سياسة «سوريا أولاً»... «براغماتية» أميركية سمحت باحتلال لبنان

ديفيد هيل عن إميل لحود: لم يشهد لبنان مطلقاً مثل هذا الرئيس المعادي لأميركا... كان الأسد سيّده و«حزب الله» حليفه الوحيد

الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)
الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)
TT

سياسة «سوريا أولاً»... «براغماتية» أميركية سمحت باحتلال لبنان

الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)
الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)

تنشر «الشرق الأوسط» حلقة ثالثة وأخيرة من كتاب «الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان: ست محطّات وأمثولاتها» لوكيل وزارة الخارجية الأميركية السابق للشؤون السياسية ديفيد هيل، وهي تتناول كيف سمحت سياسة «سوريا أولاً» الأميركية بوضع لبنان تحت «الاحتلال السوري»، وكيف وافقت أميركا على وصول قائد الجيش العماد إميل لحود إلى موقع الرئاسة، قائلاً: «لم يشهد لبنان أبداً مثل هذا الرّئيس المعادي لأميركا. لم تكن السّياسات الأميركية تعجبه، ولا الشّعب، ولا الدّبلوماسيون الموفدون للتعامل معه».

سياسة سوريا أولاً

كانت سياسة الرّئيس كلينتون تجاه لبنان مُلحَقة باستراتيجيّته إزاء سوريا. فقد اعتبرها المفتاح الجيوسياسي لتحقيق السّلام العربي الشامل مع إسرائيل، ولتقليص النّفوذ الإيراني في المنطقة. ووضع لبنان جائزة لها، فيما لو أعادت توجيه سياستها، خلال العملية، نحو الغرب. وبما أنّ المحتلّين السّوريين هم من يحدّدون السّياسة الخارجية اللبنانية، لم يكن هناك سبب وجيه لواشنطن للتّعامل مع القادة اللبنانيين، الذين كان عليهم استشارة دمشق بأي حال. فإذا أقامت سوريا صلحاً مع إسرائيل؛ فإنّ لبنان حتماً سيتبعها، أو هكذا بدا منحى الأمور، الذي تعزّزه تأكيدات الأسد وبعض تصرّفاته.

قبل اجتماعه برئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في نيويورك في سبتمبر (أيلول) 1993، سأل كلينتون مساعد وزير خارجيّته إدوارد دجيرجيان عمّا يجدر قوله، فنصحه بِوُجوب التأكيد على دعم الولايات المتحدة لاستقلال لبنان وسيادته، وسلامة أراضيه. عملاً بالنصيحة، أكد كلينتون أنه لا اتّفاق لسلام إسرائيلي - سوري بوساطة أميركية سيأتي على حساب لبنان. كتب دجيرجيان، الذي ربّما كان صادقاً، لاحقاً: «إنّ هذا التأكيد عزّز من قوّة الرّئيس الحريري لكنّ الرسالة لم تعكس واقع السّياسة الأميركية كما تبيّن». كما كتب مارتن إنديك، مستشار كلينتون لشؤون الشّرق الأوسط آنذاك في وقتٍ لاحق: «إنّ الإدارة لم تضغط مطلقاً على الأسد لِسَحب قوّاته من لبنان، لأنّها قد تشكّل حاجة في حال التوصّل إلى اتّفاق سلام». وممّا كتبه: «في صفقة السّلام التي تصوّرها كلينتون، ستكون القوّات السورية في لبنان مسؤولة عن نزع سلاح (حزب الله)». لقد قدّرنا أنّ طردهم سيتحقّق مع مرور الوقت باعتبار أنّ السلام سيمكّن اللبنانيين من التفلّت من قبضة سوريا». هنا تكمن مشكلة العلاقات الأميركية مع لبنان خلال سنوات كلينتون، فقد كان الخطاب الأميركي صادقاً فيما خص التزامنا بالسّيادة اللبنانية، لكنّ سلوك الولايات المتحدة كان يعكس اعتماداً براغماتياً على الاحتلال السوري. وبينما كان يفترض ألا تأتي صفقة السّلام على حساب لبنان، شكّل هذا البلد الضحية الأولى لفشل التوصّل إليها.

الرئيس الراحل حافظ الأسد أبلغ الأميركيين أنّه إذا استجيبت شروطه في صفقة السلام مع إسرائيل، فإنّه سيهتمّ بإيران و«حزب الله»

أكّد الأسد للمسؤولين الأميركيين أنّه إذا استجيبت شروطه في صفقة السلام مع إسرائيل، فإنّه سيهتمّ بإيران و«حزب الله» (مسؤول أميركي). وازدادت ثقة المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين بتعهداته، عندما ساعد فعلياً في تهدئة لبنان بعد حربَي 1993 و1996، على الرّغم من الشّكوك بأن ثمّة يداً له في تحفيز الهجمات على إسرائيل سنة 1996. أخذت واشنطن بكلامه، علماً بأنّه لم يكن هناك صفقة سلام لاختباره. ووضع المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون ثقتهم برغبته، أو قدرته على تأمين حدود إسرائيل من ناحية جنوب لبنان، الحدود الإسرائيلية الوحيدة المفتوحة على التّهديدات المستمرّة منذ عام 1973. وافترضوا أنّ سوريا سوف تعتني بلبنان ثمناً ضرورياً للسّلام مع إسرائيل؛ لأنّ الأسد قال ذلك، إنّما لم يُحدّد معنى «العناية» أو الثمن الذي قد تدفعه سوريا، على الرّغم من الاعتقاد بأنّ الأسد يعرف جيّداً ما هي الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.

يجدر بنا التوقف عند اهتمام واشنطن المحدود، خلال فترات التفاوض بين إسرائيل وسوريا، بما يمكن أن يحدث في لبنان، فيما لو تحقّق السلام بين سوريا وإسرائيل. لم يسبق للبنان وإسرائيل أن رسّما الحدود بينهما التي خطّتها فرنسا وبريطانيا، ما تسبّب بالكثير من الغموض واحتمالات وقوع نزاعات. علاوة على ذلك، كادت هجمات «حزب الله» من لبنان تُخرج السياسات الأميركية والإسرائيلية عن مسارها عامَي 1993 و1996. كان سلوك الأسد في تسهيل أمر التوصّل إلى وقف إطلاق النّار علامة مشجّعة. لكن إن كان يمتلك قدرة السّيطرة على لبنان، فلماذا وقعت بالأساس حلقات العنف هذه؟ ليس معروفاً إلى أيّ مدى كانت سوريا راغبة أو قادرة على المضي في نزع سلاح «حزب الله» في سياق السّلام مع إسرائيل، لكنّ الأسد كان مدركاً لمتطلّبات إسرائيل الأمنيّة لحماية شمالها، وانسحاب إسرائيل من الأراضي السّورية كان مشروطاً بتلبيتها. هل كانت سوريا ستحاول التحايل تجنّباً لمواجهة مع إيران، أو لخسارة ورقة ضغط على إسرائيل، يوفّرها «حزب الله» لها داخل لبنان؟ لا أحد يستطيع أن يعرف بالضّبط. لكن ما يبدو مرجّحاً أنّ سوريا كانت ستسعى إلى الاحتفاظ بنفوذها في لبنان، فقد تحمّلت ما يكفي من التهديدات الآتية من صوبه، بما في ذلك التحالف الإسرائيلي - الماروني، كيلا تترك ثغرة تعرّضها للخطر مرّة جديدة. ومن دون «حزب الله»، كيف لها أن تتأكد من عدم تكرار ذلك؟ في أيّة حال، لم يكن أمام المسؤولين الأميركيين الراغبين في السّلام سوى خيار الاعتماد على وعد الأسد بشأن لبنان، إذا أرادوا الوصول إلى نتيجة، ومن خلال تأجيل مناقشة ترتيبات ما بعد السلام المتعلّقة بلبنان بالتفصيل، والتقييم الصّادق للنتائج المحتملة، ربّما كان المسؤولون الأميركيون يحولون فقط دون وقوع أزمة حول لبنان يمكن أن تعرقل التوصّل إلى اتّفاق إسرائيلي - سوري. لم يحظ هؤلاء المسؤولون بالوقت الكافي لاكتشاف ذلك مطلقاً.

ديفيد هيل في بيروت في 13 أغسطس 2020 (رويترز)

الواضح أنّ سياسة واشنطن التي راعت الأسد وغضّت الطّرف عن سلاح «حزب الله» في لبنان على مدى ثماني سنوات في التّسعينات، مكّنت النّظام السوري من تشديد قبضته على البلد. واستغلّها «حزب الله» لتشديد قبضته وشرعيّته في أوساط العديد من اللبنانيين، فتحوّل من حالة إرهابية خطيرة إلى قوّة وطنيّة وإقليميّة كبيرة في الألفية الثّانية. كما ساهمت سياسة إدارة كلينتون تجاه إيران، عن غير قصد، في تعزيز المعسكر السوري - الإيراني في لبنان، مع التحوّل المفاجئ في السياسة الأميركية سنة 1997 من الضّغط والاحتواء إلى المغازلة العلنية لما سُمّي بالمُعسكَر المعتدل، مع انتخاب محمّد خاتمي رئيساً لإيران في ذلك العام. وإن استمرّت المغازلة حتّى نهاية إدارة كلينتون، فإنّها قوبِلَت بالرّفض من حكّام إيران. أمّا اللبنانيون السّاعون إلى التخلّص من هيمنة سوريا والوكيل الإيراني - السوري، «حزب الله»، فلم يتلقّوا أيّ التفاتة من واشنطن في التسعينات.

غلاف الكتاب

الطائف

بدأ الخلاف بين عون وسوريا بحَذَر وبالتدرّج. كان أثر عون تقسيمياً ليس فقط بين اللبنانيين بل داخل المجتمع المسيحي. ارتقى - وهو الآتي من خلفية فقيرة - إلى منصب القيادة عبر الرتب العسكرية بالإصرار والعناد. بفضل الدّعم المادّي من العراق، الخصم العربي الرئيسي لسوريا؛ أخذ عون يبالغ في تقدير قوّته. في مارس (آذار) 1989، أعلن الحرب على سوريا، واستمرّ تبادل القصف المدفعي والحصار شهوراً عدّة. تمكّنت سوريا بالاتّفاق مع الرياض من الحصول على دعم جامعة الدول العربية التي شكّلت اللّجنة الثّلاثية المؤلّفة من الجزائر والمغرب والمملكة العربية السعودية لمتابعة شأن الإصلاحات الدستورية اللبنانية. أصبح عون وأتباعه أكثر عدوانية حتّى ضدّ الأميركيين، وسيطروا على الطرقات المؤدّية إلى السّفارة الأميركية في عوكر. وخلقت الاحتجاجات والتحرّش بمواكب السيارات المسلّحة الأميركية، بيئة أمنية أرغمت السّفارة على إقفال أبوابها، وإجلاء كامل الموظّفين الأميركيين في سبتمبر 1989. وللمرّة الأولى منذ عام 1919، لم يكن للولايات المتحدة وجود دبلوماسي في بيروت.

أبصر اتفاق الطائف النّور في لحظةٍ نادرة، حين أنتج النظام العربي حلاً دبلوماسيّاً لمشكلة. ساهمت في إنتاجه أربع شخصّيات بارزة: الرئيس حسين الحسيني (...) والمبعوث الخاص للجامعة العربية الأخضر الإبراهيمي (...) ورفيق الحريري (...) وأخيراً، وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل.

لم تشارك الولايات المتحدة مباشرةً في بلوَرة الاتّفاق؛ لكنّها كانت موافقة عليه من منظور سياسي. عندما أُغلقت السّفارة في عوكر، انتقل المستشار السّياسي ديفيد ساترفيلد إلى الجزائر، حيث كان يلتقي بانتظام مع الإبراهيمي، ليأخذ علماً بالمستجدات بشكلٍ مقتضب. وكانت التعليمات الواردة إليه بالاكتفاء بالإصغاء، وعدم تقديم أفكار، وعدم التعبير عن دعم أو معارضة. وعندما وصل النوّاب اللبنانيون إلى الطائف في السّعودية، انضمّ إليهم ساترفيلد بتعليمات مماثلة، إلا أنّ السعوديين طلبوا منه المغادرة، بعد أن علموا بوجوده على اعتبار أنّ ذلك شأن عربي بالكامل.

في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1989، وقّع ثمانية وخمسون نائباً على اتّفاق الطائف. لم تكن مفاهيمه جديدة، لكنّ لم يسبق أن قَبِلَت بها كافّة الأطراف اللبنانية الرّئيسية ورعاتها الخارجيين، وخلاصتها: إضعاف الرئاسة، وإناطة السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء المتوازن طائفياً، بقيادة سنّي، وتعزيز نفوذ رئيس البرلمان الشيعي، ولامركزية السلطة، ومعالجة الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، وخسارة المسيحيين لمعادلة 6 مقابل 5 للمسلمين في البرلمان، واعتماد معادلة 5 مقابل 5. (...)

رفض عون الطّائف، لكنّ السوريين والسعوديين نقلوا النوّاب اللبنانيين المتعاونين إلى قاعدة جوّية في شمال لبنان، حيث انتخبوا رينيه معوّض رئيساً في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989. كان معوّض صديقاً لفرنجية، لكنّه انفصل عنه سياسياً. تميّز بشخصية توفيقية وسجلٍّ طويل بالخدمة العامة. وقد فُسّر اختياره على أنّه إشارة سورية محتملة لتسليف المعارضة المارونية. اغتيل معوّض في بيروت الغربية بعد ثمانية عشر يوماً من انتخابه (...)، ونُقل النواب إلى البقاع لانتخاب رئيس آخر هو إلياس الهراوي، وبقيَ عون محتلّاً القصر الرّئاسي في بعبدا.

في يناير (كانون الثاني) 1990، اندلعت الحرب بين عون والقوّات اللبنانية بزعامة سمير جعجع، وتسبّبت هذه المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية بدمار هائل. تمكّن عون من الصمود، إلا أنّ التحوّل الجيوستراتيجي النّاجم عن غزو صدّام للكويت في أغسطس (آب) 1990 هو ما سمح لسوريا بتضييق الخناق عليه. جرى لقاء بين وزير الخارجية بيكر والأسد في دمشق في 13 سبتمبر (أيلول)، انضمّ على أثره الأخير إلى التّحالف المناهض لصدّام، ووافق على السّعي للحصول على حياد إيران في الحملة المقبلة لإخراج القوات العراقية من الكويت. ويزعم بعض المراقبين أنّ بيكر أعطى الأسد الضّوء الأخضر لإنهاء الأزمة مع عون، ما دامت السلطات اللبنانية قد دعت إلى التدخّل السوري خطيّاً. في الواقع، أخبر المسؤولون الأميركيون السوريين أنّ الولايات المتحدة ليست في وارد تأييد العنف، ولكنّها ترغب برؤية عون يرحل. لا بدّ أنّ القادة السوريين قد قدّروا بناء على ذلك أنّ الولايات المتحدة لن تمنع الهجوم السوري على عون، ولن تعاقبهم عليه. في غضون أربعة عشر عاماً، انتقلت السياسة الأميركية تجاه سوريا في لبنان من تنسيق غير معلن كما في سنة 1976، إلى اشتباكات عسكرية مباشرة عام 1984، ثمّ إلى انفراج إبان حرب الخليج الأولى. التساهل الأميركي حيال الموقف السوري في لبنان ستكون له تداعيات طويلة الأمد.

في 13 أكتوبر، استولت القوات السورية على القصر الرئاسي في بعبدا، وفرّ عون إلى فرنسا حيث مكث في المنفى خمسة عشر عاماً. تسبّب سوء التقدير والانقسام الماروني بسلسلة من الأحداث التي عزّزت السيطرة السورية على لبنان. وقادت الهواجس الأميركية بشأن العراق واشنطن إلى قبول الخطوة السورية، وتبيّن لعون أن اعتماده على صدّام قد أطاح به.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري متوسطاً الرئيس إميل لحود ورئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2001 (أ.ف.ب)

لحود

إن للتحوُّل السّريع في السّياسة الأميركية تجاه إيران، من العداء إلى غزلٍ من طرف واحد، تأثيره على لبنان، فها هُم الدبلوماسيون الأميركيون؛ يكرّرون تعابير ممجوجة متعلّقة بالطّائف، مطالبين بتجريد الميليشيات من سلاحها (المقصود حزب الله) وبانسحاب القوّات الأجنبية (والمقصود إسرائيل وسوريا). إلا أن خواء هذه الأقوال كان واضحاً للجميع تقريباً في لبنان؛ إذ لم يكن فقط مجرَّداً من أيّ دعم جِدّيّ، بل أيضاً متناقضاً مع الدبلوماسية التّرقيعية المتمثّلة بفريق الرّصد الإسرائيلي - اللّبناني، الذي شَرْعَن الأمر الواقع حينها. رأى المسؤولون الأميركيون مصلحة أكبر في تأمين اتّفاق سلام سوري - إسرائيلي، وتوقّعوا أن تكون له مفاعيل إيجابية ثانوية على مستوى إرساء الاستقرار في لبنان، وإلزام «حزب الله» بوقف العنف، بالتالي تقليص النفوذ الإيراني في الشرق، وصولاً إلى إلغائه. وبالنّظر إلى عدم رغبتهم في تنفير الأسد، انتحى المسؤولون الأميركيون جانباً، فيما كانت سوريا تعزّز مصالحها في لبنان. كان تلاقي الانتهازية السورية والبراغماتية اللبنانية، والتساهل الأميركي مع الأسد، إيذاناً ببدء حقبة ضخّمت دور سوريا وحلفائها اللّبنانيين، وهمّشت خصومهم.

شكّل انتخاب إميل لحّود عام 1998، محطة مفصليّة في استراتيجية سوريا تجاه لبنان؛ (...) درس المسؤولون الأميركيون خياراتهم في صيف 1998، وكان أغلبهم مقتنعاً بأنّه ليس أمام الولايات المتحدة خيار سوى الموافقة على اختيار سوريا لِلحّود. (...) على أي حال استنتج المسؤولون الأميركيون أن ليس بإمكان الولايات المتّحدة أن تأتي بمن هو أفضل من لحّود، مرتكزين على عوامل سطحيّة. لقد كان يتكلّم الإنجليزية بشكلٍ جيّد، وهي ميزة اختلطت على الزوار فظنّوها دلالة على أنّه مؤيّد للغرب. درس في الكلّية الحربية البحرية الأميركية في نيوبورت، إذن فهو قادر على الانسجام مع نظرائه العسكريين الأميركيين. استعاد الجيش اللّبناني حرفيّته ووحدته تحت قيادته، إذن بدا كأنّه شخص وطني قادر على إنجاز الأمور. ليس لديه سجل سياسي، وما كان الأميركيون يعلمون شيئاً عن آرائه في السياسة، فمما يشكو هذا الشخص؟

علّق لحّود بنفسه لكاتب سيرته كريم بقرادوني على الدّعم الأميركي غير المبرَّر له، «أوضح لحّود أنّ الولايات المتحدة المقتنعة بأنّه سيتبع بِشكلٍ تلقائيّ السّياسة الأميركية، ساعدت الجيش اللّبناني عبر تزويده بالأسلحة والعتاد بأسعار رمزية ودون شروط سياسية. لم يأخذ الأميركيون الوقت الكافي لِفهم شخصيّتي وأفكاري وخياراتي». كان محقاً بأنّ الولايات المتحدة أساءت فهمه، لكنّه خلط بين أدبيات الدّعم الأميركي للجيش، ( ) والدّعم لشخصه. كان سوء فهم لحّود مبرَّراً لأنّه كان يتلقّى إطراءات شخصية سخيّة من زوّار عسكريين أميركيين عازمين على «بناء علاقات». عكس موقف لحّود خبثه. فقد انتقد اللّبنانيين الآخرين لتقديم أنفسهم على الدّولة، في حين لم يستطع التّمييز بين الدعم الأميركي للجيش والدّعم الشخصي له. مهما يكن، فإنّ سياسة الولايات المتحدة كانت بالتّساهل مع سوريا في لبنان. وخيار سوريا للرئيس عام 1998 كان مقبولاً من واشنطن.

سرعان ما ظهرت عيوب التقييم الأميركي للحّود. لم يشهد لبنان أبداً مثل هذا الرّئيس المعادي لأميركا. لم تكن السّياسات الأميركية تعجبه، ولا الشّعب ولا الدّبلوماسيون الموفدون للتعامل معه. فبينما سعى الهراوي للظّهور مستقلاً، وأظهر مودّة شخصية تجاه أميركا، تخلّى لحّود عن هذه الإشارات. كان الأسد سيّده، و«حزب الله» حليفه الوحيد بين الأحزاب المنظَّمة. نظر إلى أميركا على أنّها عدوّته، سواء عن اقتناع أو لحاجته الشخصية لتعزيز علاقته مع دمشق. كان يزدري معظم السّياسيين اللّبنانيين، ويشعر بشكلٍ خاصّ بالغيرة من سهولة وصول الحريري إلى القادة الأميركيين والدوليين.


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يعتمد مقاربة «أمنية - سياسية» لتنفيذ ثاني مراحل حصر سلاح «حزب الله»

تحليل إخباري جنود لبنانيون ينتشرون في وسط بيروت بالتزامن مع حراك شعبي احتجاجاً على قرار الحكومة بزيادة الضرائب (أ.ب)

الجيش اللبناني يعتمد مقاربة «أمنية - سياسية» لتنفيذ ثاني مراحل حصر سلاح «حزب الله»

يعتمد الجيش اللبناني مقاربة أمنية - سياسية في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة «حصرية السلاح» التي أبلغ الحكومة بالشروع بها.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي سائق سيارة أجرة يستلقي على الأرض أمام السيارات خلال تحرك احتجاجي على حزمة ضريبية جديدة أقرتها الحكومة اللبنانية (إ.ب.أ)

وزير المال اللبناني يبرّر حزمة الضرائب: الرواتب تلتهم نصف الموازنة

دافع وزير المالية اللبناني ياسين جابر، الثلاثاء، عن حزمة الإجراءات الضريبية التي أقرّها مجلس الوزراء لتمويل زيادة رواتب القطاع العام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي زحمة سير خانقة بوسط بيروت جراء احتجاجات أقفلت الطرقات اعتراضاً على الضرائب الجديدة (إ.ب.أ)

ضرائب لتمويل زيادات على رواتب القطاع العام تُشعل الشارع اللبناني

فتحت القرارات التي أقرّتها الحكومة، الاثنين، خصوصاً تلك المتصلة بزيادة الرسوم على البنزين ورفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1%، باب مواجهة سياسية ونقابية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيسان اللبناني جوزيف عون والألماني فرنك فالتر شتاينماير خلال مؤتمر صحافي مشترك (الرئاسة اللبنانية)

شتاينماير يحضّ لبنان على مواصلة نزع سلاح «حزب الله»

دعا الرئيس الألماني فرنك فالتر شتاينماير السلطات اللبنانية إلى مواصلة نزع سلاح «حزب الله»...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي استهداف سيارتين بغارات إسرائيلية في بلدة حانين بقضاء بنت جبيل (الوكالة الوطنية للإعلام)

لماذا استأنفت إسرائيل ملاحقة «الجهاد الإسلامي» في لبنان؟

سقط 5 قتلى خلال ساعات بسلسلة ضربات متنقلة بين البقاع والجنوب...

صبحي أمهز (بيروت)

حصار يطبق على ترشيح المالكي

Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)
Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)
TT

حصار يطبق على ترشيح المالكي

Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)
Previous meeting of the "Coordination Framework" forces (Iraqi News Agency)

يتعرض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية الجديدة لحصار خانق، إذ يواجه ضغوطاً داخلية متصاعدة وتلويحاً بعقوبات أميركية قد تطول عائدات النفط.

وتراجع المالكي في اللحظات الأخيرة عن حضور اجتماع حاسم لتحالف «الإطار التنسيقي» كان مخصصاً ليل الاثنين - الثلاثاء، لحسم مصير ترشيحه، متمسكاً بالاستمرار «حتى النهاية».

وتتزايد الانقسامات داخل التحالف بين من يفضّل منحه فرصة للانسحاب الطوعي حفاظاً على وحدته، ومن يدعو إلى حسم المسألة عبر تصويت داخلي قد يطيح به.

وقال وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري إن «الأحزاب الشيعية» تلقت رسالتي رفض جديدتين من البيت الأبيض بشأن ترشيح المالكي، مشيراً إلى أن «رئيس الجمهورية الجديد لن يُكلّفه تشكيل الحكومة».


عبيدات: وصفي التل ضحى بنفسه وقناص غامض اغتاله

رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)
رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)
TT

عبيدات: وصفي التل ضحى بنفسه وقناص غامض اغتاله

رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)
رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات (الشرق الأوسط)

لعب رئيس الوزراء الأردني الأسبق، أحمد عبيدات، الذي رحل مطلع الشهر الحالي، أدواراً أساسيةً في مرحلة مضطربة من تاريخ بلاده. فعلى مدى عقد ونصف العقد تدرج من قيادة المخابرات إلى وزارة الداخلية، ثم رئاسة الحكومة التي تولى معها حقيبة الدفاع.

روى الرجل شهادته على هذه الفترة لـ«الشرق الأوسط» قبل «طوفان الأقصى» بأسابيع. وحالت تبعات «الطوفان» دون نشرها. في الحلقة الأولى، يقول عبيدات إن «قناصاً لم يُعرف لليوم» هو من اغتال رئيس الوزراء الأردني الأسبق وصفي التل، لا رصاصات المجموعة التي هاجمته عند مدخل فندقه في القاهرة.

واعتبر عبيدات أن التل «ضحى بنفسه» حين تحمل مسؤولية قرار الجيش مهاجمة فدائيين فلسطينيين في جرش وعجلون، مشيراً إلى أن ما حدث كان «رد فعل عفوياً من الجيش» لم يستشر فيه. واستبعد أن يكون أبو إياد اتخذ قرار اغتيال التل منفرداً، مؤكداً أن «القيادة الفلسطينية أخذته».


الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
TT

الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)

بعد الخروج المفاجئ، لحسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء، باتجاه محافظة درعا، ليلة الاثنين - الثلاثاء، توقع مصدر سوري رسمي أن هذا الخروج ستتبعه حالات أخرى هرباً من مناطق سيطرة شيخ العقل، حكمت الهجري، في جبل العرب.

وقال مدير العلاقات الإعلامية في السويداء، قتيبة عزام، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمير حسن الأطرش «أصبح في دمشق»، ويمكنه أن «يوضح الكثير من الحقائق ويقلب الموازين في جبل العرب، كونه شخصية عامة».

ولم يذكر عزام الجهة التي أمنت عملية الخروج للأمير حسن، لكنه ذكر أن السويداء تشهد حالة تململ واسعة جراء السياسة المتبعة في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية. وأضاف: «هناك «سياسة ترهيب وابتزاز وتكتيم للأصوات الوطنية بالسلاح والاغتيال والاختطاف».

حسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء (متداولة)

من جهة أخرى، بينت مصادر درزية مقيمة في مدينة السويداء لـ«الشرق الأوسط»، أن «أقارب للأمير حسن ذكروا خلال تواصل معهم، أنه غادر منزله، الاثنين، رفقة زوار كانوا عنده ولم يعد لمنزله بعدها».

وبحسب المعلومات، فإن شخصاً من ريف درعا استضافه وأمن وصوله إلى دمشق».

وذكرت المصادر الدرزية، نقلاً عن شخص لم تسمه وهو على تواصل مع الحكومة السورية، أن «خروج الأمير حسن يأتي ضمن خطة جديدة لحل الأزمة في السويداء».

وتداولت مواقع إلكترونية تعنى بنقل أخبار محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية والواقعة جنوب سوريا، خبر «تأمين خروج» الأمير الأطرش، «الشخصية الاجتماعية والتقليدية البارزة في محافظة السويداء، من ريف المحافظة الجنوبي الغربي، ووصوله إلى محافظة درعا».

صورة أرشيفية لحسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء مع شيخ العقل حكمت الهجري

ولم تأت هذه المواقع على ذكر الجهة التي أمنت عملية الخروج. وفي الوقت نفسه، وصفت ما جرى بأنه «سابقة نوعية تتعلق بشخصية اجتماعية وازنة بهذا الحجم من السويداء، حيث يُعد الأمير حسن من الزعماء التقليديين لآل الأطرش، وله دور بارز في المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي».

ويأتي خروج الأمير الأطرش من السويداء، في وقت يسيطر فيه الهجري وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له، على أجزاء واسعة من السويداء من ضمنها قرية عرى التي توجد فيها «دار عرى»، وذلك ضِمن السعي لما يسمى «دولة باشان» في المحافظة، بدعم من إسرائيل، وبعد رفضه «خريطة الطريق» التي جرى الإعلان عنها من دمشق بدعم أميركي وأردني، سبتمبر (أيلول) الماضي، لحل أزمة السويداء، وكذلك رفض مبادرات للحل أطلقها لاحقاً محافظ السويداء مصطفى البكور.

حديث بين الأمير حسن الأطرش ومحافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)

المصادر الدرزية المقيمة في مدينة السويداء عدّت خلال حديثها، أن خروج الأمير حسن «يمكن أن يؤثر على الوضع القائم في مناطق سيطرة الهجري بحكم أن (دار عرى) شكلت عبر التاريخ مركز القرار في جبل العرب، كما أنها مثلت تاريخياً الزعامة السياسية في السويداء، بينما مشيخة العقل مثلت زعامة دينية، وهي أقل مرتبة من الزعامة السياسية».

تضيف المصادر: «(دار عرى) تحظى برمزية كبيرة، والأمير حسن له دور في المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي، وقد خرج من السويداء وإذا أطلق التصريحات فقد يوضح الكثير من الحقائق ويقلب الموازين كونه شخصية عامة».

ويتمتع الأمير حسن بمكانة اجتماعية كبيرة في السويداء، وله دور بارز في المشهد الاجتماعي السياسي المحلي في المحافظة، كونه من أحفاد قائد الثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، التي اندلعت ضد الاستعمار الفرنسي، في عشرينات القرن الماضي.

وأبدى الأمير حسن تأييداً واضحاً للقيادة والحكومة السورية عقب إسقاط نظام حكم بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

صورة ذاتية التقطها الأمير حسن الأطرش قرب لوحة لجده سلطان الأطرش أبرز الشخصيات السياسية الدرزية (مواقع)

ومع انفجار أزمة السويداء منتصف يوليو (تموز) الماضي، دعا إلى إنهاء الاقتتال وعدم الانجرار وراء الفتن، مؤكداً ضرورة التواصل مع الدولة ومشايخ العقل ووجهاء المنطقة، للتوصل إلى حل يرضي الجميع.

ومنذ ظهور الهجري بوصفه زعيماً معارضاً للحكم الجديد في سوريا وسيطرته على مناطق في السويداء، عمل على الاستئثار بالقرار في مناطق نفوذه، وهمش باقي المرجعيات الدينية الدرزية (شيخَي العقل يوسف جربوع، وحمود الحناوي) والنخب الثقافية والفكرية.

وأوضحت المصادر الدرزية أن «دار عرى» رمزياً وتاريخياً أعلى سلطة ومكانة من «دار قنوات»، التي يقيم فيها الهجري وتعد مقر الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية.

من جهة أخرى، يقلل اتباع الهجري من أهمية خروج الأطرش ولجوئه إلى دمشق، على مشروعهم، وبحسب متابعين للأوضاع، فإن «الهجمة التي شنت عليه تعبر عن مدى خطورة هذا الأمر على هذا المشروع».

هذا، وتزامن خروج الأمير حسن من جبل العرب مع إعلان مدير الأمن الداخلي لمدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، عبر حسابه في «فيسبوك»، أن دخول قوى الأمن الداخلي الحكومية إلى مدينة السويداء سيتم «قريباً»، وأن الهدف من العملية هو «إعادة هيبة القانون وحماية المدينة لا كسرها».