الحرب الأهلية اللبنانية... تدخّل سوري وخطوط حمراء إسرائيلية

المسيحيون طلبوا المساعدة من الولايات المتحدة إما بقوات عسكرية أو بالسلاح... لكن واشنطن أبلغت الأسد أنها لا تدعمهم

الحرب الأهلية اللبنانية... تدخّل سوري وخطوط حمراء إسرائيلية
TT

الحرب الأهلية اللبنانية... تدخّل سوري وخطوط حمراء إسرائيلية

الحرب الأهلية اللبنانية... تدخّل سوري وخطوط حمراء إسرائيلية

زاد اتفاق فضّ الاشتباك الثّاني في سيناء، في سبتمبر (أيلول) 1975، من حدّة الصّراع في لبنان وشدّة التنافس فيه بين مصر وسوريا. شنّت إسرائيل غارات جوية في لبنان لاستباق أي ردٍّ فلسطيني عنيف على اتفاق سيناء الثّاني. سافر وزير الخارجية السّوري عبد الحليم خدّام إلى لبنان، لكنّه فشل في إقامة حوارٍ سياسي، أو وقف إطلاق النّار بين مختلف الفصائل اللبنانية والفلسطينيين. طلب المسيحيون اللبنانيون المساعدة من الولايات المتّحدة إمّا بقوّات عسكرية أو بالسّلاح. تسارعت وتيرة القتال في الحرب الأهلية في أكتوبر (تشرين الأوّل). استعرض فورد وكيسنجر الوضع في 9 و16 أكتوبر؛ وكانا يخشيان من أن يؤدّي التدخّل السّوري في لبنان إلى ردّ فعلٍ إسرائيلي. نُصح كيسنجر بإصرار ضد اعتماد خيار تدخّلٍ أميركي شبيه بعام 1958 عندما طرحه فورد. أعاد المسؤولون الأميركيون التأكيد على أنّ همّهم هو منع وقوع اشتباك سوري - إسرائيلي في لبنان، ما يعني منع أي من الجانبَين من نشر قوّات نظاميّة. ناقش الدّبلوماسيون الأميركيون المشكلة مع القيادات الإسرائيلية والسورية. وأكّد وزير الخارجيّة الإسرائيلي إيغال آلون أنّ إسرائيل لن تقوم بأي تحرّك من دون التشاور مع واشنطن. إنّ طبيعة أي عمليّة سورية وحجمها ومداها الجغرافي والغرض منها؛ ستحدّد ردّ فعل إسرائيل. أبلغ السّفير الأميركي ريتشارد مورفي (..) الأسد أنّ الولايات المتّحدة لا تدعم موقف المتشدّدين المسيحيين، وتحثّ إسرائيل على ضبط الّنفس، لكنّ إسرائيل قد تتحرّك بأي حال ضد تدخّل الجيش السّوري. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، أبلغ الأسد الولايات المتّحدة أنّه في حال طلب فرنجية قوّات سورية «فإنّها سوف تكون تحت تصرّفه». وفي ديسمبر (كانون الأول) 1975 ويناير (كانون الثاني) 1976 تحرّكت الميليشيات المسيحية ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الواقعة على خطوط إمدادهم حول بيروت. اِشتدّ النشاط السّوري في يناير، ونشرت سوريا في لبنان مقاتلين فلسطينيين موالين لدمشق. وأصدر كيسنجر تحذيراً ثانياً للأسد، معرباً عن شكوكه في أن تتمكّن الولايات المتّحدة من «منع الإسرائيليين من الردّ على ما قد يستنتجون أنه تدخّلٌ مباشر من قبل سوريا». اِستأنف خدّام المفاوضات بين اللبنانيين، التي أفضت في فبراير (شباط) 1976 إلى «الوثيقة الدستورية» التي وافق عليها الرّئيس فرنجية ورئيس الوزراء كرامي، ودعمتها الكتائب (الميليشيا المسيحية الرّئيسية). سبقت هذه الوثيقة اتفاق الطائف عام 1989 في توزيع المقاعد البرلمانية مناصفة بين المسلمين والمسيحيين. أرسلت الولايات المتّحدة إشارة إلى القادة اللبنانيين؛ تؤكّد دعمها للجهود السورية للإصلاح. رفَضها جنبلاط والفلسطينيون وحلفاؤهم بعدّها غير كافية، وانهار التحالف بين دمشق وحلفائها الفلسطينيين واللبنانيين، فحوّل الأسد شحنات الأسلحة من عرفات إلى ميليشيا عائلة فرنجية. أبلغ رابين فورد أنّه في حال دخول القوّات السورية لبنان، فإن الجيش الإسرائيلي سوف يتقدّم إلى الليطاني. في غضون ذلك، انقسم الجيش اللبناني على أسسٍ طائفية، بعدما فَقَد صورته الحياديّة.

غلاف الكتاب

استعدّ جنبلاط وحلفاؤه لهجومٍ ضد المسيحيين. وأصبحت سوريا الآن متحالفة مع المسيحيين، الذين دعموا الوثيقة الدستورية التي اقترحها الأسد. قدّرت الاستخبارات الأميركية أنّ الأسد قد يخسر السّلطة لمصلحة نظام أكثر تطرّفاً في حال تعثّر في لبنان. وفي منتصف مارس (آذار)، أرسل الجيش السّوري إلى لبنان، بناءً على طلب فرنجية، 1000 جندي نظامي يرتدون الزّي الفلسطيني، فشلوا في وقف الهجوم اليساري. وخلال مارس، أخبر الأميركيون المسؤولين السّوريين؛ أنّهم يدعمون جهود الأسد الدّبلوماسية، لكنّهم حذّروا مرّة جديدة من ردّ فعل إسرائيلي محتمل على التدخّل العسكري السّوري العلني. وفي 15 مارس، منعت الوحدات الفلسطينية الموالية للأسد اليساريين اللبنانيين من احتلال قصر فرنجية، في إشارة واضحة إلى أنّ الأسد سوف يتصرّف بحزمٍ ضد أي تهديد جذري لاستراتيجيته السّياسية في لبنان. في 23 مارس، أبلغ خدّام الولايات المتّحدة أنّ فرنجية «طلب رسمياً من سوريا إرسال قوّات للفصل بين الأطراف المتحاربة في لبنان». وفي 24 مارس، رسم مسؤولون إسرائيليون بعض «الخطوط الحمراء» لواشنطن، ما عنى ضمناً أنّ ما كان مرفوضاً، لم يعد مرفوضاً. ستعارض إسرائيل أي تحرّكٍ عسكري واضح أو علني للقوّات السورية في لبنان، أو لكلّ ما يتجاوز حجم لواء، أو ينقل أسلحة إلى السّاحل، أو يتجاوز الـ10 كيلومترات جنوب طريق بيروت - دمشق. فهم كيسنجر أنّ أي انتهاكٍ سيحمل الإسرائيليين على الاستيلاء على نقاطٍ استراتيجية في جنوب لبنان حتّى مغادرة القوّات السورية. عرض المسؤولون السّوريون السّاعون إلى موافقة الولايات المتّحدة تفاصيل مطمئنة عن خطّتهم في 25 مارس: «سوف تكون قوّاتهم قليلة، وسيبقون خارج الجنوب، ويغادرون خلال أشهر بمجرّد حلّ الأزمة السياسية». عرض الردُ الأميركي ما فهمتِ الولاياتُ المتّحدة أنّه قد يؤدّي إلى ردٍّ عسكري إسرائيلي، فقال الأسد إنّه سوف يبقى خارج الجنوب، لكنّه طلب من الولايات المتّحدة أن تُبقي إسرائيل خارجاً أيضاً.

توجيهات براونظهرت مشكلة في السّفارة الأميركية في بيروت. تم تشخيص سرطان الحلْق لدى غودلي، فغادر منصبه في يناير عام 1976. وبغيابه، افتقرت السّفارة إلى الاتّصالات والمعلومات والتأثير. هذا العامل، والمأزق السّياسي، والعملية السورية الوشيكة، والردّ الإسرائيلي المحتمل، دفعت جميعها كيسنجر إلى إرسال براون مبعوثاً. عدّ كيسنجر مصالح الولايات المتّحدة تقتضي «أننا لا نستطيع السّماح لإسرائيل بالدخول إلى جنوب لبنان»، لأنّ ذلك يعرّض للخطر مقاربته الشّاملة لـ«الشرق الأوسط»، المبنية على التقدّم المتدرّج في ملف السّلام العربي - الإسرائيلي، واحتواء النفوذ السّوفياتي. كما بقي معارضاً للاحتلال السّوري المباشر للبنان، إذ كان، من جهة، يخشى أن يؤدّي ذلك إلى تحرّكٍ إسرائيلي، ومن جهة ثانية، يعدّ التقارب بين واشنطن ودمشق النّاشئ في تلك اللحظة عن المصلحة المشتركة في احتواء منظّمة التحرير الفلسطينية واليساريين اللبنانيين، موقّتاً. لكن ثمّة وجهة نظر أكثر دقّة عن الموقف الإسرائيلي المحتمل قُدّمت إلى كيسنجر. أعرب السّفير الأميركي لدى إسرائيل مالكولم تون في 31 مارس 1976، عن اعتقاده أنّ المسؤولين الإسرائيليين كانوا يصوّرون لكيسنجر موقفاً أكثر تشدّداً ضدّ التدخّل السّوري مما هو في الواقع، فبرأيه؛ سوف يتسامح الإسرائيليون مع الحراك السّوري طالما أنّ إسرائيل لديها إشعار مسبق بالخطط السورية، وأنّ الهدف استعادة الاستقرار، وأنّ القوّات السورية لم تدخل جنوب لبنان.

أعطى كيسنجر توجيهاته إلى براون في 31 مارس. كان عليه أن يساعد في وقف إطلاق النّار، ويدعم الخطّة السّياسية السورية مع إبقاء قوّاتهم خارج لبنان، ويتّصل بمنظّمة التحرير الفلسطينية ويحاول كسر تحالفها مع جنبلاط، ويحول دون الانهيار المسيحي. كُلّف براون أيضاً بإقناع جنبلاط بالتوصّل إلى تسوية، وقبول رزمة الإصلاحات السورية. التقى جنبلاط أوّل مرّة في 2 أبريل (نيسان)، عندما حدّد الزّعيم الدرزي أهدافه المتعلّقة بالإصلاح السّياسي والاجتماعي، بما في ذلك الحكم العلماني. أجاب براون بأنّ هذه الأهداف كانت غير واقعيّة، وأن الولايات المتّحدة تدعم المبادرة السّياسية السورية التي بإمكانها أن تضمن عدم فوز اليساريين إذا لم يتعاونوا. وقال له براون: «إن القبول بالإصلاحات المتواضعة هو السّبيل الوحيد لتجنّب التدخّل السّوري».

ركّز براون على إطلاق المفاوضات بشأن وقف إطلاق النّار، وخروج فرنجية مبكّراً من منصبه قبل أن تنتهي ولايته في سبتمبر (أيلول)، وانتخاب رئيس جديد. واعتقد براون أنّ هذه المقاربة هي الطّريقة الوحيدة الممكنة لمنع دخول القوّات السورية، وقد وافقت واشنطن على ذلك. لكنّه أطلع كيسنجر بشكلٍ منفصل على تشكيكه بقدرة اللبنانيين على التوصّل إلى تسوية. ونصح، في حال ثبتت صحّة وجهة النّظر هذه: «إمّا بحمل إسرائيل على قبول الانتشار السّوري أو التحدّث مباشرة مع عرفات». رفض كيسنجر فكرة براون بالعمل مع عرفات رغم توجيهه الأوّلي بالاتّصال بمنظّمة التحرير الفلسطينية. في 7 أبريل، عارض كيسنجر خلال اجتماع مجلس الأمن القومي الأميركي القبول الضّمني بعملية عسكرية سورية في لبنان، لأنّه لا يزال يخشى من أن تؤدّي حلقة تصعيدٍ مع إسرائيل إلى حظرٍ محتمل للنّفط العربي، وتدخّلٍ سوفياتي للدّفاع عن سوريا. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي برنت سكوكروف، إن «الوجود السّوري القوي في لبنان قد يكون السّبيل الوحيد لإنهاء الاقتتال». وفي 10 أبريل، انتشر المزيد من القوّات السورية في لبنان متنكّرين بزي فلسطيني. نقلت الولايات المتّحدة إلى دمشق الموقف الإسرائيلي بأنّ هذا العمل تجاوز الخطّ الذي يستوجب من إسرائيل اتّخاذ إجراءات خاصة بها. رفض السّوريون الإنذار.

(...) اشتكى كيسنجر من أنّ إسرائيل تريد أن يسيطر السّوريون على الفلسطينيين في الجنوب من دون السّماح لهم بالانتشار هناك للقيام بذلك. وأبلغ المسؤولون الأميركيون نظراءهم السّوريين واللبنانيين بأنّهم لا يستطيعون ضمان ردّ فعل إسرائيل على الانتشار السّوري. استمرّت هذه التبادلات حتّى انتهت ولاية فورد. لم ينتشر السّوريون في الجنوب. وكان أحد التداعيات غير المقصودة لهذا الأمر خلق فراغ أمني طويل الأمد في جنوب لبنان، سوف يملأه لاحقاً «حزب الله» المدعوم من إيران.

كارتر و«المأساة» اللبنانيةكان لهذا الوضع غير الواضح في جنوب لبنان نتيجة متوقّعة: عزّز الفدائيون أنفسهم في المكان الوحيد المتبقّي لهم، وهو الجنوب. وفي مايو (أيار) 1977، فاز حزب الليكود اليميني في إسرائيل بأوّل انتخابات للكنيست، وأصبح مناحيم بيغن رئيساً للوزراء. تصرّفت هذه الحكومة الجديدة في جنوب لبنان بشكل أكثر عدوانية من سابقتها، واتّخذت خطوات للسّيطرة على المنطقة من خلال جيش لبنان الجنوبي. وفي مواجهة بيغن المتشدّد، والضّغط السّوري، وتهميشه في عملية السّلام المصرية - الإسرائيلية، والمعارضة الدّاخلية الدّائمة، لجأ عرفات إلى العنف لإثبات وجوده. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1977، قصفت فتح بلدة نهاريا الإسرائيلية بالصّواريخ. فقامت الزوارق الحربية الإسرائيلية بهجومٍ مضاد في جنوب لبنان. في 11 مارس 1978، هاجم إرهابيو فتح إسرائيل عن طريق البحر، ونزلوا في جنوب حيفا، واختطفوا حافلة، وأطلقوا النّار باتّجاه تل أبيب. وقتلت الشّرطة تسعة من الإرهابيين الأحد عشر. وقُتل أربعة وثلاثون إسرائيلياً وأميركياً. وعُدّت العملية إشارة من عرفات إلى أنّ استبعاد المصالح الفلسطينية من محادثات السّلام لن يؤدّي إلى السّلام.

كان من المقرّر أن يزور بيغن واشنطن في 14 مارس 1978، لكنّه أجّل سفره في الوقت الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي يتحرّك إلى جنوب لبنان لتدمير قواعد منظّمة التحرير الفلسطينية. أدلى كارتر بتعليقٍ غاضب على الغزو في سيرته الذاتية، عكس إحباطه من بيغن ومضيعة الوقت في منطقة الشرق الأوسط، وكتب «إن ذلك تعارض مع خمس عشرة أولويّة أخرى. تراوحت هذه الأولويّات بين دفع مجلس الشّيوخ إلى التصويت على معاهدة قناة بنما، والتعامل مع إضراب عمّال المناجم على الصّعيد الوطني، إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق الحدّ من الأسلحة الاستراتيجية SALT II مع موسكو، وإعداد زيارة رسمية للديكتاتور اليوغوسلافي جوزيف تيتو». بدأت العملية الإسرائيلية «حجر الحكمة»، في 15 مارس. وفي نهاية اليوم الأوّل، كان الجيش الإسرائيلي قد أمّن منطقة عازلة بعمقٍ يتراوح بين 5 و20 كيلومتراً. وصف كارتر العملية بأنّها «ردّ فعل مبالغ فيه رهيب»، أسفر عن مقتل 1000 مدني وتشريد 100 ألف شخص.

أخبر وزير الخارجية الأميركي سايروس فانس الإسرائيليين أنّ الولايات المتّحدة ستسعى إلى استصدار قرار عن مجلس الأمن ضدّ ما قاموا به، وقال إن «كارتر منزعج بشكلٍ خاص من استخدام الأسلحة الأميركية، بما في ذلك القنابل العنقودية، لأنّه خرق لاتفاق مسبق، وللقانون الأميركي». وتقرّر التصويت في الأمم المتّحدة في 19 مارس. دعا النّص الأميركي إلى إنهاء فوري لعمل الجيش الإسرائيلي والانسحاب الكامل، وإنشاء القوات الدّولية العاملة في لبنان (اليونيفيل). استغلّ الجيش الإسرائيلي فارق التوقيت، وتقدّم، قبل موعد التصويت يوم الأحد، إلى نهر الليطاني، واستولى على أكبر قدرٍ ممكن من الأراضي قبل صدور القرار 425، معزّزاً بذلك موقع إسرائيل التفاوضي. التقى مسؤولو وزارة الدّفاع الإسرائيلية مع قائد اليونيفيل الجديد في 20 مارس. تنازلوا لليونيفيل عن الأراضي المحتلّة في 19 مارس مقابل حزامٍ أمني على طول الحدود لميليشيا حدّاد، وطلبوا وقتاً لانسحاب إسرائيلي بطيء. غادرت القوّات الإسرائيلية لبنان في يونيو (حزيران).

بعد ذلك، علم المسؤولون الأميركيون أنّ الجيش الإسرائيلي قدّم عتاداً عسكرياً أميركياً إلى جيش لبنان الجنوبي. نفت الحكومة الإسرائيلية ذلك، ما دفع كارتر إلى إرسال مذكّرة «مقتضبة وصريحة» إلى بيغن تطلب منه إزالة المعدّات، تحت طائلة إبلاغ الكونغرس بالمخالفة، وهذا ما يمكن أن يعرّض المساعدة العسكرية لإسرائيل للخطر. مرّت المذكّرة عبر قناة شخصية، فاسحة المجال أمام بيغن لسحب المعدّات بهدوء.

خلال مأدبة عشاء في أثناء محادثات كامب ديفيد في سبتمبر (أيلول) 1978، سأل السّادات كارتر عمّا إذا كان قد خصّص كثيراً من الوقت للبنان. وأجاب كارتر بأنّ «الاهتمام الأميركي أثير في المقام الأوّل في لحظات الأزمات، (لذلك) لم نبذل جهوداً متضافرة لإيجاد حلٍّ دائم للمأساة اللبنانية المستمرّة». ولم يخض كارتر في التفاصيل. يوحي هذا التعليق بأنّ اهتماماً أميركياً أكبر بلبنان قبل اندلاع الأزمات المتعلّقة بالأمن الإسرائيلي؛ قد يخدم المصالح الأميركية بشكل أفضل. وصف باحثان مقاربة كارتر: «كان لبنان وعاءً يغلي، وهو يحاول إبقاء الغطاء عليه، حتّى لا يفسد الطّبق الرئيسي: السّلام الشامل». عشية كامب ديفيد، كان القلق شديداً من أن يستغلّ السّوريون القمة لتوسيع سيطرتهم على لبنان. أرسل فانس رسالة إلى الأسد: «نحثّ الإسرائيليين على ممارسة أقصى درجات ضبط النّفس والحكمة لتجنّب الصّراع مع القوّات السورية، ونحثّ سوريا على فعل الشّيء نفسه».

سوريا وأميركا... تلاقي مصالح في لبنانتميّزت هذه الفترة بالتلاقي الأوّل بين المصالح الأميركية والسورية في لبنان. كانت تعليمات براون بتسهيل التسوية السّياسية السورية لدى اللبنانيين والفلسطينيين من أجل تفادي نشر القوّات السورية التي قد تؤدّي إلى غزوٍ إسرائيلي، وحربٍ أوسع نطاقاً. حقّقت هذه المقاربة نجاحات قصيرة الأجل في تحقيق الاستقرار في لبنان وإضعاف منظّمة التحرير الفلسطينية. بأي حال، احتلّت سوريا جزءاً كبيراً من لبنان، ما أنهى على المدى الطويل سيادة لبنان؛ لكن ليس حربه الأهلية. أدّى هذا العنف وعدم الاستقرار إلى مشكلات أمنيّة وطنيّة لعقود عدّة لإسرائيل والولايات المتّحدة، وخلقِ وكيلٍ إيراني على المتوسّط بعد ست سنوات فقط من مهمّة براون، كما لاحظ أحد الباحثين «عدم معالجة صلب القضايا التي يعاني منها لبنان، وبدلاً من محاولة احتوائها عبر القوّة السورية، ربما تكون إدارة فورد قد فاقمت من مشكلات طويلة الأجل في الشرق الأوسط».

ربما كان الدّعم السّريع العملي والرمزي لمؤسّسات الدولة اللبنانية عامَي 1968 و1969 قد أفضى إلى تصلّب الرّئيس (شارل) حلو في الوقت الذي كان يقاوم فيه الضّغوط لمنح عرفات والفدائيين حرّيات أكبر. لم تلقَ طلباته للحصول على الدّعم الدّبلوماسي والمساعدات العسكرية استجابة في واشنطن والعواصم العربية المعتدلة، ما جعله معزولاً سياسياً في المنطقة، على الرّغم من نجاح الجيش اللبناني حتّى ذلك الحين في احتواء الفدائيين. ونظراً لافتقاره إلى الدّعم الخارجي الذي يتمتّع به الفلسطينيون، لم يجد حلو خياراً قابلاً للتّطبيق سوى التسوية. ومكّن اتفاق القاهرة الفلسطينيين من بناء دولة داخل الدّولة اللبنانية، بالتحالف مع المسلمين واليساريين الذين يسعون إلى تغيير ميزان القوى الذي يحكم لبنان منذ عام 1943. كانت للحرب الأهلية في لبنان أسباب عديدة، لكن الانحدار نحوها تسارع في القاهرة عام 1969.

كانت لدى واشنطن انشغالات مختلفة. سعى نيكسون وكيسنجر إلى تجنّب التورّط في الشرق الأوسط، وقد جرى التعبير عن الأولويّة المنخفضة بوضوح من خلال تفويض البيت الأبيض وزارة الخارجية بهذه السّاحة، وهو نادراً ما يحصل. ركّز روجرز على إطلاق مقاربة شاملة لتحقيق السّلام العربي - الإسرائيلي. لم تحظَ خطّته الطّموح بدعمٍ لا في المنطقة ولا في واشنطن. وتلاشت، كما أمَلُ اللبنانيين في التخلّص من العبء الفلسطيني، وأتت المساعدة القليلة التي قدّمتها الولايات المتّحدة لمساندة الجيش اللبناني في تلك المرحلة متأخّرة جداً.

اعتقد كيسنجر أنّ الشرق الأوسط يحتاج إلى أن يختمر حتّى تنجح المبادرة الدبلوماسية الأميركية. إلّا أنّ ما اختمر كان حرباً مفاجئة عام 1973؛ انحدر لبنان بها إلى حربٍ أهلية سنة 1975. أعطت دبلوماسيّة الخطوة خطوة الأولويّة للانسحابات الإسرائيلية المحدودة في سيناء ومرتفعات الجولان مقابل اتفاقات موقّتة لوقف إطلاق النّار. وأمل كيسنجر، عبر تحقيق أهداف غير مستحيلة، في خلق مناخ مواتٍ للتّصدّي للقضايا الأكثر صعوبة المتعلّقة بالضّفّة الغربية وغزة، في وقت لاحق. كانت مقاربته مذهلة من حيث واقعيتها ونفعها، وتشكيلها أساساً لجميع جهود السّلام اللاحقة. لكنّ الفلسطينيين المهمّشين الذين فقدوا صبرهم، أحكموا قبضتهم على لبنان.

عندما بدأت الحرب الأهلية في لبنان؛ كان التركيز الأميركي في مكانٍ آخر؛ كان على سقوط سايغون. أمل كيسنجر في احتواء القتال في لبنان حتّى لا يضرّ باتفاقات إسرائيل الموقّتة مع مصر وسوريا. عندما اشتدّ خطر نشوب حرب إسرائيلية - سورية في لبنان، أرسل كيسنجر مبعوثاً مخضرماً، دين براون. فور وصوله، حوّل براون التوجيهات الأوّلية المعطاة له إلى أهدافٍ عملية وقابلة للتّحقيق. ملأ الفراغ الذي خلّفته علاقات غودلي المتوتّرة بفرنجية وإجلاؤه الطبي. وساعد في إقناع فرنجية باتّخاذ مسار يخفّف من حدة المأزق السّياسي في البلد، فالدبلوماسية المبنية على المعرفة الوافية والعلاقة المباشرة والحضور الجسدي تُحدث فرقاً. لكن بينما تمّ تجنّب الاشتباك الإسرائيلي - السّوري؛ قبلت إدارة فورد بالاحتلال السّوري للبنان بعدما انكشف هذا التدخّل. تحقّق الاستقرار على المدى القصير، لكن المشكلات التي بقيت بلا حلول تفاقمت على المدى الطّويل، لا سيّما مصير الحركة الفلسطينية، ومطالب المسلمين واليساريين اللبنانيين بالإصلاح. لم تستطع إدارة فورد الضّعيفة إقناع المسؤولين الإسرائيليين بالسّماح للجيش السّوري بتطهير جنوب لبنان من المسلّحين الفلسطينيين، فاستمرت حالة انعدام الأمن هناك إلى حين لم يعد القادة الإسرائيليون قادرين على تحمّلها بحلول أوائل الثّمانينات.


مقالات ذات صلة

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي

رانية حمّاد
كتب باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

تعد قبيلة وائل من بني حنيفة أول من سكن مدينة الرياض التي كانت تعرف بـ«حجر اليمامة»، وأصبح لها كيان معتبر واستقرار دائم

بدر الخريف (الرياض)
ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رئيس الحكومة اللبنانية: غياب وزير الدفاع عن الجلسات لن يدوم

انعقاد جلسة مجلس الوزراء في لبنان بغياب وزير الدفاع ميشال منسى (الشرق الأوسط)
انعقاد جلسة مجلس الوزراء في لبنان بغياب وزير الدفاع ميشال منسى (الشرق الأوسط)
TT

رئيس الحكومة اللبنانية: غياب وزير الدفاع عن الجلسات لن يدوم

انعقاد جلسة مجلس الوزراء في لبنان بغياب وزير الدفاع ميشال منسى (الشرق الأوسط)
انعقاد جلسة مجلس الوزراء في لبنان بغياب وزير الدفاع ميشال منسى (الشرق الأوسط)

حضر التباين بين رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسّى، على خلفية جلسة مجلس النواب التي أُقرّ فيها قانون العفو العام، في جلسة مجلس الوزراء، الخميس، لكن المواقف التي سبقت الاجتماع وأعقبته عكست اتجاهاً إلى احتواء المسألة وعدم تحولها إلى أزمة داخل الحكومة، خصوصاً مع تأكيد سلام أن غياب وزير الدفاع «لن يدوم».

وتزامن انعقاد مجلس الوزراء مع تطور لافت في وزارة الدفاع، حيث استقبل منسّى قائد الجيش العماد رودولف هيكل على رأس وفد من أعضاء المجلس العسكري وكبار ضباط قيادة الجيش، في زيارة «شكر على مواقف وزير الدفاع الداعمة للمؤسسة العسكرية وتجاه شهدائها وعائلاتهم».

وجاءت التطورات امتداداً للسجال الذي أثاره عدم إلقاء منسّى كلمة كان قد أعدها خلال جلسة مجلس النواب التي ناقشت قانون العفو، بعدما أبلغه سلام أنه سيتحدث باسم الحكومة عند طرح البند، مستنداً إلى صلاحيات رئيس الحكومة الدستورية في تمثيل مجلس الوزراء والتحدث باسمه.

سلام: غياب منسّى لن يدوم

وبعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء، نقل وزير الإعلام بول مرقص عن سلام قوله إن «غياب وزير الدفاع لن يدوم»، مؤكداً أن منسّى «صديق»، وأن رئيس الحكومة «ملتزم بالدستور وبالتضامن الوزاري».

وجاء موقف سلام بعد سلسلة مواقف لوزراء قبيل انعقاد الجلسة حملت إشارات إلى مساعٍ لمعالجة التباين.

مواقف وزارية

وترأس سلام جلسة مجلس الوزراء، الخميس. وقبيل دخوله إلى الجلسة، أكد وزير الداخلية أحمد الحجار أهمية التضامن الحكومي، قائلاً إن «وزير الدفاع موجود في الحكومة ومعروف بمناقبيته، ورئيس الحكومة يعنيه تضامن حكومته ووزرائها».

وأضاف أن «كل الوزراء والحكومة يقفون إلى جانب المؤسسة العسكرية، ووزير الدفاع هو على رأس وزارته، وكلنا بنفس الاتجاه».

أما وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي، فقال إن المشكلة بين وزير الدفاع ورئيس الحكومة «يتم حلها».

صورة خارجية للسراي الحكومي في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

خلفية التباين

وكان التباين قد برز خلال جلسة مجلس النواب التي أقر فيها قانون العفو العام، بعدما أعد منسّى كلمة تتصل بموقف المؤسسة العسكرية من القانون، ولا سيما ما يتعلق بحقوق العسكريين والشهداء، إلا أنه لم يلقها.

وأوضح سلام لاحقاً أمام مجلس النواب أنه أبلغ وزير الدفاع بأنه سيتحدث باسم الحكومة عند طرح بند العفو، مستنداً إلى المادة الـ64 من الدستور التي تنص على أن رئيس مجلس الوزراء يمثل الحكومة ويتكلم باسمها.

ونفى سلام أن يكون قد طلب من وزير الدفاع عدم حضور الجلسة النيابية، مؤكداً احترامه له، ومشيراً إلى أن موقف قيادة الجيش كان قد عُرض أمام اللجان النيابية، وأن منسّى سبق أن قدم مذكرة خطية في هذا الشأن.

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى يضع إكليلاً من الزهور على نصب تذكاري بوزارة الدفاع (الوكالة الوطنية للإعلام)

منسّى: مُنع الجيش من الكلام

وعادت القضية إلى الواجهة مع إصدار منسّى بياناً اعتذر فيه إلى أهالي شهداء الجيش، معتبراً أنه لم يتمكن من حماية حقوقهم أو إيصال صوت المؤسسة العسكرية كما يجب خلال جلسة مجلس النواب. وقال منسّى إن «الكلام صمت في مجلس النواب، وبقي صوت الشهداء وحده يعلو»، مضيفاً أن «الجيش مُنع من الكلام»، فيما تضافرت، بحسب تعبيره، مواقف عدة لإسكات صوته.

وشدد وزير الدفاع على أن الجيش «ليس طرفاً في خصومة، ولا ورقةً تُستخدم وتُرمى، بل هو آخر ما تبقّى لهذا الوطن من ثقة»، متعهداً بمواصلة الدفاع عن حقه وحقوق شهدائه، ومؤكداً أن «الصمت لن يكون قدراً، وخذلان الأمس لن يكون خاتمة الحكاية».

وجاء موقف منسّى ليؤكد استمرار التباين في النظرة إلى ما حصل في مجلس النواب، ففي حين وضع سلام المسألة في إطار صلاحية رئيس الحكومة بالتحدث باسم مجلس الوزراء، ربط وزير الدفاع موقفه بحق المؤسسة العسكرية وعائلات شهدائها في إيصال صوتهم في قضية العفو.

قيادة الجيش تزور منسّى

وفي موازاة ذلك، استقبل منسّى في مكتبه في اليرزة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، على رأس وفد ضم أعضاء المجلس العسكري وكبار ضباط قيادة الجيش، في زيارة شكر لوزير الدفاع على مواقفه الداعمة للمؤسسة العسكرية، وتقديراً لمواقفه تجاه شهداء الجيش وعائلاتهم.

وتوجه هيكل إلى منسّى بالقول: «لم ولن تخذل عائلات الشهداء أبداً، رفعت لنا رأسنا ورفعت رأس الجيش»، وذلك رداً على البيان الذي أصدره وزير الدفاع صباحاً.

وأوضح قائد الجيش أن أهداف المؤسسة العسكرية وطنية، وأنها تقوم على حماية لبنان وصون أمنه واستقراره، مشدداً على أنه «لا طائفية بين من يرتدي البزّة المرقّطة».

من جهته، أكد منسّى أن «الجيش هو العصب الأساسي للدولة»، مشدداً على أن المؤسسة العسكرية ثابتة في موقفها، ولن تتراجع عن القيام بواجبها أو عن تقديم التضحيات في سبيل الوطن.

وأضاف منسّى: «إن شاء الله منضلنا مجموعين، وبصلابتنا فينا نحقق كثيراً»، داعياً إلى تعزيز وحدة المؤسسة العسكرية وحفظ دورها الوطني.

وأثنى وزير الدفاع على جهود قيادة الجيش وضباطه وعسكرييه، وعلى رأسهم العماد هيكل، مؤكداً أن المرحلة تتطلب مزيداً من التماسك والتعاون داخل المؤسسة العسكرية، بما يمكّنها من مواصلة القيام بواجباتها الوطنية وحماية لبنان.


تضارب بشأن طائرة عراقية غيرت مسارها بسبب «بلاغ نائبة»

واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)
واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)
TT

تضارب بشأن طائرة عراقية غيرت مسارها بسبب «بلاغ نائبة»

واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)
واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)

تضاربت أنباء بشأن طائرة كانت متجهة من العاصمة العراقية إلى إسطنبول أُجبرت على العودة إلى «مطار بغداد الدولي»؛ بعد مزاعم عن بلاغ يتعلق بإحدى المسافرات، قبل أن يُسمح لها بمواصلة الرحلة عقب التحقق من إجراءات السفر وعدم وجود مانع قانوني، وفق مصادر.

وأثارت الواقعة جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد انتشار روايات تقول إن الطائرة أُعيدت إلى بغداد بسبب ابنة نائبة عراقية كانت على وشك السفر إلى تركيا، وإن النائبة تدخلت لدى مسؤولين لإجبار الطائرة على العودة.

لكن مصادر مقربة من «سلطة الطيران المدني» نفت أن تكون الطائرة قد أُعيدت بسبب تدخل سياسي، فيما قال مصدر في «مطار بغداد» إن منع الفتاة من السفر، وفق ما أبلغت به أسرتها السلطات، تم قبل صعود الركاب الطائرة، وفق ما أوردته وكالة «شفق نيوز».

وقالت مصادر إن الطائرة عادت إلى «مطار بغداد» على خلفية بلاغ يتعلق بإحدى المسافرات، وإن الجهات المختصة تحققت بعد ذلك من سلامة الإجراءات وعدم وجود أي مانع قانوني يحول دون سفرها، قبل السماح للطائرة بالمغادرة مجدداً واستكمال رحلتها إلى إسطنبول.

ولم تحدد المصادر طبيعة البلاغ أو هوية المسافرة، كما لم توضح بالتفصيل في أي مرحلة من الرحلة عادت الطائرة إلى «مطار بغداد».

من داخل «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

لكن هذه الرواية تتباين مع معلومات نقلها مصدر في «مطار بغداد» ونشرتها وكالة «شفق نيوز» المحلية، قال فيها إن ابنة نائبة عراقية كانت تعتزم السفر إلى إسطنبول من دون علم أسرتها، وإن والدتها أبلغت الجهات الأمنية في المطار قبل بدء صعود الركاب الطائرة، مطالبة بمنعها من مغادرة البلاد؛ بسبب مخاوف قالت إنها تتعلق بحالتها النفسية.

وأضاف المصدر أن الأجهزة المعنية منعت الفتاة من السفر قبل فتح بوابة الصعود، وأن والدتها حضرت لاحقاً إلى المطار وتسلمتها.

وقال المصدر، وفق الرواية المنشورة، إن ما تردد عن إعادة الطائرة بعد إقلاعها، أو إنزال المسافرة منها، غير صحيح، موضحاً أن واقعة منع الفتاة من السفر انتهت قبل صعود الركاب، وأن الرحلة غادرت بعد ذلك بصورة طبيعية وعلى متنها بقية المسافرين.

كما لم تتضح من المعلومات المتاحة تفاصيل التسلسل الزمني بين البلاغ وعودة الطائرة إلى المطار؛ مما ترك مساحة لتضارب الروايات التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي.

وتداول مستخدمون خلال الساعات الماضية مقاطع فيديو ومنشورات تزعم أن طائرة تابعة لـ«الخطوط الجوية العراقية» كانت قد أقلعت من بغداد باتجاه إسطنبول ثم عادت بعد تدخل النائبة بسبب ابنتها.

وتضمن بعض المنشورات ادعاءات بأن النائبة أجرت اتصالاً مع مسؤولين كبار، وأن تدخلها أدى إلى إعادة الرحلة، فيما ذهبت منشورات أخرى إلى القول إن ابنتها كانت تحمل معها 10 آلاف دولار.

ولم تقدم المصادر المتاحة دليلاً يثبت أياً من هذه الادعاءات.

وتشير المعلومات المتاحة حالياً إلى أن منع المسافرة من السفر، وفق رواية مصدر المطار، لم يتطلب إنزالها من الطائرة بعد الإقلاع؛ إذ «جرى التعامل مع الأمر قبل صعود الركاب».


عندما تتدخل الإدارة الأميركية... تتغير المعادلة

جنود إسرائيليون يراقبون الموقف إثر دخولهم قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون يراقبون الموقف إثر دخولهم قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (إ.ب.أ)
TT

عندما تتدخل الإدارة الأميركية... تتغير المعادلة

جنود إسرائيليون يراقبون الموقف إثر دخولهم قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون يراقبون الموقف إثر دخولهم قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (إ.ب.أ)

بمجرد أن تدخلت الإدارة الأميركية وأطلقت تصريحات تندد باعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في بلدة قصرة بجنوب نابلس، تحركت الحكومة الإسرائيلية وقيادة الجيش وأخليت البؤرة الاستيطانية، بل إن قادة الاستيطان في الضفة الغربية هاجموا المعتدين وطالبوا بمحاسبتهم «لأنهم يمسون بسمعة إسرائيل في العالم».

وكان السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، المعروف بقربه من المشروع الاستيطاني، قد هاجم صباح الخميس، الحصار الذي فرضه مستوطنون على عائلة فلسطينية في قرية قصرة، وكتب على منصة «إكس»: «ما قام به المستوطنون يشكل سلوكاً إجرامياً مروعاً، يهدف إلى ترهيب العائلة ومضايقتها»، مؤكداً أن هذه التصرفات «مقززة» ولا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال.

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)

وشدد هاكابي على أن السفارة الأميركية في القدس منخرطة بقوة في جهود إخراج المستوطنين، موضحاً أن الجيش والشرطة في إسرائيل تدخلا بناء على طلب أميركي بإخراج المستوطنين وفك الحصار عن أفراد العائلة الفلسطينية المحاصرة؛ واصفاً منفذي الحصار بـ«الإرهابيين».

وذكرت هيئة البث العام الإسرائيلية (كان 11) أن مسؤولاً رفيعاً في البيت الأبيض يعتزم التحدث مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن أحداث قصرة، وسط توقعات بأن يطلب توضيحات حول تعامل السلطات مع ما جرى.

أسئلة بلا إجابات

يأتي ذلك على خلفية مخاوف لدى الإدارة الأميركية من عجز المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن كبح أعمال العنف والترهيب في القرية، وسط اعتقاد بأن إسرائيل لم تتخذ إجراءات كافية لوقفها. وتلقى عدة مسؤولين إسرائيليين اتصالات احتجاج غاضبة من الولايات المتحدة.

وتبين أن أحد الأشقاء من أصحاب البيت في قصرة، ويدعى لؤي أبو ريدة، يحمل الجنسية الأميركية ويعيش في ولاية أوهايو ويراقب بالكاميرات عن بعد ما يحدث لبيته ولأشقائه وعائلاتهم. وقد اتصل بالنائبة الأميركية مارسي كابتور، التي سارعت بالتوجه إلى البيت الأبيض.

مستوطنون يركضون أثناء مطاردة مركبة عسكرية إسرائيلية لهم في قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (أ.ف.ب)

وحسب مصدر سياسي في تل أبيب، توجه مساعدو الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الحكومة الإسرائيلية باحتجاج شديد اللهجة متسائلين: «هل تسودها الفوضى أمام بلطجية المستوطنين... أم أنه ما زال لديها نظام دولة؟».

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن لهجة الاحتجاج الغاضبة وصلت مكتب نتنياهو وكذلك الجيش، ومن ثم كان هناك تحرك لوقف الحصار وإبعاد المستوطنين وإزالة بؤرة الاستيطان التي أقاموها في ساحة الدار.

وعلى أثر ذلك، أخذ الفلسطينيون يطرحون أسئلة لا يجدون لها إجابات شافية، منها: «قضية قصرة وجدت بالصدفة نصيراً لها في الولايات المتحدة، فماذا عن عشرات البلدات الفلسطينية التي تعاني أوضاعاً شبيهة؟ ولماذا احتاج الجيش الإسرائيلي إلى الانتظار كل هذه الفترة قبل أن يتدخل بشكل فعال ويوقف الاعتداء في غضون دقائق؟ وإذا كانت قيادة المستوطنات ترى في اعتداءات مئات المستوطنين على الفلسطينيين عيباً يمس بسمعة إسرائيل، فلماذا لم توقف المعتدين الذين يخططون لارتكاب الجرائم وينشرون ذلك في مجموعات الواتساب القائمة في كل مستوطنة والفيديوهات التي توثق أفعالهم، ويتباهون بجرائمهم في الشبكات الاجتماعية بلا رادع؟».

عودة مستوطنة «غانيم»

وتناولت وزيرة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، فارسين أغابكيان شاهين، مسألة الاعتداءات، الخميس، مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدعم الشرطة الفلسطينية وسيادة القانون الجديد، فيليكس أنداكر، وقالت إن الوضع في الضفة الغربية لا يقل فداحة عنه بقطاع غزة، في ظل تصاعد إرهاب المستوطنين، وتمدد الاستيطان، وخطر الضم، مشددة على واجب المجتمع الدولي في مواجهة هذه الانتهاكات وضرورة وقفها.

وأشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي «يعمل جنباً إلى جنب مع المستوطنين في الاعتداءات اليومية»؛ ولفتت إلى العودة، الخميس، لإقامة مستوطنة «غانيم» على أراضي الفلسطينيين شرق مدينة جنين، بعد 21 عاماً من إخلائها ضمن خطة «فك الارتباط» التي أقرتها إسرائيل عام 2005 ثم ألغتها الحكومة الإسرائيلية من طرف واحد في نهاية السنة الماضية.

جنود إسرائيليون يجوبون أحد شوارع قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس (أ.ف.ب)

وكانت قوات الاحتلال قد أغلقت المداخل والطرق الفرعية على امتداد الشارع الرئيسي من دوار حداد حتى حاجز الجلمة العسكري، بذريعة تأمين الحماية للمستوطنين وقادتهم المشاركين في إعادة إقامة المستوطنة، حيث شارك في ذلك رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية، يوسي داغان، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الاتصالات شلومو كرعي، وأعضاء بالكنيست.

إعادة رسم الخريطة

وقال مسؤول ملف الاستيطان في محافظة جنين، طارق اغبارية، في لقاء مع الصحافيين إن عودة المستوطنين إلى «غانيم» تمثل تطوراً خطيراً يعيد رسم خريطة محافظة جنين جيوسياسياً، ويفرض وقائع جديدة على الأرض. وأضاف أن من شأن إعادة إنشاء المستوطنة «تقطيع أواصر المحافظة»، وتحويل المنطقة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، بما يزيد من وتيرة الاعتداءات والمواجهات، ويهدد التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.

ويأتي القرار في سياق مساعٍ إسرائيلية لتوسيع السيطرة في شمال الضفة الغربية، من خلال تسهيل عودة المستوطنين إلى المواقع التي أُخليت عام 2005، وتهيئة البنية التحتية والطرق والمواقع العسكرية اللازمة لذلك. كما يتزامن مع نقل صلاحيات ما تسمى «الإدارة المدنية» إلى الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، بما يعزز إجراءات الضم الفعلي للضفة الغربية وفرض وقائع جديدة تهدف إلى تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.