«متحف البراءة»... جولة في ذاكرة إسطنبول حسب توقيت أورهان باموك

ذاكرة إسطنبول المعاصرة ورواية أورهان باموك الشهيرة في متحف واحد في إسطنبول (الشرق الأوسط)
ذاكرة إسطنبول المعاصرة ورواية أورهان باموك الشهيرة في متحف واحد في إسطنبول (الشرق الأوسط)
TT

«متحف البراءة»... جولة في ذاكرة إسطنبول حسب توقيت أورهان باموك

ذاكرة إسطنبول المعاصرة ورواية أورهان باموك الشهيرة في متحف واحد في إسطنبول (الشرق الأوسط)
ذاكرة إسطنبول المعاصرة ورواية أورهان باموك الشهيرة في متحف واحد في إسطنبول (الشرق الأوسط)

أعقاب سجائر يصل عددها إلى 4213، مَمالح لا تُحصى، عبوات مشروبات غازية، فناجين قهوة تجمّدَ فيها البنّ والزمن... هذا بعضٌ ممّا يجدُه الزائر في «متحف البراءة» في إسطنبول. المكان الذي أسسه الكاتب التركي أورهان باموك، خارجٌ عمّا هو مألوف في عالم المَتاحف. هنا، لا لوحات ولا منحوتات ولا أزياء تراثيّة، بل تأريخٌ للحياة اليوميّة العاديّة في إسطنبول ما بين سبعينات وتسعينات القرن الماضي.

لا بدّ للآتي إلى هذا المكان أن يكون قد قرأ رواية «متحف البراءة» لباموك، أو على الأقل سمع عنها. ففي زقاق شوكوركوما المتواضع الواقع في منطقة بيوغلو، لا شيء يوحي بأنّ ذلك المبنى الصغير المطليّ بالأحمر هو في الواقع متحفٌ يخبّئ في طبقاته الـ4، الكثير من تفاصيل حياة الأتراك على مدى 3 عقود.

يقع متحف البراءة في منطقة بيوغلو في إسطنبول (الشرق الأوسط)

فراشة تستقبل الزائرين

يكفي أن يحمل الزائر نسخةً من الرواية حتى يجول مجاناً في المتحف. حرُصَ باموك على أن تضمّ إحدى صفحات الكتاب بطاقة دخول للقارئ، موجّهاً إليه بذلك دعوةً لزيارة المتحف إذا حطّت به الرحال في إسطنبول. بخَتمٍ يحمل رسمَ فراشة تُدمَغ البطاقة، لتبدأ الجولة بأول غرضٍ معروض وهو قرط أذن على شكل فراشة. يقفز إلى الذاكرة فوراً الفصل الأول من الرواية، يوم أضاعت المحبوبة «فوزون» أحد أقراطها عند بطل القصة «كمال»، فاحتفظ به كما لو كان كنزاً، مثلما فعل لاحقاً مع كل غرضٍ لمسَ «فوزون» أو وقع في مرمى نظرها.

صفحة من رواية «متحف البراءة» تمنح الزائر بطاقة دخول إلى المتحف (الشرق الأوسط)

في متحف الحب

تتوالى الواجهات الزجاجية الـ83 بمنمنماتها وأغراضها، لتعكسَ كلُ واحدة منها فصلاً من فصول الرواية. لا يكتفي المتحف بتوثيق أنثروبولوجيا إسطنبول فحسب، بل يؤرّخ لحكاية الحب الأسطورية التي جمعت بين الرجل الأرستقراطي صاحب المال وقريبته الشابة المنتمية إلى الطبقة الفقيرة.

لعلّ ذلك الحب الجارف بين «كمال» و«فوزون» هو أبرز ما يدفع بالزوّار من حول العالم إلى أن يقصدوا المكان يومياً بالعشرات. يصعدون السلالم الخشبية، يجولون بين الطبقات الضيّقة، يتوقّفون طويلاً أمام الواجهات الزجاجية الصغيرة التي تحوي ذكريات المدينة وإحدى أجمل حكاياتها. منهم مَن أتى من الصين، ومنهم مَن قصد المكان ليُعدّ بحثاً جامعياً عنه، وما بينهما شابة مولَعة بالرواية تصرّ على التقاط صورة في كل زاوية من زوايا المتحف.

في المتحف 83 واجهة زجاجية تختصر كل منها فصلاً من الرواية (الشرق الأوسط)

رواية في متحف ومتحف في رواية

لمعت الفكرة في رأس أورهان باموك في منتصف التسعينات. قرر أن يجمع أغراضاً ليبني منها رواية تصلح أن تتحوّل متحفاً. سار المشروعان التوثيقي والأدبي بالتوازي، فأبصرت الرواية النور عام 2008، أما المتحف فافتُتح عام 2012 نظراً للوقت الذي استغرقه إعداده. ليس كل ما في المكان مقتنيات خاصة اشتراها باموك من محال التحَف العتيقة في إسطنبول وحول العالم، فبعض ما تُبصره العين في المتحف الذي يفوق عدد معروضاته الألف، استقدمَه الكاتب من منازل أقرباء وأصدقاء له.

استقدم باموك بعض الأغراض المعروضة من بيوت أقرباء وأصدقاء له (الشرق الأوسط)

استثمر الأديب التركي الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2006، ماله ووقته في مشروعه، وهو أول متحفٍ في العالم خاص برواية. في المرحلة الأولى، بدأ بتجميع الأغراض. ثم ابتاعَ مبنى صغيراً مؤلفاً من 4 طبقات وعائداً إلى القرن الـ19.

بالموازاة، كانت مخطوطة «متحف البراءة» قد بدأت سلوك الخط الروائي الذي قرره لها باموك، أي الدوَران حول شخصيتَيها الأساسيتَين الطالعتَين من بنات أفكاره. في القصة المتخيّلة، يدعو البطل «كمال» الكاتب أورهان باموك إلى تدوين سيرته. يخبره كيف أنه جمع كل غرض يذكّره بـ«فوزون»، كما كان يسرق بعض مقتنياتها كأمشاط الشعر والحليّ وقطع الملابس وغيرها من الأغراض الشخصية. في الرواية، وبعد أن يخسر «فوزون» إلى الأبد، يشتري «كمال» المنزل الذي قطنت فيه المحبوبة مع والدَيها، ليقيم فيه ويحوّله إلى متحفٍ يحيي ذكراها.

أمشاط الشعر العائدة إلى بطلة الرواية «فوزون» (الشرق الأوسط)

مؤثرات بصريّة وصوتيّة

من قصاصات الصحف إلى أواني المطبخ، مروراً بالصور القديمة، وساعات اليد، وقوارير العطر، والمفاتيح، وأوراق اليانصيب، وبطاقات الطيران، يتيح المتحف أمام الزائر أن يدخل في الرواية. كما يسمح له بمعاينة قريبة لأسلوب عيش أهل إسطنبول على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية ما بين 1975 ومطلع الألفية الثالثة. في «متحف البراءة» يتداخل الخيال بالواقع، ويصبح المتجوّل في الأرجاء جزءاً من اللعبة التي اخترعها أورهان باموك.

يتجاوز عدد المعروضات في متحف البراءة ألف قطعة (الشرق الأوسط)

تخرق صمتَ الزائرين وصوتَ الراوي، مؤثّراتٌ خاصة من بينها فيديوهات معروضة على الجدران تعكس الحقبة التاريخية، وأصوات خرير مياه ونعيق غربان إسطنبول ونَورس البوسفور.

السيّد باموك... مدير المتحف

ليس طَيفا «فوزون» و«كمال» وحدهما المخيّمَين على المكان، فباموك حاضرٌ كذلك من خلال ترجمات الكتاب المعروضة في الطابق السفليّ، وكذلك عبر نبرة الراوي في الجهاز الصوتيّ، الذي يتقمّص شخصية الكاتب. مع العلم بأنّ باموك أشرف شخصياً على تفاصيل المتحف، وحتى اليوم بعض الواجهات الزجاجية فارغة «لأني ما زلت أعمل عليها»، وفق ما يقول الراوي. أما إن سألت موظفة الاستقبال عن هوية مدير المتحف، فستجيب: «السيّد باموك». كيف لا، وهو الذي أنفق 1.5 مليون دولار على تحفته الصغيرة، من بينها جائزة المليون دولار التي حصل عليها من مؤسسة نوبل.

وصلت تكلفة المتحف إلى 1.5 مليون دولار سدّدها باموك من ماله الخاص (الشرق الأوسط)

في غرفة «كمال»

يقول «كمال» في الكتاب: «أذكر كيف كان البرجوازيون في إسطنبول يدوسون فوق بعضهم كي يكونوا أوّل مَن يمتلك آلة حلاقة كهربائية أو فتّاحة معلّبات، أو أي ابتكار جديد آتٍ من الغرب. ثم يجرحون أيديهم ووجوههم وهم يصارعون من أجل تعلّم استخدامها». هذه الطبقيّة ذاتها والفوارق الاجتماعية التي تخيّم على خلفيّة الرواية، هي التي جعلت قصة حب «كمال» و«فوزون» تتأرجح بين الممكن والمستحيل.

الرواية كما المتحف يجمعان السرديّتَين العاطفية والاجتماعية (الشرق الأوسط)

تنتهي الزيارة في الطبقة الرابعة، أو بالأحرى في العلّيّة حيث أمضى «كمال» السنوات الأخيرة من حياته ما بين 2000 و2007، وفق الرواية. هنا، على سريرٍ حديديّ ضيّق كان يستلقي البطل العاشق ويروي الحكاية لأورهان باموك الجالس قبالته على مقعدٍ خشبيّ. لا يضيع شيءٌ من تفاصيل الخاتمة؛ لا ثياب نوم «كمال»، ولا فرشاة أسنانه، ولا الدرّاجة التي أهداها إلى «فوزون» وهي طفلة.

غرفة «كمال» بطل الرواية حيث أمضى السنوات الـ7 الأخيرة من حياته (الشرق الأوسط)

على براءتها وبساطتها، تروي أغراض «متحف البراءة» إحدى أجمل قصص الحب التي أزهرت بين سطور أورهان باموك، وخلّدت في قلب إسطنبول النابض.


مقالات ذات صلة

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يوميات الشرق يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

مراهناً على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»، افتتح وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، مساء السبت، متحفاً فنياً يحمل اسمه في حي الزمالك الراقي بقلب القاهرة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق مخطوط نادر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفي بمقتنيات نادرة توثّق تطور أدوات الكتابة عبر العصور

تمتلك المتاحف المصرية مقتنيات متنوعة ونادرة تؤرخ لتطور الكتابة والتعليم عبر العصور المختلفة ضمن احتفال وزارة السياحة والآثار المصرية بـ«اليوم الدولي للتعليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا خلال العمل على تحصين النافذة التي استُخدمت لسرقة مجوهرات من متحف اللوفر (أ.ب)

«اللوفر» يحصّن نافذة استُخدمت في سرقة مجوهرات

عزّز متحف اللوفر في باريس إجراءات الأمن عبر تركيب شبكة حماية على نافذة زجاجية استُخدمت في عملية سرقة مجوهرات في 19 أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (باريس )

«كما نحن موجودون»... حين تمشي اللوحة بدلاً من أن تُعلَّق

فتيات يحملن لوحات هبة الخطيب أمام الجمهور (ريبيرث بيروت)
فتيات يحملن لوحات هبة الخطيب أمام الجمهور (ريبيرث بيروت)
TT

«كما نحن موجودون»... حين تمشي اللوحة بدلاً من أن تُعلَّق

فتيات يحملن لوحات هبة الخطيب أمام الجمهور (ريبيرث بيروت)
فتيات يحملن لوحات هبة الخطيب أمام الجمهور (ريبيرث بيروت)

بأسلوب بصري جريء يلامس تخوم الفن الأدائي، قدّمت الفنانة التشكيلية هبة الخطيب بدر الدين معرضها «كما نحن موجودون»، وكسرت قاعدة عروض الفنون التشكيلية. ففي قاعات المركز الفني «ريبيرث بيروت» في الجميزة، لم تُعلَّق اللوحات على الجدران في انتظار مرور الزوّار، بل خرجت من سكونها ومن إطارها الخشبي؛ مشت وتنفّست ولامست الحضور.

وعلى طريقة عروض الأزياء، سارت مجموعة من الفتيات يحملن لوحات هبة الخطيب بدر الدين، أمام جمهور يجلس على مقاعده. فكان الحضور مدعوّين هذه المرّة إلى التلقّي من موقع المتفرّج لا المتجوّل. مشهد غير مألوف حوَّل المعرض عرضاً حيّاً، حيث بات لكلّ لوحة زمنها الخاص ومساحتها البصرية المستقلّة.

في معرض «كما نحن موجودون» اللوحات تمشي بدلاً من أن تُعلَّق (ريبيرث بيروت)

وتُعلّق هبة الخطيب بدر الدين على الفكرة في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «أبحثُ دائماً عن التجديد وعن أفكار غير مستهلكة. زائر المعرض اليوم يمرّ سريعاً، يلتقط صورة وينصرف. أردتُ أن أفرض لحظة تأمُّل، وأُجبر العين على التوقّف. من هنا وُلدت الفكرة». وتضيف: «ربما بعد اليوم يتحوّل هذا الأسلوب إلى ظاهرة رائجة. لا يهمّني أن أكون الأولى بقدر ما يهمّني كسر الجمود. الأشياء الساكنة لا تلفتني، وأفضّل أن أحمّلها حركة ونبضاً».

تعتمد الفنانة في أعمالها على تقنيتَي فنّ القصّ واللصق والوسائط المتعدّدة، وتصفهما بأنهما لغة تعبير شخصية لا تخضع لقواعد صارمة. وتستخدم مواد يومية تتحوّل رموزاً؛ من ساعة يد، وذاكرة إلكترونية متنقّلة، وشريط كهرباء، إلى قصاصات مجلات وصحف. أوراق تُقولِبها لتتحوّل أسطحاً ووجوهاً ونوتاتٍ موسيقية، بحيث تعبق بمعانٍ اجتماعية ونفسية. وتشرح: «تناولتُ الحياة كما هي؛ بحلاوتها وصعوباتها. لكلّ يوم نعيشه طعمه وإيقاعه. ولوحاتي انعكاس لتجارب شخصية، لكنها تمسّ قضايا إنسانية عامة».

من عناوين الأعمال، تتكشّف الرسائل التي ترغب هبة الخطيب في إيصالها. ففي لوحة «الوعي واللاوعي»، وجهان متقابلان كلاهما عكس الآخر، يربط بينهما خطّ سميك من الطلاء الأحمر، في إشارة إلى الصراع الدائم بين ما نُظهره وما نُخفيه. عيون، وشفاه، وعناصر زمنية... ترصد ردود الفعل المتناقضة لدينا ضمن فكرة واحدة.

الأرض تتفتّت في لوحة من توقيع هبة الخطيب بدر الدين (ريبيرث بيروت)

أمّا في «حفل الأقنعة»، فتذهب أبعد في توصيف لا إنسانية العصر. وجه مستوحى من قبائل السكّان الأصليين في أميركا، محاصر بالرصاص والخرطوش، فيبدو مثل الريش الذي يغطّي قبعاتهم، ولكن بصورة مغايرة. وتقول: «الناس باتوا يضعون الأقنعة لإخفاء حقيقتهم. العنف لم يعد حدثاً بعيداً، بل يخترقنا من الداخل؛ يثقب أحلامنا ويزيد من أثقالنا، فيترك أثره السلبي علينا. وأعدّ هذه الصورة نابعة من الظلم الممارس على الشعوب كافة».

كل لوحة عند هبة الخطيب تحمل فلسفة تتجاوز زمنها، ويأتي فنّ القصّ واللصق ليبرز مساحة تعبيرية بالنسبة إليها؛ مساحة حرّة للتمرّد على تقاليد بالية... «لا قواعد أو حدود تقيّد هذه التقنية، إنما تفتح الأبواب واسعة على أفكار ذات آفاق، فتسهّل مهمّتي في إبراز المشاعر والأحاسيس».

في لوحة «وجه» نرى امرأة تقف أمام مكتبة عامرة بالكتب، وبجانبها ريشة حبر قديمة. توضّح الفنانة: «هذه المرأة أنا. القراءة جزء من تكويني. أدعو إلى العودة إلى الكتاب، بعيداً من إدمان وسائل التواصل التي تسرق الزمن واللذّة معاً».

في «إدراك حسّي» تقلب المعادلة، فهنا الأسماك تصطاد الإنسان بدلاً من العكس... تُعلّق: «نعيش في مجتمعات يترصّد بعضها بعضاً. من يصطادنا؟ وإلى أين يريدون إيصالنا؟ لم نجرؤ يوماً على طرح هذا النوع من الأسئلة على أنفسنا».

لوحة «الوعي واللاوعي» بفنّ القصّ واللصق (ريبيرث بيروت)

وفي عمل بيئي بعنوان «بلا ولا شي»، تُكرّم هبة الخطيب من خلال العنوان الموسيقيَّ الراحل زياد الرحباني. فنشاهد الكرة الأرضية متشقّقة على قاب قوسين من التفتّت. وتشرح: «الإنسان يدمّر بيئته بيده. الأرض باتت متاحة لكل أشكال الغزو. وقصدتُ أن أُبيّن الكرة الأرضية بهذه الصورة؛ تحيط بها بصمات من يكسرونها».

تستكمل الفنانة ثيماتها بين المدينة الإسمنتية والطبيعة، وبين الاستهلاك والفقد... وصولاً إلى هاجس الوقت. ساعة رمليّة تختصر انزعاجاً دائماً... «لا أعرف إن كنّا نتحكّم في الوقت أم هو ما يتحكّم فينا. لكنّ الوقت بذاته يلاحقنا في إيقاعنا اليومي، حتى إننا نستخدم عبارات تشير إليه بشكل مستمر، مثل: انتظرني دقيقة، وتلزمني دقيقتان كي أجهز. يضغط علينا الوقت ويفرض علينا أن نلحق به. لذلك أهرب ولا أضع ساعة يد؛ لأنني أشعر كأنها همّ يجرّني معه في كل زمان ومكان».

في «كما نحن موجودون»، لا تكتفي هبة الخطيب بدر الدين بعرض لوحات، بل تطرح أسئلة وجدانية، فترسم علامات استفهام بشأن مصائر البشرية وعلاقتنا بالزمن، وتواجه العنف بالفن، مُعبّرة عن حاجة الإنسان إلى فسحة من الأمل.


«فارس من الممالك السبع»... عودة إلى «ويستروس» بعد طول انتظار

دانك وإيغ تجمعهما رحلة المسلسل حيث الشاب الضخم يرافق الطفل الأصلع المتمتع بالنباهة العالية (المصدر: حساب Game of Thrones الرسمي)
دانك وإيغ تجمعهما رحلة المسلسل حيث الشاب الضخم يرافق الطفل الأصلع المتمتع بالنباهة العالية (المصدر: حساب Game of Thrones الرسمي)
TT

«فارس من الممالك السبع»... عودة إلى «ويستروس» بعد طول انتظار

دانك وإيغ تجمعهما رحلة المسلسل حيث الشاب الضخم يرافق الطفل الأصلع المتمتع بالنباهة العالية (المصدر: حساب Game of Thrones الرسمي)
دانك وإيغ تجمعهما رحلة المسلسل حيث الشاب الضخم يرافق الطفل الأصلع المتمتع بالنباهة العالية (المصدر: حساب Game of Thrones الرسمي)

بعد سنوات من الترقب، يعود عالم «ويستروس» إلى الشاشة عبر مسلسل «فارس من الممالك السبع» A Knight of the Seven Kingdoms، الذي انتظره جمهور الفانتازيا طويلاً بوصفه نافذة جديدة على إرث «صراع العروش» Game of Thrones، لكن بروح مختلفة ونبرة أكثر إنسانية، حيث انطلق عرض المسلسل هذا الأسبوع، وسط شغف واضح من جمهور ما زال يحمل حنيناً خاصاً لذلك العالم القاسي الذي صنع واحدة من أكثر الظواهر التلفزيونية تأثيراً في تاريخ الدراما.

المسلسل مأخوذ عن الروايات القصيرة التي كتبها جورج آر آر مارتن، ويعود بالأحداث إلى ما يقارب قرناً من الزمن قبل وقائع «صراع العروش»، في مرحلة تجلس فيها أسرة «تارغيريان» على العرش الحديدي، وتحضر التنانين في الذاكرة العامة بوصفها إرثاً قريباً، بينما تتشكل الممالك السبع على إيقاع الفروسية، والولاء، والصراعات الكامنة تحت السطح.

عالم ويستروس يظهر كما عرفه الجمهور ولكن يتناول العمل هذه المرة البسطاء بعيداً عن صراعات الطبقة الحاكمة (المصدر: حساب Game of Thrones الرسمي)

حكاية فارس جوال... بداية أسطورة

يفتتح العمل حلقته الأولى بمشهد وداعي شديد البساطة والرمزية، حيث يظهر الفارس الشاب الضخم سير «دونكان» وهو يوارِي مُعلمه الثرى تحت شجرة قديمة، في لحظة تؤسس منذ البداية لنبرة المسلسل القائمة على الإنسان قبل الأسطورة. ودونكان، المعروف بلقب «دانك»، نشأ تابعاً لفارس جوال من عامة الناس، حمل قيم الفروسية التقليدية وزرعها في تلميذه، تاركاً له إرثاً أخلاقياً أثقل من أي لقب نبيل.

ويظهر دانك في شخصية ضخمة الجسد، بسيطة التفكير، صادقة النية، حيث يسير في ويستروس بحثاً عن فرصة تتيح له إثبات ذاته بوصفه فارساً حقيقياً، كما يرتدي ملابس بالية، ويربط سيفه بحزام من حبل، مما يجعله محل تندر الآخرين، لكنه يحمل في داخله إيماناً عميقاً بمعنى الشرف، في زمن بدأت فيه هذه القيم تفقد بريقها.

«إيغ»... الطفل غريب الأطوار

وفي محطات الرحلة، يلتقي دانك بصبي صغير أصلع الرأس، ذكي الملامح، سريع البديهة، يُدعى «إيغ». ويعرض الطفل خدماته بوصفه تابعاً للفارس الجوال، وتنشأ بين الاثنين علاقة تقوم على التناقض والانسجام في آن واحد. إيغ، رغم صغر سنه، يمتلك معرفة واسعة بالعالم، وفهماً دقيقاً لطبيعة السلطة والنسب، بينما يتعامل دانك مع الحياة بعفوية فطرية.

ومن هنا، تشكل هذه الثنائية القلب النابض للمسلسل، وتمنحه دفئه الخاص، ورغم أن الحلقة الأولى حملت لقاء عابراً بينهما، إلا أن جمعهما في البوستر الرسمي للمسلسل يُظهر أن علاقتهما ستتوثق في الحلقات القادمة، خاصة مع النباهة التي أظهرها إيغ في مشاهده الأولى في المسلسل، حيث بدا أنه يحمل هوية أعمق من مجرد تابع صغير.

دانك وإيغ في مشهد من المسلسل حيث تتوثق علاقتهما خلال رحلة مليئة بالتحديات (المصدر: حساب Game of Thrones الرسمي)

بطولة آشفورد... نقطة التحول

تقود رحلة دانك إلى بطولة مبارزة كبرى في «آشفورد ميدو»، حدث يبدو الحدث في ظاهره احتفالاً بالفروسية، لكنه يحمل في جوهره تداعيات سياسية امتدت لعقود. وينسج المسلسل هذه البطولة بوصفها ملتقى اجتماعياً وثقافياً، حيث تتقاطع مصالح النبلاء، وطموحات الفرسان، ونبض العامة، في مشاهد تجمع بين الاحتفال والخطر.

كما تضع الحلقة الأولى الأساس لهذا الحدث، وتقدم شخصيات محورية من عالم ويستروس، من بينها ليونيل باراثيون المعروف بلقب «العاصفة الضاحكة»، وبايلور تارغيريان الملقب بـ«كاسر الرماح»، إلى جانب فنانة دمى شابة تدعى «تانسل»، تشكل حضوراً إنسانياً رقيقاً داخل عالم شديد الخشونة.

نبرة جديدة داخل عالم مألوف

وربما ما يميز «فارس من الممالك السبع» عن الأعمال السابقة في عالم ويستروس هو اختياره لمسار سردي أكثر تركيزاً وهدوءاً مما سبق، فالمسلسل يعتمد خطاً حكائياً واحداً، يُروى بالكامل من منظور دانك، مبتعداً عن التشعبات السياسية الواسعة، ومقترباً من تفاصيل الحياة اليومية لعامة الناس.

الحلقة الأولى، التي تأتي بزمن مكثف ومشاهد متتابعة الإيقاع، تقدم مزيجاً متوازناً من الدراما القاسية والفكاهة الذكية. وتحمل الحوارات طرافة ناعمة، كما تضيف المواقف الجسدية لمسة كوميدية خفيفة، بينما يحتفظ العالم بصرامته المعهودة في لحظات المواجهة والقتال.

ويضم المسلسل مشاهد عنف تليق ببيئة ويستروس، من مبارزات جسدية ومحاكمات قتالية، لكنه يعالجها بأسلوب يركز على وقعها الإنساني والنفسي، حيث جاءت مشاهد المبارزة في الحلقة الأولى مكثفة ومباشرة، لتعكس قسوة الفروسية حين تتحول إلى اختبار حياة أو موت، وتمنح المشاهد إحساساً ملموساً بخطورة هذا العالم.

في المقابل، يحضر الجانب الإنساني بقوة، سواء عبر لحظات الصداقة، أو عبر مشاهد الحانات، والأغاني الشعبية، والأحاديث العابرة التي تكشف نبض المجتمع المتخيّل في تلك الحقبة.

واختار صناع العمل العودة إلى مواقع تصوير ارتبطت بالمسلسل الأصلي، مع طاقم تقني يحمل خبرة طويلة في بناء عالم ويستروس، حيث منحت هذه العودة «فارس من الممالك السبع» إحساساً بصرياً قريباً من روح «صراع العروش»، مع بساطة إنتاجية تعزز الطابع القصصي للعمل. كما ابتعد المسلسل عن التترات الافتتاحية المعقدة والموسيقى الأوركسترالية الصاخبة، معتمداً على حضور بصري أكثر بساطة، مع استخدام محدود للمؤثرات، بما يخدم الطابع القصصي للعمل. وذلك على خلاف Game of Thrones وHouse of the Dragon، اللذين اعتمدا على خطوط سردية متعددة ومتزامنة عبر مواقع وشخصيات كثيرة.

وينتقل الاهتمام هنا من النبلاء وصراعات القصور إلى حياة العامة وهمومهم اليومية، كما تأتي الحلقات بإيقاع سريع وزمن مكثف، بمتوسط لا يتجاوز 35 دقيقة، في تجربة أقرب إلى الحكاية المتتابعة منها إلى الملحمة الثقيلة، ومتناغمة مع الروح الإنسانية التي يطرحها المسلسل منذ لحظاته الأولى.


«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)
جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)
TT

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)
جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، المقرر افتتاحها الأربعاء، 21 يناير (كانون الثاني) الحالي، وتستمر حتى الثلاثاء 3 فبراير (شباط) المقبل، زوّاره بمبادرة تستهدف نشر القراءة في المجتمع، تتمثل في مشروع «مكتبة لكل بيت»، وهي المبادرة التي أعلن عنها وزير الثقافة، أحمد فؤاد هنو، خلال المؤتمر الصحافي لإطلاق المعرض.

وتهدف المبادرة إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية، وفق تصريحات الوزير. إذ تتضمَّن إتاحة 20 كتاباً متنوعاً من أهم إصدارات قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أعماله بسعر رمزي، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع. ومن المقرر إتاحة هذه الحقيبة داخل كل قاعات المعرض.

وقال الشاعر أحمد الشهاوي، عضو اللجنة العليا لتنظيم معرض القاهرة الدولي للكتاب: «من أبرز مميزات المعرض هذا العام مبادرة (مكتبة لكل بيت) وحقيبة نجيب محفوظ»، ووصفها بأنها «مبادرة طموحة، تهدف إلى توسيع دائرة القراءة وجعل الكتاب في متناول جميع فئات المجتمع. فالحقيبة ليست مجرد مجموعة من الكتب، بل مشروع ثقافي متكامل يسعى إلى ترسيخ عادة القراءة داخل الأسرة المصرية، وتحويل الكتاب إلى رفيق يومي في البيوت، بعيداً عن النخبوية أو التعقيد».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «تتضمَّن هذه المبادرة حقائب متخصصة، من بينها حقيبة تضم الكتب التي صدرت عن نجيب محفوظ، والتي أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب خلال السنوات الماضية، ومنها كتب مهمة للقارئ العام والمتخصص معاً. وتكتسب هذه الحقيبة أهميةً خاصةً، إذ تتيح للقارئ فرصة الاقتراب من عالم محفوظ السردي الغني، والتعرف إلى أبرز أعماله التي شكَّلت وجدان أجيال متعاقبة. كما تمثل هذه الإصدارات جهداً مؤسسياً للحفاظ على تراثه الأدبي وتقديمه في صورة تليق بقيمته، وبأسعار مناسبة تشجِّع على الاقتناء والقراءة».

معرض القاهرة للكتاب يخصص حقيبة لكتب عن نجيب محفوظ (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

ويحتفي المعرض هذا العام بأديب نوبل، نجيب محفوظ، (1911 - 2006) واختياره شخصية المعرض، بعد مرور 20 عاماً على رحيله، كما تم اختيار الفنان الكبير محيي الدين اللباد (1940 - 2010) شخصيةً لمعرض كتاب الطفل، بينما تحل دولة رومانيا ضيف شرف الدورة.

وعدّ أن الجمع بين شخصية نجيب محفوظ، وشعار يدعو إلى القراءة، ومبادرة «مكتبة لكل بيت»، يعكس رؤية ثقافية واعية تسعى إلى بناء إنسان قارئ، ومجتمع يقدِّر المعرفة ويحتفي بالمبدعين. «مما يجعل من معرض الكتاب هذا العام ليس مجرد حدث ثقافي، بل يصبح مشروعاً تنويرياً متكامل الأبعاد، يؤكد أن الكتاب ما زال قادراً على صناعة الأمل وبناء المستقبل».

في السياق ذاته؛ يشهد المعرض فعاليات متنوعة للاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، ويضم 40 لوحة لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير، وفق ما ذكره المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الدكتور أحمد مجاهد، في بيان صحافي سابق.

معرض القاهرة للكتاب يستقبل الملايين سنوياً (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

وأعلن القائم بأعمال رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب إصدارات جديدة للهيئة عن شخصيتي المعرض هذا العام، الأديب نجيب محفوظ، والفنان محيي الدين اللباد.

ويشارك في معرض هذا العام 80 دولة و1300 دار نشر، ويحتفي البرنامج الثقافي بمجموعة من الكتب في حفلات توقيع وندوات حول الأدب والفكر والفلسفة وغيرها من المجالات، فضلاً عن برنامج للأمسيات الشعرية، والفعاليات الفنية التي تواكب المعرض.