رجل الدولة الحقيقي لا يقبل أن يقتات على فتات ما ترميه له السلطة. ورجل الدولة حينما يخوض في الشأن العام لا يلتفت يمنة ويسرة، لأنه لا يقول سوى ما يمليه عليه ضميره.
يصف قاموس «أكسفورد» الحديث «statesman» أو «رجل الدولة» بأنه «السياسي المحنك، المهم والخبير، الذي يحظى باحترام الشعب»، ويكفيه ذلك شرفا، لأن احترام شعب بأسره أكثر مصداقية من احترام فرد مستنفع، لا سيما أن هناك فارقا بين الاحترام والخوف، فنحن نحترم الآخر باختيارنا، لكننا لا نملك سهولة التحكم بمشاعر الخوف.
وقد سُمّي «رجل دولة» لأنه دائما مع الدولة، لا يقبل أن يحسب على أفراد في السلطة زائلين، ذلك أن الدولة هي الوجود الدائم، ونحن الوجود الزائل. ولذا، تجده لا يتردد في تقديم مصلحة بلاده على مصالحه الشخصية.
ومن علامات تقدم الدول، كثرة رجال الدولة حول الحاكم ورؤساء الوزراء، وقلة المنافقين والمرتزقة. ولن يدرك الحكام قيمة رجال الدولة، إلا حينما يَرَوْن عاقبة الإنصات إلى نصائح البطانة المتسلقة. ومن المؤلم ألا يدرك الناس رجاحة عقل وخبرات رجل الدولة إلا بعد رحيله، وجني ثمار قراراته ورؤيته الثاقبة. والتاريخ يشهد لهؤلاء الكبار الذين أساء إليهم الناس من قصيري النظر، ولما دبت الفوضى في بلادهم، ووكل الأمر إلى غير أهله، ترحموا عليهم وعلى جيل المخضرمين من أمثالهم. ومهما عرّض أراذل المجتمع برجالاته الفضلاء، فسينصفهم التاريخ لا محالة.
هناك من هم ليسوا رجال دولة بالمعنى السياسي، لكنهم يتصرفون مثلهم.. فكل رجل وامرأة يُمارس أو يضع مصلحة الوطن فوق مآربه الشخصية، ويعمل بإخلاص وتفان، هو في الحقيقة رمز لمصطلح «رجل الدولة»، ويستحق أن يحظى باحترامنا. وكم من امرأة حكيمة وحاذقة وقائدة بمعنى الكلمة توزن بألف «رجل دولة». ورجل الدولة ذلك المثقف أو الإعلامي الرزين، الذي يحمل مشعل تنوير المجتمع بمسؤولية وأمانة ومهنية، وليس على طريقة «ما يطلبه المشاهدون».
باختصار، إن «رجل الدولة» هو من لا يخاف في الله لومة لائم.
12:4 دقيقه
TT
رجل الدولة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
