د. ياسر عبد العزيز
TT

هل تتراجع حرية الإعلام في معاقلها الأساسية؟

استمع إلى المقالة

في أحد البلدان، تريد شركة أجنبية أن تستحوذ على صحيفة رئيسة، لكن مخاوف كبيرة وانتقادات نشأت، واستهدفت ذلك التوجه بشدة، بداعي وجود «مخاطر على حرية الصحافة»، ولقد أُجْرِي تحقيق في هذا الشأن، وسُلمت نتائجه لوزيرة الإعلام، وهي بصدد اتخاذ قرار قد يمنع تنفيذ الصفقة.

وفي بلد آخر، يجتهد المشرّعون من الحزبين الرئيسين لتمرير تعديلات قانونية تستهدف وضع قيود على الشركات المملوكة لجهات أجنبية عند العمل في قطاع التكنولوجيا والإعلام، والهدف هو منع تطبيق «تواصل اجتماعي» رائج من العمل محلياً، بداعي أن له صلات بحكومة أجنبية، وأنه يجمع معلومات عن المستخدمين قد تهدد «الأمن القومي» للبلاد.

البلد الأول هو بريطانيا، والبلد الثاني هو الولايات المتحدة الأميركية، وفي الحالتين ستثور أسئلة شائكة وحادة عن حرية الرأي والتعبير، وانفتاح وسائل الإعلام، وحرية المنافسة، والمجتمع الحر المتعدد، الذي هو ضمانة للتنوع والديمقراطية، وفق الأدبيات الغربية.

الخبران راجا في الأسبوع الماضي؛ وفي الخبر الأول عرفنا أن بريطانيا بها وزيرة إعلام، ويمكن لهذه الوزيرة منع صفقة الاستحواذ على صحيفة، وهو قرار سيحظى بعديد المناصرين بين الساسة والنُّخب والجمهور في حال اتخاذه.

حدث ذلك، حين أعلنت مجموعة إماراتية عزمها شراء صحيفة الـ«ديلي تلغراف» البريطانية الشهيرة، وشقيقتها مجلة الـ«سبكتاتور»، وهما منصتان محسوبتان على التيار المُحافظ في البلاد.

لكن الدولة البريطانية، بمؤسساتها المعنية، قرّرت أن تدرس الصفقة وأبعادها أولاً، وعند متابعة المساجلات التي تجري على هامش أنباء تلك الصفقة سيتضح أن مخاوف عميقة تتصاعد ضد عملية البيع، وفي بعض هذه المساجلات استُخدمت ذرائع من تلك التي تستخدمها بلدان العالم الثالث حين تدافع عن قراراتها وسياساتها الرامية إلى «تحصين» بيئتها الإعلامية من «الاختراقات».

الشيء نفسه حدث في الولايات المتحدة، التي يدرس برلمانها حالياً تعديلات قانونية، شارك في تقديمها مشرعون من الحزبين الرئيسين في البلاد (الجمهوري والديمقراطي)، بهدف وضع مزيد من الضغوط والقيود على تطبيق «تيك توك» الصيني الرائج، والذي ينافس منتجات «ميتا» وغيرها من الشركات الأميركية المشابهة بشراسة، ويتقدم في بعض مراحل المنافسة؛ فتزداد حصته، ومعها تأثيره، باطراد.

يقول الرئيس «الديمقراطي» جو بايدن إنه سيوافق على هذه التعديلات إذا وصلت إلى مكتبه، بعد إقرارها في «الكونغرس»، أما الرئيس السابق دونالد ترمب، والمنافس المُحتمل في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإنه يعارض هذه الخطة، وهو أمر فسّره البعض بأنه مجرد «مماحكة انتخابية»، بالنظر إلى أن هذا الأخير نفسه كان يسعى إلى حظر التطبيق خلال فترة رئاسته من دون أن ينجح في ذلك. يقول المشرعون الأميركيون الذين تبنوا هذه التعديلات إن «تيك توك» له روابط بالحكومة الصينية، وإنه يجمع معلومات بشراهة ونهم شديدين، وإن وجود تلك المعلومات لديه، واحتمالات تسليمها للحكومة الصينية يهددان «الأمن القومي» للبلاد. ويستشهدون، في ذلك الصدد، بما سبق أن فعلته حكومات ومؤسسات بريطانية وأوروبية - منها البرلمان الأوروبي - حين اتخذت قرارات، في العام الماضي، بوضع قيود على استخدام «تيك توك»، كمنع الموظفين من استخدام هواتفهم المزودة بالتطبيق في أماكن العمل.

من خلال هذين الخبرين أصبحنا نعرف معلومات جديدة بخصوص حالة حرية الرأي والتعبير والمنافسة والتعددية في بلدين يمثلان معقلين أساسيين للديمقراطية والليبرالية الغربية، ولكل منهما باع كبير وتاريخ زاهر في مضمار حرية الصحافة وديمقراطية الاتصال، كما أن أحدهما يمثل الحاضن الرئيس لمعظم شركات التكنولوجيا و«التواصل الاجتماعي» المُهيمنة على ساحة الاتصال والإعلام في العالم.

وفي حال رفضت وزيرة الإعلام البريطانية صفقة استحواذ الإمارات على الـ«ديلي تلغراف»، ونجح المشرعون الأميركيون في إقرار التعديلات التي من شأنها أن تجبر شركة «بايت دانس» المالكة لـ«تيك توك» على بيع التطبيق في غضون 6 أشهر، سيكون لدينا دليل جديد على الازدواجية الغربية في مجال حرية الإعلام.

لقد تزعزعت الثقة في الميراث المتراكم من الأدبيات والممارسات الأميركية والبريطانية، والأوروبية أيضاً، في مجال حرية الرأي والتعبير والمنافسة في المجال الإعلامي، منذ الوقائع المُحزنة التي واكبت المقاربة الإعلامية للحربين في أوكرانيا وغزة، والآن يأتي هذان الخبران ليؤكدا أن خللاً كبيراً يعتري الديمقراطية الغربية في هذا الصدد. ويبدو أن كثيراً مما قيل عن نسق الحريات الغربي وصلابته واتساقه يحتاج إلى مراجعة؛ وهو أمر سيُصعب قدرة الديمقراطيات الغربية العريقة على الإقناع عندما ستضغط لاحقاً على بلدان في الشرق، أو العالم الثالث، من أجل مفاهيم حقوقية تتصل بالحريات الإعلامية.