سوسن الشاعر
إعلامية بحرينية تكتب في بعض الصحف البحرينية منها «الوطن» و«بوابة العين الإخبارية». عضو في مجلس أمناء «جائزة الصحافة العربية». كانت مقدمة لبعض البرامج التليفزيونية. خريجة جامعة بيروت العربية.
TT

هل حلب ستكون الفصل الأخير؟

لنقر أننا كدول لم نملك ورقة بديلة غير ورقة دعم بعض الفصائل السورية، وبما أنه كان دعمًا مقيدًا رهنًا بالتفاهمات الدولية فإننا فقدناها بسهولة ولم تعد لنا كلمة فيما يحدث في سوريا، على عكس من رمى التفاهمات الدولية خلف ظهره وتقدم لأنه أدرك أنها مرحلة تشكل نظامًا دوليًا جديدًا الكلمة فيه للأمر الواقع لا لما هو مفروض وواجب.
تمكنت روسيا من الدخول في الوقت المناسب وإزاحة الفرق السورية المتصارعة المتقاتلة بما فيها النظام الذي يحتفظون به كدمية إلى أن يحين دوره، وفرض أمر واقع على الجميع بما فيهم التحكم في القرار الأميركي المعطل سواء بسبب الحقبة الأوبامية الكارثية أو بسبب الفترة الانتقالية الحالية للحكم.
روسيا تدخلت في سوريا وتتحكم في المشهد الكلي لا في حلب فحسب، فروسيا دخلت لتبقى لا لتعود، ولم تدخل لمحاربة الإرهاب أو لحماية نظام الأسد.. دخلت لتصل لخط الأنابيب النفطية وللوصول للبحر المتوسط، وهي اليوم تحقق ما سعت إليه دون اعتبار لأي طرف متصارع.
اتضح من مشهد تهجير أهالي حلب وجثث الموتى ملقاة على قارعة الطرقات، المدى الذي ممكن أن تذهب إليه روسيا لمد نفوذها إلى البحر المتوسط، مدى متوحش لم يعبأ باحتجاجات المجتمع الدولي بأسره، وذلك ثمن عالٍ جدا راهنت فيه روسيا بجميع مصالحها مع أميركا والدول العربية وأوروبا وبالأخص مع فرنسا، فهل هي على استعداد بعد هذا الثمن أن تمنح إيران على سبيل المثال جزءًا من الكعكة مجانًا، أو تمنحه لتركيا؟
القوات الإيرانية تتململ؛ تريد الاستفادة من الأرض المحروقة التي هيأها الطيران الروسي، فهل ستدعها روسيا تقطف الثمار؟ نشك في ذلك.
موسكو تسعى جاهدة لحرق الأرض السورية قبل أن تنتهي مراسم الاحتفالات بانتقال السلطة في البيت الأبيض مزيحة الجميع من طريقها، فمرحلة التفاوض تحتاج إلى أكبر قدر من المساحة على الأرض كي تساوم عليها، وإيران تنظر للفترة الانتقالية الأميركية بنفس القدر من التوجس وتسعى لوضع اليد على أي فراغ ينجم عن مغادرة الفصائل السورية المعارضة.
ففي تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية أكد أن «الاستخبارات الروسـية تدخلـت لمنـع (حزب الله) وقــوات النظــام مــن بنــاء منشــآت عســكرية رسميــة كانــت قــد بــدأت ميليشــياته في تشــييدها بالقــرب مــن مرتفعــات الجــولان التــي تحتلهــا إسرائيـل، وذلـك حرصـًا علـى العلاقـات الجيـدة مـع رئيـس الـوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كـما وقعــت اشــتباكات بين الــروس والإيرانيين أيضًـا بســبب الخــلاف حــول الحــرس الشــخصي للأسد، الــذي يضــم سوريين وإيرانيين من وحدة المهدي».
كما قامت موسكو بمنـع إيـران مـن تشـييد المزيـد مـن القواعـد؛ وقامت في الوقـت نفسـه بتعزيـز قدراتهـا في مناطـق مختلفـة مـن البـلاد، حيـث أشـار تقريـر أمنـي إلى قيـام مهندسـين من القـوات الجوية الروسـية ببنــاء قاعــدة جويــة أخــرى في أختريــن شمال شرقي حلــب، وأشــار التقريــر إلى قيــام فــرق عمــل روســية بوضــع مــدارج جديــدة لمقاتــلات القـوات الجويـة والقاذفـات وبنـاء مرابـض لبطاريـات الصواريـخ المتقدمـة والمضادة للطائرات. (المرصد الاستراتيجي).
وروسيا صدت محاولة التمدد التركي حول مدينة الباب التي تعتبر مدخلاً لمدينة حلب وتقع على مشارف خطوط المنطقة الآمنة للحدود التركية، فوصلت الرسالة واضحة أن الباب خط أحمر، إنما يبقى الحلم الأناضولي قائمًا رغم أن تركيا ليست في وضع يسمح لها بالمناكفة فمشاكلها الداخلية أشغلتها بنفسها.
في سوريا إذن ترسم ملامح النظام الدولي الجديد على أشلاء المدن العربية بغداد وطرابلس وصنعاء ودمشق وبيروت.
نحن نشهد إذن مقدمات لصراع نفوذ إيراني روسي على التقسيمات السورية الكلمة الفصل فيه لروسيا (فالسماء) لها، أما «دمية الأسد» فستبقى موجودة رهنًا بسيناريو الفصل الختامي الذي ستضعه موسكو، إن شاءوا أبقوها لقص الأشرطة والاحتفالات، وإن شاءوا اغتالوها، ولن تكون أبدًا موضع خلاف بين الروس والإيرانيين.
الروس تركوا الجميع يلعبون في الساحة السورية حتى أنهكوا وجاءوا يقطفون الثمار وحدهم، وقد كانوا أذكى من الأميركيين الذين اختار لهم أوباما الانسحاب من المشهد الدولي. المضحك المبكي فيما يحدث في سوريا أن تنظيم داعش غائب تمامًا عن المشهد لا نرى له قتلى ولا نسمع له حسًا أو بيانًا أو تصريحًا، لأنه منشغل بإخلاء المناطق لقوات النظام السوري الواحدة تلو الأخرى، لتتضح الصورة أكثر أنه وجد ليكون ذريعة لهذا الفصل المسرحي.
إنما السؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذا التشكل الجديد للنظام الدولي، هل نحن نشهد الفصل الأخير منه، أم أننا نشهد المشهد الأخير في الفصل الأول فحسب؟ هل تم استدراج روسيا وإيران؟، أم أن الصراع ما زال قائمًا وأميركا ترامب ستكون لها كلمة في هذا التشكل؟
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما أثر هذا الصراع الروسي الإيراني في الأراضي السورية على أمن دول مجلس التعاون بشكل خاص وعلى أمن الدول العربية – أو ما تبقى منها - بشكل عام؟ وما أثر التحالفات البريطانية الخليجية الجديدة على ذلك الصراع الدائر في الأراضي السورية؟ وما أثر التهديدات الإيرانية لما بعد حلب على الأمن في المنطقة الخليجية؟