لبنان يدرس خطة لضخ ملياري دولار في الاستهلاك والإنتاج

تقديرات بزيادة إيرادات الخزينة 574 مليون دولار في السنة الأولى

شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)
شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)
TT

لبنان يدرس خطة لضخ ملياري دولار في الاستهلاك والإنتاج

شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)
شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)

​تدرس جهات رسمية واقتصادية ومصرفية في لبنان خطة تمويلية بقيمة ملياري دولار، تستهدف تحفيز الاستهلاك وزيادة الإنتاج الصناعي والصادرات، من خلال منح قروض للأفراد والشركات مناصفةً. وتتوقع ورقة العمل أن تسهم الخطة في توليد إيرادات إضافية للخزينة تصل إلى 574 مليون دولار في السنة الأولى، وفق الفرضيات التي تستند إليها، بما يدعم النشاط الاقتصادي والنمو.

وتقترح الخطة توفير التمويل عبر مصرف لبنان، إما بالسحب من توظيفات المصارف لديه، أو من خلال الإقراض المباشر من سيولته، على أن تتولى المصارف منح القروض للمستفيدين. ويُخصص مليار دولار للقروض الاستهلاكية، بما يشمل تمويل السيارات والإنفاق الشخصي، بينما يُوجَّه المليار الآخر إلى الشركات، ولا سيما لتغطية رأس المال العامل وتحديث الآلات الصناعية، بما يدعم الإنتاج ويحدّ من الاعتماد على الواردات ويعزز الصادرات.

ولا تزال الخطة في مرحلة التداول، وسط مساعٍ لاستكمال الملاحظات والتحسينات اللازمة تمهيداً لبحث إقرارها رسمياً. ويستند المقترح إلى توقعات بتحقيق عوائد اقتصادية ومالية، فضلاً عن المساهمة في تنشيط الاستهلاك والإنتاج بالتوازي، ودعم جهود الحكومة الرامية إلى استعادة الانتظام المالي.

وبحسب ورقة العمل التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من مسؤول كبير مشارك في المداولات، يُتوقع أن يحقق ضخ الملياري دولار، بوصفه تمويلاً أولياً لمرة واحدة، أثراً اقتصادياً يُقدّر بنحو 2.95 مليار دولار. وتعادل هذه القيمة نحو 6.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إذا احتُسب على أساس 46 مليار دولار، أو 8 في المائة إذا اعتُمد تقدير يبلغ 36.9 مليار دولار، وفق ما تذكره الورقة استناداً إلى بيانات البنك الدولي.

مبنى «المركزي» اللبناني في منطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)

آلية التمويل

وقال المسؤول إن النقاشات بلغت مرحلة متقدمة، مع إعداد مندرجات الخطة وتبويبها وتحديد خيارات مصدر التمويل عبر إتاحة السحب من توظيفات المصارف لدى البنك المركزي، أو بالإقراض المباشر من سيولته، معززاً بالربط المحكم لتوجيه التسهيلات مناصفة لصالح الأسر والشركات. وتعوّل الورقة على إمكان إعادة تدوير التمويل من خلال تحصيل القروض وإعادة إقراضها، بما يسمح باستمرار أثره الاقتصادي، وتقدّر هذا الأثر بنحو 3 مليارات دولار سنوياً على الاقتصاد الوطني.

وبموجب الآلية المقترحة، يتولى البنك المركزي مباشرة، عبر ضخ الأموال إلى المصارف، من خلال قيود نظامية تحدّد ماهيتها ووجهتها، كسحوبات من التوظيفات، أو عمليات إقراض بقيمة ملياري دولار، لتتولى بدورها، أي البنوك، إعادة إقراض هذه الأموال، بهامش مردود ثابت قدره نقطتان مئويتان للعملاء الشركات، و3 نقاط مئوية للمستهلكين، بحيث يبلغ إجمالي إيرادات محفظة التسهيلات الموظّفة، نحو 50 مليون دولار في السنة الأولى.

ومن الواضح أن تخصيص التمويل، سواء مباشرة، أو عبر تغطية السحب من توظيفات البنوك، أو باعتماد عملية الإقراض والتيسير عبر القنوات المصرفية، يتوفر، بشكل شبه حصري، من خلال احتياطي البنك المركزي بالعملات، والبالغ حالياً نحو 11.6 مليار دولار. بينما تقضي الخطة بتوزيع التسهيلات، على شكل قروض للمستهلكين والشركات بالتساوي، وتستهدف مجالات تتيح السداد القصير والمتوسط الأجل، بما يكفل الدوران المتكرر لسنوات مقبلة، وتعزيز تدفقات السيولة في الأسواق.

وإلى جانب الأثر الاقتصادي المضاعف على المدى القريب، وإعادة الاعتبار لوظيفة مصرفية حيوية، يمثل التمويل المقترح فرصةً هيكلية كبرى وضرورية لقطاعات إنتاجية أساسية، بعد غياب قسري لأغلب المنتجات الائتمانية بفعل انفجار الأزمة النقدية واحتجاز توظيفات المصارف لدى البنك المركزي، والبالغة نحو 80 مليار دولار.

وقد عصفت الأزمة عينها، والتي تختم عامها السابع على التوالي، بالإمكانات المالية لدى معظم المستهلكين، جراء انهيار سعر العملة ومحدودية السيولة المتاحة لسحوبات المودعين، بواقع بين حصص تتراوح بين ألف دولار، و500 دولار شهرياً، حسب توزيعات المستفيدين من تعاميم مصرف لبنان. في حين يمكن استثمار أو تخصيص جزء أو نسبة من عوائد المبادرة في ضخ سيولة إضافية ضمن القنوات المعتمدة لإيفاء الودائع.

صياد يلقي صنارته من شاطئ صخري عند غروب الشمس في بيروت (أ.ب)

فرص استثمارية كامنة

ووفق استبيانات ميدانية استندت إليها الخطة، تعمل الصناعة اللبنانية حالياً بنحو 50 في المائة من طاقتها المركبّة، ما يكشف فرصة استثمارية كامنة وذات عوائد مضمونة، يمكن مواكبتها سريعاً، بالعمل على ردم هذه الفجوة، عبر توجيه تسهيلات بنحو 700 مليون دولار إلى رأس المال العامل، بما يشمل المواد الأولية ونوبات العمل الإضافية، وتخصيص نحو 300 مليون دولار لتحديث الآلات.

ويرتقب، بعد اكتمال هذه العملية التمويلية، تحقيق زيادة وازنة ومستدامة في حجم الصادرات بنحو 1.14 مليار دولار، بفعل ارتفاع الصادرات السنوية من السلع والخدمات، أي بنسبة تناهز 38 في المائة قياساً بحجم الصادرات الحالي والبالغة قيمته نحو 3 مليارات دولار. بالإضافة إلى تحفيز النشاط القطاعي وتنويع المنتجات والسلع، وتوفير فرص عمل إضافية مع تحسين المداخيل للعاملين.

وبالتوازي، تقترح الخطة تخصيص المستهلكين بمليار دولار، يجري توزيعه، وفق تصورات أولية قابلة للمراجعة والتعديل، بمبالغ تصل إلى 400 مليون دولار لقروض السيارات لمدة 5 سنوات، و600 مليون دولار لقروض الإنفاق الشخصي، مع برمجة سداد الأقساط خلال سنة واحدة، بهامش فائدة صافٍ قدره 3 نقاط، تؤمن مردوداً بقيمة إجمالية تبلغ 30 مليون دولار. مما يتيح استدامة ضخ التمويل لسنوات تالية، وزيادة مبالغه.

وتظهر المحاكاة الرقمية أن تحفيز النشاط الاقتصادي عبر الحزمة التمويلية المقترحة بملياري دولار، تحقيق إيرادات حكومية إضافية بقيمة تصل إلى 574 مليون دولار في السنة الأولى، يتصدرها المردود من بند «الضريبة على القيمة المضافة» بمبالغ تناهز 310 ملايين، ويليه بند «الرسوم الجمركية ورسوم الانتاج» بمبلغ لا يقل عن 135 مليون دولار، ثم بند «الضريبة على الدخل» بنحو 100 مليون دولار. بالإضافة إلى عائد «ضريبة الأرباح المصرفية» الذي يراوح بين 8 و31 مليون دولار، حسب الآلية التي سيجري اعتمادها في منح التسهيلات.

وفي البعد الاقتصادي والمالي، تتجاوز المساهمة الإيجابية الصافية في ميزان المدفوعات من شريحة إقراض الشركات نحو 1.34 مليار دولار سنوياً، موزّعة ما بين عائدات التصدير والوفورات المتحققة في الاستيراد. كما تُسهم الخطة في رفع معدلات التشغيل وتحديث المصانع، بما يفضي تلقائياً إلى تحسين موقع لبنان التجاري الخارجي عبر تجديد الإنتاج الصناعي والخدماتي، وتنمية الصادرات، واستبدال سلع مستوردة بإنتاج محلي بديل.


مقالات ذات صلة

من طهران إلى بيروت... مَن يمسك قرار الحرب في «حزب الله»؟

تحليل إخباري صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

من طهران إلى بيروت... مَن يمسك قرار الحرب في «حزب الله»؟

تُطرح علامات استفهام حول ما إذا كان القرار داخل «حزب الله» لا يزال مركزياً، تتخذه قيادة سياسية وتنظيمية ملزمة للجميع، أم أن الكلمة باتت للميدان والجناح العسكري.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

لبنان في دائرة القلق من حرب مقبلة: إرباك سياسي وأمني وقرار الحرب خارج الدولة

يعيش لبنان حالة من الإرباك والقلق على وقع المعلومات المتداولة عن احتمال أن يكون جزءاً من أي مواجهة إقليمية مقبلة بين إيران وأميركا

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار يترأس اجتماعاً أمنياً في مقر قيادة وحدة شرطة بيروت (المركزية)

وزير الداخلية اللبناني يبدّد المخاوف من «تفلّت» الوضع الأمني

بدّد وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار، المخاوف من «تفلت» في الوضع الأمني في لبنان، على ضوء معلومات عن حوادث نشل وسرقة متكررة في بيروت

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مبانٍ مدمرة نتيجة القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» يوم 6 مايو 2026 (أرشيفية - إ.ب.أ)

بيان «أصدقاء لبنان» يُغضب «حزب الله»

شنّ «حزب الله» هجوماً على البيان الصادر عن سفارات دول «أصدقاء لبنان»، وهي المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية وأستراليا وكندا واليابان

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي أهالٍ من بلدة المنصوري يراقبون تصاعد الدخان جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية وأدى إلى تدمير أجزاء من البلدة كما بدا من بلدة الحنية جنوب لبنان (أ.ب)

إسرائيل تكرّس منطقة أمنية بلا معالم في جنوب لبنان

تثير التفجيرات الإسرائيلية المتكررة في قرى جنوب لبنان تساؤلات بشأن أهداف استهداف مناطق سبق أن تعرضت لدمار واسع، خصوصاً في زوطر الشرقية والقنطرة ومحيط كفرتبنيت.

صبحي أمهز (بيروت)

«المركزي» الصيني يعزز مشترياته من الذهب

ارتفع حجم حيازة السبائك لدى بنك الشعب الصيني بواقع 830 ألف أونصة في أكتوبر (رويترز)
ارتفع حجم حيازة السبائك لدى بنك الشعب الصيني بواقع 830 ألف أونصة في أكتوبر (رويترز)
TT

«المركزي» الصيني يعزز مشترياته من الذهب

ارتفع حجم حيازة السبائك لدى بنك الشعب الصيني بواقع 830 ألف أونصة في أكتوبر (رويترز)
ارتفع حجم حيازة السبائك لدى بنك الشعب الصيني بواقع 830 ألف أونصة في أكتوبر (رويترز)

واصل البنك المركزي الصيني شراء الذهب في أكتوبر، في إطار عملياته التي بدأها قبل عامين، فيما تراجع المعدن النفيس بواقع نحو 7 في المائة، لينهي الشهر عند مستوى أقل من حاجز 4000 دولار للأونصة.

وطبقاً لبيانات رسمية صدرت السبت، فقد ارتفع حجم حيازة السبائك لدى بنك الشعب الصيني بواقع 830 ألف أونصة في أكتوبر (تشرين الأول)، أي نحو 25.8 طنّ متريّ، حسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء، السبت.

وهذا هو الشهر الـ24 على التوالي من عمليات الشراء، التي عززها البنك المركزي في الأشهر الأخيرة، مع تراجع أسعار الذهب، حيث بلغ إجمالي الكميات المضافة في الأشهر العشرة الأولى من العام، نحو 129 طناً مترياً.


واشنطن تحث بكين على توريد المعادن الاستراتيجية وشراء المنتجات الزراعية الأميركية

رافعات جسرية بالقرب من حاويات شحن مكدسة في ميناء يانغشان خارج شنغهاي بالصين (رويترز)
رافعات جسرية بالقرب من حاويات شحن مكدسة في ميناء يانغشان خارج شنغهاي بالصين (رويترز)
TT

واشنطن تحث بكين على توريد المعادن الاستراتيجية وشراء المنتجات الزراعية الأميركية

رافعات جسرية بالقرب من حاويات شحن مكدسة في ميناء يانغشان خارج شنغهاي بالصين (رويترز)
رافعات جسرية بالقرب من حاويات شحن مكدسة في ميناء يانغشان خارج شنغهاي بالصين (رويترز)

أعلن مكتب الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، أن إدارة الرئيس دونالد ترمب أبلغت مسؤولاً صينياً كبيراً بأن على بكين أن تنفّذ على الفور التزاماتها، بموجب اتفاقية تجارية مُبرَمة منذ ما يقرب من عام، لا سيما فيما يتعلق بتوريد المعادن الاستراتيجية والمعادن الحيوية الأخرى، فضلاً عن مشتريات المنتجات الزراعية.

وذكرت وزارة الخزانة الأميركية ومكتب الممثل التجاري الأميركي أن الوزير، سكوت بيسنت، والممثل التجاري جيميسون غرير أصدرا التوجيه خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، مع نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، خه لي فنغ، حثَّاه فيها على تنفيذ شروط الاتفاق الذي تسنى التوصل إليه، في بوسان بكوريا الجنوبية، نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وقال مكتب غرير في بيان: «شدَّد السفير غرير خلال الاتصال على الأهمية الحاسمة لاتخاذ الصين إجراءات ملموسة من أجل التنفيذ الكامل لالتزاماتها السابقة، لا سيما فيما يتعلق بالمشتريات الزراعية والمعادن الاستراتيجية والمعادن الحيوية الأخرى».

يأتي هذا الاتصال قبل أحدث اجتماعَين متوقعين هذا العام بين ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ، وذلك خلال قمة قادة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبيك) في شنتشن بالصين، في 18 و19 نوفمبر، وقمة قادة مجموعة العشرين في ميامي بولاية فلوريدا الأميركية يومي 14 و15 ديسمبر (كانون الأول).

وقال غرير إن إدارة ترمب ستسعى إلى تحقيق توازن تجاري مع الصين من خلال «مراقبة الامتثال للالتزامات السابقة مع تحقيق فوائد دائمة للمزارعين ومربي الماشية والمُصنّعين والعمال الأميركيين».

واشتكى غرير وبيسنت ومسؤولون أميركيون آخرون مراراً من الصعوبات التي تواجهها الشركات الأميركية في الحصول على كميات كافية من المعادن الاستراتيجية والحيوية الأخرى من الصين، بموجب اتفاق بوسان الذي يقولون إنه يستهدف رفع القيود المفروضة في 2025، خلال فترة تصاعد حاد في الرسوم الجمركية بين أكبر اقتصادين في العالم.

وحددت اتفاقية بوسان التجارية، التي تنتهي صلاحيتها في 10 يناير (كانون الثاني)، سقفاً للرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الصينية التي فُرِضَت خلال ولاية ترمب الثانية عند نحو 20 في المائة. وتعهَّدت الصين بشراء 25 مليون طن من فول الصويا الأميركي خلال السنوات الثلاث المقبلة، وزيادة مشترياتها من البضائع الزراعية الأميركية الأخرى بمقدار 17 مليار دولار.

وقال بيسنت، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «أكدتُ أهمية وفاء الصين بالتزاماتها على نحو كامل وفوري، وعبَّرتُ عن قلقي إزاء أحدث إجراءات صينية، وشدَّدتُ على أن التقدُّم يعتمد على نتائج ملموسة».

وقالت وزارة الخزانة في بيان إن الولايات المتحدة «ستقيم من كثب تنفيذ الصين الاتفاق».

وأشارت بكين إلى أن التنازلات الجمركية لا تزال في صميم أهدافها؛ إذ قالت وزارة التجارة الصينية يوم الخميس إن بكين منفتحة على شراء المزيد من المنتجات الزراعية الأميركية، ولكن فقط إذا نفذ الجانبان اتفاقهما المتبادل لخفض الرسوم الجمركية.

واقترح الجانبان، عقب قمة سبتمبر (أيلول)، بين شي وترمب، في واشنطن، حزمة من التخفيضات المتبادلة في الرسوم الجمركية حجمها 60 مليار دولار، تشمل ما يقارب 17 مليار دولار من المنتجات الزراعية الأميركية التي استوردتها الصين في 2024، رغم أن الخطة لم تُحسَم بعد.

وكان البيت الأبيض أعلن، في مايو (أيار)، أن بكين وافقت على شراء سلع زراعية أميركية قيمتها 17 مليار دولار سنوياً اعتباراً من 2026، مع تعديل هدف هذا العام على أساس تناسبي. تأتي هذه المشتريات إضافة إلى التزام تعهَّدت به الصين في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي بشراء فول الصويا الأميركي.


قراصنة يتجاوزون منصات العملات المشفرة إلى استهداف أموال البنوك

صورة توضيحية للقرصنة السيبرانية (رويترز)
صورة توضيحية للقرصنة السيبرانية (رويترز)
TT

قراصنة يتجاوزون منصات العملات المشفرة إلى استهداف أموال البنوك

صورة توضيحية للقرصنة السيبرانية (رويترز)
صورة توضيحية للقرصنة السيبرانية (رويترز)

لم تعد الهجمات الإلكترونية التي تستهدف القطاع المالي تقتصر على منصات تداول العملات المشفرة أو حسابات العملاء؛ بل باتت تصل إلى الأنظمة التشغيلية للمؤسسات المالية نفسها، وتستهدف أموال البنوك وشركات التمويل والتأمين، في تطور يسلط الضوء على اتساع المخاطر التي تواجه الصناعة المالية مع تسارع التحول الرقمي وتطور أدوات الاختراق.

ولسنوات، ارتبطت أبرز الهجمات الإلكترونية الكبرى بمنصات تداول العملات المشفرة، التي تعرض بعضها لعمليات سرقة بمليارات الدولارات. وأعاد الهجوم الذي استهدف منصة «بينانس» في 29 أكتوبر (تشرين الأول) هذا الخطر إلى الواجهة، بعدما أكد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي مسؤولية مجموعة كورية شمالية عن سرقة أصول رقمية تجاوزت قيمتها 6 مليارات دولار، وفق تقديرات المكتب. كما تعرضت منصة «بيتجيت» في سبتمبر (أيلول)، لهجوم أسفر عن نقل أصول رقمية بنحو 387 مليون دولار.

شعار «بينانس» إلى جانب رموز قرصنة إلكترونية (رويترز)

لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن نطاق الاستهداف لم يعد محصوراً في منصات الأصول الرقمية، مع انتقال الهجمات إلى البنوك وشركات التأمين والتمويل، ووصولها في بعض الحالات إلى الأموال التابعة للمؤسسات نفسها، بدلاً من الاقتصار على سرقة أصول العملاء أو بياناتهم.

وفي هذا السياق، أعادت واقعة تعرّض بنك «كريدي موتويل أركيا» الفرنسي لهجوم إلكتروني هذا الأسبوع، تمكن خلاله المهاجمون من تحويل نحو 100 مليون يورو (112.6 مليون دولار) من حساب تابع للبنك إلى مؤسسات مالية أخرى، تسليط الضوء على هشاشة بعض حلقات الأمن الرقمي حتى لدى المؤسسات المصرفية الخاضعة لرقابة مشددة.

وقال البنك إن المهاجمين استغلوا منصة تابعة لمزود خدمات خارجي لتنفيذ تحويلات احتيالية، فيما لم تتأثر حسابات العملاء أو أصولهم. وأبلغ البنك الجهات الرقابية الأوروبية والسلطات القضائية بالحادث، بينما فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقاً في الواقعة.

ويشير الحادث إلى أن المخاطر لا تنشأ بالضرورة من اختراق مباشر لأنظمة البنك؛ بل قد تدخل عبر أطراف خارجية ترتبط بها عمليات مالية حساسة.

شعار بنك «كريدي موتويل أركيا» الفرنسي الذي تعرض لهجوم إلكتروني هذا الأسبوع (رويترز)

37 مؤسسة مالية تتعرض للاختراق في كوريا

تزامنت الواقعة مع إعلان هيئة الخدمات المالية في كوريا الجنوبية، الخميس، تعرض 37 مؤسسة مالية لاختراقات وتسريبات بيانات خلال الفترة الممتدة من 30 سبتمبر (أيلول) إلى 3 نوفمبر (تشرين الثاني). وشملت الحوادث 4 بنوك تجارية، و5 شركات استثمار، و3 شركات تأمين، و5 بنوك ادخار، إلى جانب مؤسسات تمويل إلكتروني ومنصات إقراض وشركات تقدم خدمات الأصول الافتراضية.

وبلغ عدد حوادث الاختراق المسجلة 40 حادثة، فيما وصل عدد السجلات التي تعرضت بياناتها للتسريب إلى نحو 473 ألفاً. وأوضحت الهيئة أن المعلومات المسربة شملت بيانات موظفين، وأسماء عملاء وأرقام هوياتهم الوطنية وأرقام حساباتهم المصرفية، لكنها لم تسجل حتى الآن حوادث سرقة لكلمات مرور حسابات العملاء، وهي البيانات التي قد تتيح تنفيذ معاملات مالية غير مشروعة بصورة مباشرة.

أما الأموال التي تعرضت للسرقة، وقدّرت بنحو مليار وون (745 ألف دولار)، فكانت في معظمها أموالاً تديرها شركات صغيرة تعمل في تداول الأصول الافتراضية والخدمات المالية الإلكترونية والإقراض عبر الإنترنت، ومن بينها أموال محفوظة في محافظ رقمية ساخنة أو أرصدة ونقاط دفع وودائع تديرها هذه الشركات.

وفي استجابة لهذه الحوادث، أعلنت الهيئة عزمها إجراء فحوص أمنية على 580 مؤسسة مالية ومراجعة أنظمة الرقابة الداخلية لديها قبل نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، مع التشديد على مساءلة القيادات التنفيذية، بمن في ذلك الرؤساء التنفيذيون، في حال ثبوت الإهمال أو التقصير في إدارة المخاطر الأمنية.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع نطاق الاستهداف ليشمل حلقات متعددة من الصناعة المالية، من البنوك التقليدية إلى شركات الاستثمار والتأمين ومؤسسات التمويل الرقمي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسريع عمليات الاختراق وتوسيع نطاقها.

تعرضت 37 مؤسسة مالية في كوريا الجنوبية لاختراقات بين 30 سبتمبر و3 نوفمبر (رويترز)

الذكاء الاصطناعي يسرّع الهجمات

في الهند، حذرت وكالة الاستجابة لطوارئ الحاسوب من تصاعد حملة اختراق تستهدف شركات التمويل غير المصرفي ومنصات الإقراض الرقمي وشركات التكنولوجيا المالية ومجمعات المدفوعات ومزودي خدمات الدفع ومنصات العملات المشفرة. وأطلقت الوكالة على الجهة المسؤولة عن الحملة اسم «كرافتِي فالكون»، مشيرة إلى أنها تستخدم أدوات ذكاء اصطناعي متاحة للعامة لأتمتة عمليات الاستطلاع والتسلل واستهداف أنظمة الدفع وصرف التمويلات.

وحددت الوكالة مجموعة من الأدوات المستخدمة في الهجمات؛ من بينها «آرتكس»، وهي مجموعة أدوات تعتمد على نماذج لغوية كبيرة؛ و«بنتاغي»، وهو نظام اختبار اختراق ذاتي التشغيل متعدد الوكلاء؛ و«كايرن»، وهو محرك للبحث عن مسارات الهجوم، إلى جانب إطار عمل «سايبر سترايك إيه آي».

وتتيح هذه الأدوات تنفيذ سلاسل متكاملة من الهجمات بصورة آلية وبسرعة عالية، مع إنشاء أعداد كبيرة من الشيفرات والبرامج النصية المخصصة للهجوم وتنقيحها، ثم تعديل أساليب الاختراق وفقاً لاستجابات الأنظمة المستهدفة. وبهذا، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على مساعدة المهاجم في البحث عن الثغرات؛ بل يمتد إلى تنفيذ مراحل متتابعة من الهجوم وتكييفها بصورة آلية، بما يزيد صعوبة اكتشافها واحتوائها في الوقت المناسب.

ولفتت الوكالة إلى أن المهاجمين يستغلون العطلات ونهايات الأسبوع والفترات التي تنخفض فيها مستويات المراقبة الأمنية، كما يعاودون استهداف مؤسسات سبق أن تعرضت للاختراق، خصوصاً إذا لم تستكمل معالجة الثغرات التي سمحت بالهجمات الأولى. وأشارت تقارير صحافية إلى أن باحثين ربطوا اثنتين على الأقل من الأدوات المستخدمة بجهات صينية، لكن الوكالة الهندية لم تنسب الحملة إلى دولة بعينها.

مركز بيانات ثلاثي الطوابق بقدرة 49.5 ميغاواط قيد الإنشاء في فيرنون بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

ولا تقتصر المخاطر على استخدام الذكاء الاصطناعي أو الاختراق المباشر لأنظمة المؤسسات؛ إذ باتت شركات الخدمات الخارجية تمثل إحدى نقاط الضعف الرئيسية في القطاع المالي؛ فالمؤسسات المصرفية وشركات التأمين تعتمد على مزودين خارجيين لتشغيل منصات تقنية ومعالجة المدفوعات وإدارة البيانات وتقديم خدمات أخرى، ما يجعل اختراق أحد هؤلاء المزودين مدخلاً محتملاً للوصول إلى عمليات مؤسسات مالية متعددة.

وتبرز خطورة هذا النوع من الهجمات في أن المؤسسة قد لا تكون هدفاً مباشراً للمهاجمين، ومع ذلك تتعرض عملياتها أو بياناتها للخطر نتيجة اختراق شركة تتولى تقديم خدمة لها. كما أن الاعتماد المشترك على مزودي خدمات محدودين قد يوسع نطاق الأضرار، بحيث لا يتوقف أثر الاختراق عند الشركة المستهدفة أولاً؛ بل يمتد إلى عدد من المؤسسات المرتبطة بها.

... وفي اليابان أيضاً

تعكس الأرقام اليابانية بدورها اتساع التهديد المرتبط بالاحتيال المالي؛ فقد بلغت خسائر عمليات الاحتيال الخاصة في البلاد 261 مليار ين خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بزيادة 48.3 مليار ين على أساس سنوي.

وأعلنت وكالة الشرطة الوطنية اليابانية إطلاق آلية لتبادل بيانات الحسابات المستخدمة في الاحتيال مع 807 مؤسسات مالية، بهدف التعرف مبكراً على الحسابات التي تستقبل أموالاً من ضحايا الاحتيال، وتمكين الشرطة والمؤسسات المالية من التدخل قبل وقوع خسائر إضافية. ولا تقتصر هذه الأرقام على الاختراقات الإلكترونية؛ بل تشمل طيفاً أوسع من عمليات الاحتيال المالي، بما فيها تلك التي تستخدم القنوات الرقمية والحسابات المصرفية لنقل الأموال.

ولا تعني هذه الحوادث بالضرورة وجود حملة عالمية واحدة منسقة، لكنها تكشف عن تنوع أساليب استهداف المؤسسات المالية؛ من انتحال صفة موظفي البنوك والتلاعب بالتحويلات إلى اختراق الموردين ومزودي الخدمات واستغلال أدوات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن استخدام الحسابات المصرفية والقنوات الرقمية لنقل الأموال المسروقة وإخفاء مساراتها.

ولا تقتصر تداعيات هذه الهجمات على الأموال المفقودة والبيانات المسربة؛ بل تمتد إلى زيادة الأعباء المالية التي تتحملها المؤسسات لحماية أنظمتها واستعادة عملياتها بعد الاختراقات، في وقت باتت فيه تكلفة الحماية والتعافي جزءاً متزايد الأهمية من إدارة المخاطر في القطاع المالي.

فاتورة متصاعدة للحماية والتعافي

تنعكس المخاطر المتزايدة على حجم الإنفاق الذي تخصصه المؤسسات المالية لتعزيز دفاعاتها الرقمية.

وأظهر استطلاع أجرته شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» ونشرته في فبراير (شباط) 2026، أن نحو 74 في المائة من البنوك حول العالم تخطط لزيادة ميزانياتها المخصصة للأمن السيبراني خلال العام، في مؤشر على تحول الحماية الرقمية إلى أولوية متقدمة في خطط الإنفاق وإدارة المخاطر.

وعلى مستوى الاقتصاد العالمي، تتوقع شركة «غارتنر» ارتفاع الإنفاق على أمن المعلومات إلى 244 مليار دولار في عام 2026، مقارنة بنحو 213 مليار دولار في 2025، علماً بأن هذه الأرقام تشمل مختلف القطاعات الاقتصادية ولا تقتصر على المؤسسات المالية.

وفي المقابل، تكشف تقديرات صندوق النقد الدولي عن حجم الخسائر التي يتعرض لها القطاع؛ إذ بلغت الخسائر المباشرة الناجمة عن الحوادث السيبرانية المبلغ عنها في المؤسسات المالية نحو 2.5 مليار دولار بين عامي 2020 و2023. وحذر الصندوق من أن الخسائر غير المباشرة تتجاوز المباشرة بأضعاف، ما يعني أن التكلفة الفعلية قد تكون أعلى بكثير من الأرقام المسجلة، خصوصاً في ظل عدم الإبلاغ عن جميع الحوادث.

وتشمل هذه الخسائر غير المباشرة تكاليف توقف الخدمات وتعطل العمليات، والتحقيقات الفنية واستعادة الأنظمة والبيانات، فضلاً عن الأعباء القانونية والتنظيمية وتراجع ثقة العملاء. وبذلك، لا تعكس قيمة الأموال المسروقة وحدها حجم الضرر الذي قد يلحق بالمؤسسة؛ إذ يمكن أن تستمر تداعيات الاختراق حتى بعد استعادة الأنظمة وتشغيل الخدمات مجدداً.

ووفق تقرير لوزارة الخزانة البريطانية نشر في يوليو (تموز) 2026، ارتفع متوسط تكلفة التعافي من هجمات الفدية لدى المؤسسات المالية عالمياً إلى 2.04 مليون جنيه إسترليني في عام 2024، باستثناء مدفوعات الفدية، مقابل 1.76 مليون جنيه في العام السابق. ويعكس ذلك ارتفاع الأعباء المرتبطة باستعادة الأنظمة والعمليات، حتى من دون احتساب المبالغ التي قد تدفعها المؤسسات للمهاجمين مقابل فك التشفير أو استعادة البيانات.

صورة توضيحية تظهر رمزاً برمجياً للمخترقين (رويترز)

تهديد للاستقرار المالي

لا تقف تداعيات الهجمات عند الخسائر المالية المباشرة؛ إذ قد تمتد إلى تعطيل الخدمات والمدفوعات والإضرار بثقة العملاء، بما يهدد الاستقرار المالي، خصوصاً مع تزايد الترابط بين البنوك وشركات الخدمات المالية واعتمادها على بنية تكنولوجية مشتركة.

وفي دراسة بحثية نشرها صندوق النقد الدولي في مارس (آذار) 2026، تناولت تطور الحوادث السيبرانية والاحتيال الرقمي في القطاع المالي عبر 162 دولة و20 قطاعاً اقتصادياً، شكلت الحوادث المرتبطة بالقطاع المالي نحو 10 في المائة من إجمالي الحوادث السيبرانية المرصودة خلال العقد الماضي. وتركزت هذه الحوادث بصورة أساسية في قطاعي البنوك والأوراق المالية، بينما اقتربت حالات الاحتيال المدعوم إلكترونياً من 3 أمثال مستوياتها السابقة.

وحذر الصندوق من أن البيانات المتاحة قد تقلل من الحجم الفعلي للمخاطر، بسبب عدم الإبلاغ عن بعض الحوادث والفجوات في البيانات بين الدول. وأشار إلى أن الترابط بين المؤسسات المالية واعتمادها على الأنظمة ومزودي الخدمات المشتركين قد يوسع أثر الهجمات من مؤسسة إلى أخرى، بما يهدد استمرارية الخدمات والمدفوعات وثقة العملاء، وصولاً إلى الاستقرار المالي.

وبذلك، لم تعد حماية الأنظمة المصرفية مسؤولية أقسام التقنية وحدها؛ بل أصبحت جزءاً أساسياً من إدارة المخاطر والحوكمة والرقابة على الأطراف الخارجية. ومع تطور أدوات الهجوم المدعومة بالذكاء الاصطناعي واتساع الاعتماد على الخدمات الرقمية، باتت قدرة المؤسسات المالية على اكتشاف الاختراقات واحتوائها وضمان استمرارية خدماتها، عاملاً مؤثراً في سلامة القطاع المالي ككل.