ديانا مقلد
كاتبة واعلاميّة لبنانيّة
TT

لبنان و«غزو البلهاء»

حقا إنه «غزو البلهاء»..
هذا تعبير أطلقه الروائي الإيطالي «امبرتو ايكو»، الذي رحل قبل أيام، حين وصف ما فعلته بنا وسائل التواصل الاجتماعي، إذ قال عن تلك الوسائط بأنها «منحت حق التعبير لجحافل من البلهاء كانوا سابقاً يتحدثون فقط في الحانات، دون أن يزعجوا البيئة الاجتماعية. اليوم لهؤلاء نفس الحق في التعبير تماماً كصاحب جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء».
ومع الإقرار بأهمية وسائل التواصل هذه كونها عوضت عن نقص مساحات التعبير في مجتمعاتنا وعكست نبضاً ما لرأي عام مغيّب عن التفاعل حتى ولو لم ينضج كفاية بعد، لكن أيضاً كم تبدو عبارة «غزو البلهاء» أو «غزو الحمقى» صحيحة في أحيان كثيرة. أليس هذا ما نتثبت منه عبر الكثير من الهاشتاغات أو الأوسمة التي يختارها بعض الموتورين لتتحول إلى عبارة شائعة، يسطر أي كان ما يشاء تحتها، فيجري تداولها والاحتفاء بها، حتى نكاد نقتنع أنها تمثل رأياً صائباً علينا التوقف عنده. نصطدم بهذه الحقيقة يومياً تقريباً وفي حالتنا اللبنانية وفي ظل الإجراءات السعودية الأخيرة، فهناك الكثير من الأوسمة والهاشتاغات التي لا طائل منها سوى العبث بالكلام والتعبئة والشحن. فمن يحرّض ويشتم لا يبالي بتعميم لغة سوقية، ولا بترويج أفكار تنضح كراهية، خصوصاً حين يتوهم أن تلك اللغة الوضيعة يمكن أن تعيد حقاً أو كرامة. وتكاد هذه الخاصية، أعني اختراع أوسمة تحريضية، لا تستثني أحداً، لكن فيما خص الوضع المقلق في لبنان ساهمت الحملة الشعواء التي يطلقها جمهور حزب الله ومناصروه، رداً على الإجراءات السعودية في إذكاء مشاعر الاحتقان ضد اللبنانيين جميعاً في الخليج، ما يضاعف من ضرر ما يقال ذاك الانقسام اللبناني الداخلي، بحيث تتفاعل مجموعات محلية مع القرارات ومع أصدائها، بصفتها تثبت وجهة نظر ضد طرف محلي داخلي لا أكثر. لا يكترث هؤلاء في تحريضهم إلا بتسجيل انتصارات صبيانية في السجال السياسي، وإن كانت البلاد كلها تدفع الثمن.
والمشكلة أن تلك اللغة تلقى صدى في المقابل يتراوح ما بين تعميم الإدانة لتطال جماعات بأسرها، وبين تصعيد الموقف حيال البلد بكامله. وفي الحقيقة لا يسعنا في لبنان سوى أن نجد أنفسنا في حيرة ومأزق فعلي حيال ما يجري. فإن كان منا من لا ينتمي إلى تلك اللغة التحريضية التي اعتمدها حزب الله ومناصروه، وما سبقها من خطوات سياسية لا تقيم وزناً لهشاشة الوضع في البلد، إلا أن هناك مبالغة كبيرة حول الإجراءات السعودية. وهنا لا يمكن سوى التوقف عند ردود الفعل التي تصلنا عبر أوسمة وعبر شخصيات، بحيث يبدو الموقف السلبي يتجاوز مسألة حزب الله ليطال فكرة لبنان ودوره، ويشمل كل اللبنانيين. نقرأ مقالاً أو تعليقاً أو حتى وسماً يشي برغبة عارمة في استمرار تفعيل قرارات السعودية، التي هي بحق تطال مفاعيلها جماعات لبنانية بأسرها، وليست محصورة بحزب الله. هناك من يستحث المزيد من تلك القرارات، علما بأن عبارات من نوع أن على اللبنانيين أن يتحملوا مسؤولية ما يحصل فيه شيء من الاختزال لصورة لبنان، بحيث تجري النظرة إلى اللبنانيين انطلاقاً من مواقف مسؤوليه السياسيين، وكلنا يعلم أن هذا المأزق بدأ منذ نهاية الحرب، حيث تسلمت سوريا وإيران زمام البلد..
اليوم وبين دفتي اللغة المشحونة والقرارات السياسية دخلت العلاقة بين السعودية ولبنان في نفق مجهول، وهنا يبدو أن حزب الله الأكثر ارتياحاً، فما يحصل يساعده في تحطيم آخر ما تبقى من كيان لبناني، جهد لسنوات ليطيح به لصالح النظام الإيراني.
نعم على حكومة لبنان أو ما بقي نابضاً فيها أن تقوم بالحد الأدنى من واجباتها، وواجباتها لا تعني بذل النفس كما هو حاصل، بل عليها ملء الفراغ وتحديد سياسة خارجية تحمي مصالح اللبنانيين، والوقوف بشكل حاسم ضد ما يرتكبه حزب الله في لبنان وسوريا والمنطقة، وضد كل ما يهدد البلد من أي جهة كانت. نحتاج هذا بإلحاح، خصوصاً أن القواعد الشعبية المحلية باتت في حال تأهب جراء الشحن الحاصل، والجميع يعيش على وقع التوتر وتوقع الأسوأ. بين الحماسة المفرطة لطرد اللبنانيين من الخليج، وبين من يعدهم بمكرمات إيرانية هناك عائلات بأكملها مهددة، وهذه العائلات لن تحميها غزوات تويتر البلهاء.

[email protected]