في أقوى إشارة من نوعها... وارش يفتح الباب أمام رفع الفائدة الأميركية

التضخم العنيد يدفع «الفيدرالي» نحو تشديد محتمل

رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
TT

في أقوى إشارة من نوعها... وارش يفتح الباب أمام رفع الفائدة الأميركية

رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)

وجه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفن وارش، أقوى إشارة حتى الآن إلى احتمال الحاجة لرفع أسعار الفائدة إذا استمر التضخم فوق المستوى المستهدف، مؤكداً أن البنك المركزي سيكون أمامه «عمل يتعين القيام به» ما لم يقتنع صناع السياسة بأن الضغوط السعرية الأساسية تتجه بوضوح وبسرعة كافية نحو هدف 2 في المائة.

وجاءت تصريحات وارش، الجمعة، خلال أول خطاب رئيسي له في ندوة «جاكسون هول» الاقتصادية منذ توليه رئاسة «الفيدرالي»، لتمنح الأسواق بعض الإجابات عن موقفه من التضخم، وإن تجنب تقديم جدول زمني لرفع الفائدة أو صياغة مسار محدد للسياسة النقدية.

وقال وارش: «يجب أن نكون واثقين بأن التضخم الأساسي يتحرك نحو هدفنا، بوضوح وبسرعة كافية. وإلا فسيكون أمامنا عمل يتعين القيام به. هذه وظيفتنا ومهمتنا والتكليف الذي يجب أن نلتزم به». وتكتسب هذه الرسالة أهمية كبيرة بعدما أبقى «الفيدرالي» سعر الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول)، في وقت لم يظهر فيه التضخم تقدماً كافياً نحو هدف البنك المركزي.

وحسب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس المفضل لدى «الفيدرالي»، بلغ التضخم 3.7 في المائة على أساس سنوي في يوليو (تموز). وقال وارش إن التقدم المحقق في خفض التضخم خلال العامين الماضيين كان «متواضعاً»، وإن البيانات الأخيرة لا تشير إلى تحسن جوهري في الاتجاهات الأساسية للأسعار. ولفت إلى أن نحو نصف مكونات سلة السلع والخدمات في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي ترتفع حالياً بمعدل سنوي يتجاوز 3 في المائة. ورغم أن هذه النسبة أقل مما سجل خلال موجة التضخم التي أعقبت جائحة «كوفيد-19»، فإنها تظل أعلى من المعدلات التي كانت سائدة قبل الجائحة.

هذه القراءة دفعت وارش إلى الاقتراب أكثر من طرح إمكانية تشديد السياسة النقدية، خصوصاً بعدما أقر بأن الظروف المالية الحالية لا تبدو مقيدة بدرجة كبيرة للنشاط الاقتصادي. وقال إن الاقتصاد الأميركي لا يزال يظهر قدرة على الصمود، وإن أسواق الائتمان والقروض لا تقدم سوى «إشارات قليلة» إلى أن السياسة النقدية الحالية تمارس قيوداً قوية. ويمكن أن تشكل هذه الملاحظة أساساً لحجة داخل «الفيدرالي» مفادها أن سعر الفائدة الحالي ليس مرتفعاً بما يكفي لإعادة التضخم إلى الهدف.

وأكد وارش أيضاً أن أسعار الفائدة قصيرة الأجل تظل «الأداة الرئيسية» لتحقيق التفويض المزدوج للبنك المركزي، والمتمثل في استقرار الأسعار ودعم سوق العمل، وهو تصريح يكتسب أهمية بعدما ركز في الأشهر الأولى من رئاسته على مراجعة الإطار الأوسع للسياسة النقدية والتغيرات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد.

وكان وارش قد شكل 5 فرق عمل لدراسة قضايا طويلة الأجل، من بينها التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لكنه شدد على أن توصيات هذه الفرق ستصدر لاحقاً ولن يكون لها تأثير على القرارات المطلوبة في الظروف الحالية، في محاولة للفصل بين إعادة التفكير في مستقبل السياسة النقدية وبين الحاجة الفورية للتعامل مع التضخم.

واستجابت الأسواق سريعاً للرسالة. فقد رفع المتعاملون احتمالات زيادة الفائدة في اجتماع «الفيدرالي» يومي 15 و16 سبتمبر (أيلول) إلى نحو 50 في المائة، مقارنة بنحو 40 في المائة في وقت سابق الجمعة. وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، إلى أعلى مستوى له في نحو شهر، فيما وسعت الأسهم الأميركية مكاسبها بشكل طفيف.

وقبل الخطاب، كانت الأسواق تمنح احتمالاً بنحو الثلث لرفع الفائدة الشهر المقبل، في حين كانت احتمالات حدوث زيادة بحلول اجتماع 8 و9 ديسمبر تتجاوز 90 في المائة.

ويعكس تحول التسعير في الأسواق إدراك المستثمرين أن النقاش داخل «الفيدرالي» لم يعد يدور فقط حول المدة التي يجب أن تبقى فيها الفائدة مرتفعة، وإنما حول ما إذا كانت هناك حاجة إلى تشديد إضافي. وكان اجتماع يوليو قد كشف بالفعل عن انقسام متزايد، بعدما عارض ثلاثة من صناع السياسة قرار الإبقاء على الفائدة دون تغيير، مفضلين تشديد السياسة النقدية.

ورغم لهجته الأكثر صرامة، حرص وارش على عدم إلزام البنك المركزي بمسار مسبق. وأكد أن تصريحاته لا ينبغي تفسيرها باعتبارها «توجيهاً مستقبلياً»، كما رفض تقديم ما يسميه المستثمرون «دالة رد فعل» تحدد مسبقاً كيفية استجابة «الفيدرالي» لمختلف البيانات الاقتصادية.

ويرى وارش أن مثل هذه الالتزامات قد لا تكون مناسبة أو قابلة للتطبيق بدقة في بيئة اقتصادية سريعة التغير. لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية أن يحصل البنك المركزي على إشارات سوقية «واضحة وغير مصفاة قدر الإمكان» عند تحديد السياسة النقدية. وتأتي هذه الملاحظة في وقت تحظى فيه العلاقة بين السياسة النقدية وأسواق السندات باهتمام متزايد، إلا أن وارش لم يتطرق مباشرة إلى تدخلات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الأخيرة في الأسواق.

وفي ملف آخر بالغ الحساسية، قال وارش إن توقعات التضخم لا تزال مستقرة في الوقت الراهن، لكنه شدد على ضرورة مراقبتها عن كثب. وأكد أن من مسؤولية «الفيدرالي» منع توقعات المستهلكين والشركات للأسعار من الانفلات؛ لأن فقدان الثقة في قدرة البنك المركزي على إعادة التضخم إلى 2 في المائة قد يجعل المهمة أكثر صعوبة وكلفة.

وهذا ما يجعل بيانات أغسطس (آب) المقبلة حاسمة. فمن المقرر صدور أرقام البطالة ونمو الوظائف والتضخم الاستهلاكي في أوائل سبتمبر، وستشكل آخر مجموعة كبيرة من المؤشرات قبل اجتماع البنك المركزي. فإذا أظهرت البيانات استمرار قوة الاقتصاد وسوق العمل بالتزامن مع ثبات التضخم عند مستويات مرتفعة، فقد تتعزز الحجج المؤيدة لرفع الفائدة إلى نطاق 3.75 إلى 4 في المائة. أما إذا ظهرت علامات واضحة على تباطؤ النشاط أو سوق العمل، فقد يصبح القرار أكثر تعقيداً.

ويبدو أن الرسالة الأساسية من «جاكسون هول» هي أن وارش لا يريد منح الأسواق مساراً مضموناً للفائدة، لكنه في الوقت نفسه لم يعد يخفي قلقه من ضعف التقدم في مكافحة التضخم.

وبين اقتصاد لا يزال متماسكاً، وأسواق ائتمان لا تبدو مقيدة، وتضخم يفوق الهدف منذ أكثر من خمس سنوات، أصبح خيار رفع الفائدة مطروحاً بصورة أكثر وضوحاً. وهكذا ينتقل الاختبار الآن من خطاب «جاكسون هول» إلى بيانات أغسطس. فإذا أكدت الأرقام أن التضخم لا يتحرك نحو 2 في المائة «بسرعة كافية»، فإن عبارة وارش بأن أمام «الفيدرالي عملاً يتعين القيام به» قد تتحول سريعاً من تحذير للأسواق إلى قرار فعلي برفع تكلفة الاقتراض.


مقالات ذات صلة

خطط سعودية لتطوير خط أنابيب «شرق ــ غرب»

الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

خطط سعودية لتطوير خط أنابيب «شرق ــ غرب»

أعلن وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن المملكة تستهدف رفع قدرة تصدير النفط إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً خلال

عبير حمدي (الرياض) دانة الدريس (الرياض)
الاقتصاد سفينة حاويات تبحر عبر قناة السويس (رويترز)

عجز حساب المعاملات الجارية في مصر يبلغ 22.5 مليار دولار

ذكر البنك المركزي المصري، يوم الاثنين، أن عجز حساب المعاملات الجارية بلغ 22.5 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026 مقارنة مع 15.4 مليار دولار في العام السابق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

أوروبا تقيّد السيارات الصينية باتفاق تجاري جديد

دخلت المنافسة بين شركات السيارات الصينية والأوروبية مرحلة جديدة، بعدما توصل «الاتحاد الأوروبي» والصين إلى اتفاق يضع سقفاً لواردات السيارات الهجين الصينية...

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)

الشيخوخة تهدد ربع القوى العاملة في شرق آسيا

حذر صندوق النقد الدولي من أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية قد تفقد ما يصل إلى ربع قواها العاملة بحلول عام 2050، نتيجة تسارع شيخوخة السكان

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد أشخاص يمرون بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)

اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين تنطلق في بانكوك

يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في بانكوك هذا الأسبوع، للمشاركة في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

خطط سعودية لتطوير خط أنابيب «شرق ــ غرب»

الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)
الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

خطط سعودية لتطوير خط أنابيب «شرق ــ غرب»

الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)
الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

أعلن وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن المملكة تستهدف رفع قدرة تصدير النفط إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، عبر تطوير خط أنابيب «شرق - غرب»، وتعزيز البنية التحتية.

وأوضح الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلال افتتاح مؤتمر البترول العالمي الـ25 في الرياض، أن السعودية تستطيع إضافة 1.2 مليون برميل يومياً إلى قدرتها التصديرية خلال سبعة إلى ثمانية أسابيع، عبر تحويل خط أنابيب للغاز إلى نقل الخام مؤقتاً.


«نوبل الاقتصاد» لعالمَيْن أميركيَّيْن

هول وودفورد الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)
هول وودفورد الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)
TT

«نوبل الاقتصاد» لعالمَيْن أميركيَّيْن

هول وودفورد الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)
هول وودفورد الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)

فاز الاقتصاديان الأميركيان روبرت هول ومايكل وودفورد بجائزة «نوبل الاقتصاد» لعام 2026، تقديراً لإسهاماتهما في تعزيز أدوات صانعي السياسات لمواجهة الصدمات الاقتصادية، من خلال تطوير نماذج تساعد على فهم التقلّبات الاقتصادية وتصميم سياسات الاستقرار.

وتركز أعمالهما على دور توقعات الأسر والشركات والأسواق في توجيه الاستهلاك والاستثمار وتحديد الأسعار، بما يساعد البنوك المركزية والحكومات على فهم أثر قرارات السياسة الاقتصادية وتحسين فاعليتها.

ودرس هول العلاقة بين توقعات الدخل والإنفاق الاستهلاكي، فيما أبرز وودفورد دور توقعات الأسواق في تحديد الأسعار وأهمية التواصل بشأن المسار المستقبلي لأسعار الفائدة. وتكتسب هذه المقاربة أهمية في ظل التحديات التي تواجه صانعي السياسات مع تجدد الضغوط التضخمية واضطرابات أسواق الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران.

وتبلغ قيمة الجائزة 12 مليون كرونة سويدية، أي نحو 1.2 مليون دولار.


السوق العربية للكهرباء وتبادل الطاقة على طاولة اجتماع في الرياض

اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)
اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)
TT

السوق العربية للكهرباء وتبادل الطاقة على طاولة اجتماع في الرياض

اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)
اجتماع المجلس الوزاري العربي للكهرباء في الرياض خلال أسبوع الطاقة (الشرق الأوسط)

بحث المجلس الوزاري العربي للكهرباء، في دورته السادسة عشرة التي عُقدت في الرياض، مستجدات السوق العربية المشتركة للكهرباء ومشروعاً تجريبياً لتبادل الطاقة بين الأردن والسعودية ومصر، في إطار جهود تعزيز التكامل الكهربائي بين الدول العربية.

وترأست المملكة الاجتماع، الذي عُقد يوم الاثنين على هامش مؤتمر البترول العالمي، ضمن فعاليات «أسبوع الطاقة في الرياض»، بمشاركة وزراء ومسؤولين وممثلين عن جهات عربية معنية.

كما ناقش المجلس ملفات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، والتعاون في مجال الهيدروجين النظيف، وتبادل الخبرات في اقتصاديات وتقنيات التبريد المناطقي، إلى جانب تطوير البرامج العربية المرتبطة بكفاءة إنتاج الطاقة واستخدامها.

تأتي هذه المناقشات في سياق مساعي تعزيز التعاون العربي في قطاع الكهرباء، ودعم أمن الطاقة وتكامل الشبكات وتبادل الخبرات بين الدول المشاركة.