بندر بن عبد الرحمن بن معمر
كاتب وباحث سعودي مهتم بالتاريخ، له مؤلفات مطبوعة ومقالات وبحوث منشورة. وهو أيضًا رجل أعمال وعضو مجلس إدارة عدد من الشركات، ومستشار لعدة جهات وهيئات.
TT

ليالي الحزن الثقافية

استمع إلى المقالة

تعيش المملكة العربية السعودية مرحلة تحول ثقافي كبير يصاحبه حراك شمل كل أبعاد الثقافة ومساراتها، برامج ومبادرات ومناشط وفعاليات، وفي غمرة هذا كله فقدتِ الساحة الثقافية السعودية، وخلال أيام معدودات عدداً من المثقفين، وسأقتصر هنا على الكتابة عن ثلاثة ممن فقدنا من رموز الثقافة كل في مجاله وفنه، مع تسليط الضوء على القاسم المشترك الذي جمعهم. كان آخر الراحلين الأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن مهندس الكلمة وفارسها الذي فارقنا يوم 4 مايو 2024م. لست هنا بصدد التأريخ لمسيرته الشعرية أو استعراض ملامح مدرسته، لكنني سأركز على الدور الوطني الذي أسهمت تلك المدرسة في ترسيخه، وما يمكن أن أسميه بالصهر الوطني أو الاندماج الاجتماعي، وكان ذلك الدور استكمالاً لإنجازات رواد تلك المرحلة من شعراء الأغنية السعودية، ومن أبرزهم: الأمراء محمد بن عبد العزيز وعبد الله الفيصل وخالد الفيصل، وإبراهيم خفاجي وغيرهم، بيد أنَّ بدر بن عبد المحسن نقل التجربة الشعرية إلى فضاءات مختلفة، وأسس لمفاهيم جديدة، وكان رائداً بحق لمدرسة تجديدية ليس في المفردات والتراكيب فحسب؛ بل في الصورة الشعرية كذلك، ساعده على ذلك في تقديري إخلاصه لموهبته وتفرغه للشعر، الأمر الذي بوَّأه تلك المكانة الريادية لما يزيد على نصف قرن. نجح البدر من خلال قصائده وكلماته المغنَّاة في تعميق مفهوم المواطنة وترسيخ الاعتزاز بالقيم والثوابت التي قامت عليها الدولة السعودية والافتخار بمنجزات الوطن، وكان هو الأنموذج الذي تأثر به كثير من الشعراء وسعوا لمحاكاته والسير على نهجه، إلا أنَّه لم يستطع أحد منهم مجاراته. وحينما يؤرخ للنهضة الغنائية السعودية سيكون بدر أحد رموزها الكبار، أمَّا عند التأريخ للأغنية الوطنية فسيكون فارسها كمّاً وكيفاً، ويكفيه أنَّه أكثر شاعر غُنيت قصائده الوطنية على مسرح الجنادرية وهي: الله البادي، عز الوطن، وقفة حق، فارس التوحيد، وطن الشموس، وأئمة وملوك. هذا عدا أشعاره الخالدة التي تربَّت أجيالٌ عليها وستظلُّ تردد كلماتها التي لا تجارى، مثل: سيوف العز، فوق هام السحب، حدثينا، الله أحد، مالحد مِنّه، عشب الفخر، عوافي، جمرة هل العوجا وغيرها كثير. تربع البدر على عرش القصيدة الوطنية وأصدر ديواناً ضم عدداً منها، سمَّاه (فوق هام السحب) ضمن أعماله الشعرية الكاملة التي صدرت في خمسة دواوين عام 2022م. أما ثاني الراحلين فكان الدكتور عبد الله المعطاني أستاذ الأدب والنقد في جامعة الملك عبد العزيز والأديب والشاعر والمسؤول الحكومي بعد ذلك، والذي فاجأنا رحيله يوم 30 إبريل 2024م، وهو المثقف الفاحص للأدب والشعر العربي، الباحث في مظانّه وأصوله كما أنَّه الشاعر الذي جمع بين شعبي الشعر وفصيحه والحافظ لقصائده ومروياته، وهو أيضاً الأديب المستحضر للتراث الأدبي العربي الغواص في نصوصه المتبحر في مصادره وعلومه. تزامنت عودته إلى جامعة الملك عبد العزيز حاملاً شهادة الدكتوراه من جامعة إكستر البريطانية مع صعود تيار الحداثة على الساحة الثقافية السعودية والصراع الفكري الذي نشأ خلال ثمانينيات القرن المنصرم بين أنصار تيار الحداثة وخصومهم، فلم ينجذب للمعارك بين التيارات، وانصرف إلى العلم يُغذي به طلابه؛ إذ كان حريصاً على ربط طلابه بتراثهم وثقافتهم ليكونوا على بينة من خياراتهم، ما كلفه جهداً مضاعفاً في التدريس، ساعده على تحمل ذلك وقتئذ، شبابه وحيويته مع عشقه للتراث ودروسه وعمق معرفته بمصادره اللغوية والأدبية والنقدية، وكأنَّما رسالته أن ينقل لطلابه محبة تراثهم العربي وفهم نصوصه، وأن يربطهم بمصادره، وكان له ذلك. لذا أرى أنه بالرغم من تعدد مناصبه وتنوعها إلا أنَّ صفة الأستاذية وشخصية (الأستاذ) صاحبته فيما تلاها من وظائف وألقاب. بيد أنه فاتنا كثير من علم المعطاني ومعارفه بسبب قلة انتاجه، ومرد ذلك في تقديري إلى رغبته في الانتماء لقاعة الدرس وتعليم الطلاب أكثر من انتمائه للإنتاج الكتابي، وهو في هذا ليس بدعاً من كثير من الأكاديميين. ارتبط المعطاني بعلاقة وطيدة مع الأمير خالد الفيصل وشارك في رئاسة وعضوية عدد من المبادرات الثقافية التي أسسها ورعاها الأمير كأكاديمية الشعر العربي ووقف لغة القرآن. عُيّن عضواً في مجلس الشورى السعودي ثم نائباً لرئيسه، سبق ذلك عمله وكيلاً لكلية الآداب في جامعة الملك عبد العزيز، إضافة إلى عضوياته في مجالس ولجان منها: نادي جدة الأدبي وجمعية الثقافة والفنون وهيئة حقوق الإنسان وغيرها. تميز بدقته المنهجية وصرامته العلمية، كما أنَّ إنسانيته وحبه لعمل الخير كانت تتجلَّى في كثير من المواقف. أمَّا أول الراحلين فكان عبد الرحمن بن معمر، وجاء رحيله يوم 27 إبريل 2024م. وصفه كثير من مجايليه بالأديب الموسوعي، وأحد رواد أدب الظرف، وصناع البهجة، وناشري المعرفة وثقافة التسامح، وحاملي لواء الكلمة في وجه التعصب. عمل في بداية حياته العملية موظفاً في وزارة المالية ثم في ديوان رئاسة مجلس الوزراء إلى جانب كتاباته في مجلات المنهل وراية الإسلام وغيرهما، وكتب في «الجزيرة» في بداية صدورها كمجلة شهرية، ثم أصبح عضواً مؤسساً فيها عند تحولها إلى صحافة المؤسسات ورأس تحريرها كجريدة (مايو 1967 إلى نوفمبر 1971م) يوم كانت تصدر أسبوعية، وكان خصماً لدوداً للتيارات اليسارية خلال تلك السنوات. ثم أصبح كبيراً للمراسلين في وكالة الأنباء السعودية. تفرغ بعد ذلك لما يزيد عن نصف قرن للأدب كاتباً وناشراً ومشاركاً في المحافل والمنتديات الثقافية. يصف مرحلة رئاسته لتحرير «الجزيرة» رفيق دربه وخلفه فيها الأستاذ خالد المالك: «في عملي معه، ثم بعد أن ترك رئاسة التحرير، وتوليت مسؤوليتها بعده، كانت أجواء العمل تحت قيادته تشوبها المفاجآت، فلا أحد يتوقَّع ما سيكون عليه الخبر الرئيسي في الصحيفة، من حيث صياغة العنوان والمادة والمصدر، ما جعل الصحيفة في الغالب تصدر كلَّ أسبوع بشكل مختلف عن كل الصحف، لأنَّ له رأياً يختلف فيه مع غيره، وهو بهذا لا يجامل ولا يساير غير (الجزيرة) من الصحف في تشابه أخبارها وسياساتها». وعن ريادته في أدب الظرف والكتابة الساخرة، فقد قال له زميله الأديب الدكتور حمد الزيد ذات يوم: «لو أردت يا عبد الرحمن لكنت برنارد شو السعودية»! أما رفيق دربه الآخر الكاتب والمؤرخ حماد السالمي فيقول عنه: «كنا نعد اللقاءات التي كانت تجمعنا به في الطائف أو جدة من أعظم المكاسب، لما كان يتميَّز به من لطف وظرف، وبديهة نادرة، وذاكرة حاضرة، وصلة بآثار من سبق ومن لحق من الأدباء والشعراء والمؤرخين والمشاهير، كان يتحدث وكأنَّه يقرأ من كتاب، وعكس كتابه: (المضيفات والممرضات في الشعر المعاصر)؛ وكذلك كتابه الآخر: (البرق والبريد والهاتف وصلتها بالحب والأشواق والعواطف)؛ ذلك الظّرف الذي يتمتَّع به، وسعة اطلاعه واختياراته الموفقة عادة في تقديم ما يغري بالاستماع والاطلاع». وعدا كتاباته الساخرة ونقده الاجتماعي، تميّز بمقالاته الرثائية لعدد من الشخصيات التي عرفها أو عمل معها أو اتصل بها، مثل (مع حفظ الألقاب): إبراهيم العنقري ومحمد الحمد الشبيلي وعبد العزيز الخويطر وحسين عرب وعبد العزيز التويجري وفيصل الشهيل وعبد العزيز الرفاعي وناصر الشثري وأحمد المبارك وفهد العريفي ومطلق الذيابي وأحمد المانع ومحمد أنورعسيري وغيرهم كثير، حيث أحصيت ما يزيد على السبعين رثائية كتبها وتعتبر تراجم فريدة لتلك الشخصيات وتأريخ لمراحل مفصلية من التاريخ السعودي الحديث، وصفها المؤرخ والناشر محمد السيف بـ: «درر وفرائد تميز بها الراحل بأسلوبه الفذ وفاء وتأريخاً ومواقف وحكايات». ويحسب له أنَّه أول من كتب عن الحصول على شهادات الدكتوراه بطرق ملتوية، في مقال عنْوَنَه: «وقد يجهل الإنسان وهو مدكتر» ونشره في العدد 436 من مجلة اليمامة الصادر يوم 4 فبراير 1977م». وبعد: لقد أدرك رموزنا الثلاثة مراحل من تطور بناء الدولة السعودية الحديثة وكانوا شهوداً على حوادث ووقائع، ولم يكن ذلك، مع تزامن وفاتهم هو المشترك الوحيد بينهم، إذ عايشوا مراحل من التحولات الفكرية والثقافية وعاصروا الصراعات الآيدولوجية وتلك مراحل تستحق مزيداً من الرصد والتوثيق والدراسة. المهم أن كلاً منهم بقي مثقفاً وطنياً، مخلصاً لأفكاره ومشروعه في أطار المشروع الوطني الرسمي. وبالرغم من تنوع أطروحاتهم وتباين خلفياتهم، إلا أنهم كانوا دائماً مع التوجه الرسمي لبلادهم لم تجذبهم تيارات وآيدولوجيات اليسار أو اليمين، وهذا ينفي ما يطرحه منظرو تلك التوجهات. بينما وجدنا بعضهم يصطفون خلف أبشع الدكتاتوريات، وما وقفة كثير منهم مع صدام حين غزا الكويت عنا ببعيد، ولا يمكن أن يُنسى وقوف متطرفيهم قبل ذلك مع جهيمان حين اقتحم المسجد الحرام رغم التضاد الفكري بين التيارين. لكن أساتذتنا أولاء كانوا نماذج لمثقفين سعوديين بقوا أوفياء لمبادئهم، لم يغيروا مواقفهم أو يتموضعوا حسب مصالحهم، كما لم ينجذبوا للولاءات الضيقة أو التمايزات الفئوية أو الجهوية؛ بل كان إيمانهم بالوحدة الوطنية منعكساً على تصرفاتهم الشخصية وطروحاتهم الفكرية، ويمكن قراءته بوضوح في قصائدهم ونصوصهم ولقاءاتهم ومقابلاتهم. من هنا حظي كل منهم بالتكريم الذي يستحقه وكانوا محل تقدير قيادتهم ومجتمعهم، غفر الله لهم وأجزل مثوبتهم.