملة، وتجريم سياسي، واحتمالات إدراجه ضمن خانة التنظيمات العنيفة التي يُنظر إليها بوصفها تهديداً لا شريكاً. وهذا المسار لا يختلف في مآلاته عن نماذج فاعلين مسلحين خارج إطار الدولة، مثل «حزب الله»، و«قوات الدعم السريع»، وحركة أنصار الله الحوثية، حيث تقوم جميعها على شرعية الأمر الواقع لا الشرعية القانونية. وتزداد هذه المقارنة وجاهة في ضوء تقارير أشارت إلى ارتباطات تاريخية بين قيادة المجلس الانتقالي و«حزب الله» وإيران على مستوى العقيدة القتالية والتدريب. والفارق الحاسم بين هذين المسارين لا تُحدده عدالة القضية في ذاتها، بل في الكيفية التي تُدار بها هذه المسألة سياسياً وقانونياً داخل منظومة الشرعية الدولية، وفي مدى اتساق هذا المسار مع منطق إرادة التاريخ أو الخروج عنه.
