تطوير الطيران المدني عبر «بوينغ» الأميركية يفجّر جدلاً في ليبيا

وسط أزمات مالية كبيرة ومشاكل تشغيلية متراكمة

من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة الوحدة الليبية وشركة «بوينغ» الأميركية في مايو الماضي (حكومة الوحدة)
من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة الوحدة الليبية وشركة «بوينغ» الأميركية في مايو الماضي (حكومة الوحدة)
TT

تطوير الطيران المدني عبر «بوينغ» الأميركية يفجّر جدلاً في ليبيا

من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة الوحدة الليبية وشركة «بوينغ» الأميركية في مايو الماضي (حكومة الوحدة)
من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة الوحدة الليبية وشركة «بوينغ» الأميركية في مايو الماضي (حكومة الوحدة)

تأثر «الطيران المدني» في ليبيا بحدة الانقسام السياسي والاضطراب الأمني، وتراكم الأزمات منذ عام 2011، ولذلك تسعى حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب البلاد إلى فتح مسار جديد لتطوير القطاع عبر مشروع شركة طيران، بالتعاون مع «بوينغ» الأميركية.

لكن هذا التعاون الليبي - الأميركي يثير جدلاً وتساؤلات حول أولويات الإنفاق في قطاع يعاني أزمات مالية وتشغيلية متراكمة، بينما تواجه شركتا «الخطوط الجوية الليبية» و«الخطوط الجوية الأفريقية» صعوبات في استعادة قدراتهما منذ عام 2011.

ولا تزال نتائج محادثات أجراها رئيس الفريق التنفيذي لمبادرات رئيس الوزراء والمشروعات الاستراتيجية، مصطفى المانع، مع مسؤولين في «بوينغ»، الشهر الماضي، محل اهتمام المعنيين بالقطاع، إذ تناولت احتياجات الأسطول والدعم الفني والتشغيل والتدريب، فضلاً عن دراسة الجدوى، ونموذج التمويل والجوانب التجارية والتنفيذية للمشروع.

غير أن الانتقال من الاتفاقات الأولية، التي بدأت رسميا في مايو (أيار) الماضي، إلى إنشاء شركة جديدة يضع المشروع أمام سؤال يتعلق بمدى قدرة قطاع الطيران الليبي على استيعاب كيان إضافي، في ظل وجود ناقلين حكوميين، يعانيان أعباء مالية وأعطالاً فنية، وتأخراً في مستحقات العاملين.

ويرى خبير النقل الجوي والطيران المدني الليبي، محمد محمد عيسى، أن أولويات حكومة «الوحدة» في هذا القطاع تحتاج إلى مراجعة، عادّاً أن دعم الناقل الوطني وإعادة تأهيله ينبغي أن يتقدما على تأسيس شركة جديدة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الناقل الوطني يؤدي أدواراً تتجاوز الاعتبارات التجارية، بوصفه جزءاً من هوية الدولة، مستشهداً بمساهمته في نقل المواطنين مجاناً خلال أزمة جائحة «كورونا».

وتضم السوق الليبية شركتين حكوميتين رئيسيتين؛ هما «الخطوط الجوية الليبية»، التي أكملت 60 عاماً على تأسيسها هذا الشهر، و«الخطوط الجوية الأفريقية»، التي تأسست عام 2007، إلى جانب شركات خاصة، بدأت تجربتها في عام 2000، من بينها «البراق» و«برنيق» و«الأجنحة»، و«أويا» و«ليبيا للطيران».

عامل أمام إحدى طائرات الخطوط الجوية الليبية (الصفحة الرسمية للشركة)

وتكشف الأرقام جانباً من الأعباء، التي تواجه الناقل الوطني منذ 2011؛ إذ بلغت الديون الداخلية لـ«الخطوط الجوية الليبية» نحو 1.125 مليار دينار، فيما تجاوزت مستحقاتها لدى الغير 60 مليار دينار، وفق تقرير هيئة الرقابة الإدارية لعام 2023. أما «الخطوط الجوية الأفريقية»، فأعلنت سداد نحو 280 مليون دينار من ديون تراكمت بين عامي 2011 و2022.

ويدعو عيسى إلى جعل الأولوية معالجة ديون الشركتين الحكوميتين، وإعادة هيكلتهما، إلى جانب إعادة إصلاح تشغيل الطائرات المتوقفة نتيجة الصراعات التي شهدتها البلاد خلال أكثر من عقد، بما يتيح الاستفادة من الأصول القائمة، بدلاً من إنشاء كيان جديد قبل معالجة الاختلالات الموجودة.

وقبل المحادثات الأخيرة مع «بوينغ»، مرّ الطيران الليبي بمحطات عدة؛ إذ بدأت «الخطوط الجوية الليبية» عملياتها عام 1965 بطائرات «كارافيل» الفرنسية، ثم أدخلت «بوينغ» إلى أسطولها، قبل أن تفرض عقوبات الأمم المتحدة عام 1992، على خلفية قضية لوكربي، قيوداً دفعتها إلى البحث عن بدائل، بينها «إيرباص» الأوروبية التي دخلت الخدمة منذ ذلك الحين، وهو ما يؤكده عيسى.

وهذا التغيير المحتمل سيفرض، حسب عيسى، تغييرات جديدة خاصة بتدريب الطيارين وتأهيلهم على طائرات لم يعتادوا التعامل معها منذ عقود، ولذلك حذر من أن «الاعتماد على الطيارين والمهندسين والخبرات الجاهزة من الخارج قد يوفر حلولاً سريعة، لكنه لا يؤسس صناعة وطنية مستدامة»، داعياً إلى برامج لتأهيل الكوادر الليبية ونقل المعرفة، مع تقديم حوافز للشركات التي تستثمر في تدريب الطيارين والمهندسين.

طائرة تابعة للخطوط الجوية الليبية (الصفحة الرسمية للشركة)

لكن تحديات كوادر الشركتين تبدو أصعب، إذ شهدت الشركتان احتجاجات على تأخر الرواتب والمشكلات التشغيلية. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، طالب حراك موظفي «الأفريقية» بوقف التصرف في أصول الشركة وتغيير إدارتها، ومحاسبة المسؤولين، بالتزامن مع تأخر مستحقات العاملين لأكثر من خمسة أشهر، والإعلان عن التوجه إلى وقف العمليات التشغيلية بالكامل.

ويرى الناشط الليبي محمد الشحومي أن النقاش بشأن الشركة الجديدة ينبغي ألا يأتي على حساب معالجة أوضاع الناقلين القائمين والعاملين فيها، مشيراً إلى أن الشركتين تمثلان مؤسستين ارتبط بهما النقل الجوي الليبي لعقود، وتضررتا جراء الحروب والانقسام السياسي، والأضرار التي لحقت بالطائرات والمطارات.

طائرة تابعة للخطوط الجوية الأفريقية (الصفحة الرسمية للشركة)

ويؤكد الشحومي لـ«الشرق الأوسط» أن المطالبة بإنقاذ الناقل الوطني لا تعني حماية ما يصفها بـ«إدارات فاشلة أو التغاضي عن الفساد»، بل تستدعي إصلاح المؤسستين، ومحاسبة المسؤولين وتطوير أدائهما، محذراً من أن تؤدي معالجة الأزمات إلى إضعافهما بدلاً من إعادة بنائهما.

في المقابل، هناك من ينظر إلى التعاون مع «بوينغ» من منظور آخر، إذ ركز الإعلامي الاقتصادي أحمد السنوسي على مصادر تمويل المشروع، متسائلاً عن «احتمال استخدام الأموال الليبية المجمدة في الخارج لتمويله»، وهي فرضية لم تؤكدها الحكومة في البيانات المنشورة بشأن المشروع، ولم ترد الحكومة على هذه التساؤل حتى الآن.

وسبق أن وقّع وزير المواصلات بحكومة «الوحدة»، محمد سالم الشهوبي، في مايو (أيار) الماضي مذكرة تعاون استراتيجي مع «بوينغ»، خلال زيارة وفد حكومي ليبي إلى الولايات المتحدة، بهدف تحديث أسطول الطيران، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون الفني والتقني، وفق المعايير الدولية.


مقالات ذات صلة

ترمب يدافع عن سياساته صباح انتخابات التجديد النصفي... «أعدنا بناء أميركا»

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدّث في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض يوم 30 أكتوبر 2026 في العاصمة واشنطن (أ.ب)

ترمب يدافع عن سياساته صباح انتخابات التجديد النصفي... «أعدنا بناء أميركا»

دافع ترمب عن سياساته بشأن الهجرة وإيران والرسوم الجمركية صباح انتخابات التجديد النصفي، وسط توقعات بخسارة الجمهوريين مجلس النواب ومنافسة محتدمة على مجلس الشيوخ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

مسؤولون: تبادل المعلومات المخابراتية الأميركية تعثر في عهد ترمب

كشف مسؤولون أن تبادل المعلومات المخابراتية الأميركية مع الكونغرس وأجهزة الحكومة الاتحادية بشأن إيران والتهديدات العالمية الأخرى تباطأ بل وتوقف مؤقتاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يجتمع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (رويترز)

ترمب: سنتوقف عن دفع أموال لإسرائيل بعد نهاية العام

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه توصل إلى اتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ‌بنيامين نتنياهو، وأن واشنطن ‌لن ⁠تواصل تقديم التمويل لإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سيدة تدلي بصوتها في مركز اقتراع ببروكلين (رويترز) p-circle

الجمهوريون يستبقون الانتخابات بـ«حرب اتهامات» حول الخسائر المحتملة

كشف تقرير صحافي أن قادة الحزب الجمهوري يستعدّون لاحتمالات تكبد خسائر كبيرة في انتخابات التجديد النصفي وأنهم بدأوا بالفعل «معركة كبرى» لتبادل الاتهامات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عبدول السيد المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي ينحني للحضور أثناء مغادرته مسرح «ماجستيك» بمدينة ديترويت في ولاية ميشيغان (د.ب.أ)

سباق «التجديد النصفي»: استطلاعات الرأي تُرجح تقدم عبدول السيد على مايك روجرز بميشيغان

يتقدم المرشح الديمقراطي عبدول السيد على منافسه الجمهوري مايك روجرز في ولاية ميشيغان، وفقاً لاستطلاعات الرأي الحديثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصر والبحرين تؤكدان دعم جهود حل الأزمة الإيرانية سلمياً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى في العلمين أغسطس الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى في العلمين أغسطس الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر والبحرين تؤكدان دعم جهود حل الأزمة الإيرانية سلمياً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى في العلمين أغسطس الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى في العلمين أغسطس الماضي (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر والبحرين «ضرورة خفض التوتر الإقليمي الراهن»، وكذا «دعم الجهود الرامية لإيجاد حل سلمي للأزمة الإيرانية وتجنب التصعيد بما يحول دون التأثير على استقرار المنطقة».

وجدد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه من عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة، مساء الثلاثاء، «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار مملكة البحرين الشقيقة، وسائر الدول الخليجية الشقيقة»، مؤكداً على أن «أمن الدول العربية يعد جزءاً من الأمن القومي المصري».

وبحسب إفادة للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي تناول الاتصال الهاتفي العلاقات الأخوية المتميزة التي تجمع بين مصر والبحرين، وأشار الرئيس السيسي إلى أهمية مواصلة العمل على تطويرها والارتقاء بها في مختلف المجالات، وبالأخص في المجالات التجارية والاستثمارية.

من جانبه، أشاد ملك البحرين بالعلاقات الراسخة والممتدة التي تجمع البلدين الشقيقين، لافتاً في هذا الإطار إلى أهمية تعميق التعاون الثنائي بين البلدين، بما يحقق تطلعات الشعبين الشقيقين نحو المزيد من التقدم والرخاء.

وتم الاتفاق خلال الاتصال على تكثيف التشاور والتنسيق السياسي القائم بين مصر والبحرين من أجل دعم مساعي الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليميين.

وتجدِّد مصر بشكل متكرر تضامنها الكامل مع دول الخليج الشقيقة ووقوفها إلى جانبها في مواجهة كل ما يمس أمنها وسلامة أراضيها. كما تؤكد على «رفض أي اعتداءات تستهدف المساس بسيادة دول الخليج واستقرارها».

في غضون ذلك، أكد السيسي «ضرورة التزام جميع الأطراف بتنفيذ اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، بما في ذلك عبر تيسير نفاذ المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، وسرعة البدء في مرحلة إعادة إعمار القطاع».

وشدد خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب، مساء الثلاثاء، على أنه «لا يوجد سبيل لتحقيق السلام الدائم في المنطقة إلا بتهيئة المجال لعملية سياسية جادة تفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وفق مقررات الشرعية الدولية، وبناءً على حل الدولتين».

وجددت مصر مراراً التأكيد على أهمية الحفاظ على مقومات الدولة الفلسطينية ودعم مؤسسات السلطة. وتشدد على أهمية مواصلة الجهود المبذولة لتنفيذ استحقاقات خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشاملة للسلام في قطاع غزة. وتتضمن «خطة ترمب» 20 نقطة لإنهاء الصراع في غزة، وتنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، والحكم التكنوقراطي، وإعادة الإعمار، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع.

الرئيس السيسي أكد أن أمن الدول العربية يعد جزءً من الأمن القومي المصري (الرئاسة المصرية)

وتناول الاتصال الهاتفي بين السيسي وستوب، مساء الثلاثاء، التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وأشار الرئيس المصري إلى الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر، بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية، من أجل خفض التوتر الإقليمي الراهن، والدفع بأهمية قيام جميع الأطراف بمنح الفرصة للتفاهم والحوار، وذلك بهدف التوصل إلى توافق سياسي يُنهي الأزمة الراهنة ويجنب المنطقة المزيد من انعدام الاستقرار.

فيما أعرب الرئيس الفنلندي عن تقديره للجهود التي تبذلها مصر من أجل تيسير التوصل إلى حل سياسي للأزمة الراهنة وخفض التصعيد، لافتاً إلى اتفاقه مع ما ذكره الرئيس السيسي من ضرورة دعم جهود الوسطاء في تهيئة المجال للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة وتجنيب منطقة الشرق الأوسط والعالم تداعيات عدم الاستقرار.

ووفق المتحدث الرئاسي، مساء الثلاثاء، فإن الرئيسين تناولا كذلك مستجدات الأزمة الأوكرانية، حيث تم التأكيد على «ضرورة العمل الحثيث على سرعة التوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة». أيضاً تناول الاتصال مجمل العلاقات الثنائية بين مصر وفنلندا، وأهمية مواصلة تطوير وتعزيز هذه العلاقات في مختلف المجالات.


برلمان الجزائر يبحث موازنة ضخمة وسط تحفظات شديدة

الفريق الحكومي في المقدمة مع النواب خلال مناقشة الخطة المالية السنوية (البرلمان)
الفريق الحكومي في المقدمة مع النواب خلال مناقشة الخطة المالية السنوية (البرلمان)
TT

برلمان الجزائر يبحث موازنة ضخمة وسط تحفظات شديدة

الفريق الحكومي في المقدمة مع النواب خلال مناقشة الخطة المالية السنوية (البرلمان)
الفريق الحكومي في المقدمة مع النواب خلال مناقشة الخطة المالية السنوية (البرلمان)

بدأ النواب في الجزائر، منذ يوم الاثنين، مناقشة «مشروع قانون المالية لسنة 2027»، وسط تحفظات شديدة على النص، تتلخص في 5 مسائل أساسية: انعكاس مراجعة أسعار الوقود على معيشة المواطنين، وتبعية الميزانية لإيرادات المحروقات، وتوسيع الضغط الجبائي وفرض رسوم إضافية، ومحدودية أثر الإعفاءات والتخفيضات الجبائية على القدرة الشرائية، وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي مع توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج.

تطرح مناقشة «مشروع قانون المالية»، التي ستتواصل حتى الخميس، ملاحظات وتحفظات اقتصادية ومالية، توقف عندها أعضاء «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) في تدخلاتهم، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على الاقتصاد الوطني، والقدرة الشرائية للمواطنين، ومناخ الاستثمار.

وزير المالية خلال عرض «قانون موازنة 2027» (البرلمان)

وقبل انطلاق هذه المناقشة أعدت «لجنة المالية والميزانية» في البرلمان مقترحات لتعديلات جوهرية على المشروع، يتضمن بعضها استحداث أحكام جديدة. ومن بين التدابير المقترحة تأطير أسعار الوقود، حيث اقترح أعضاؤها إخضاع أي زيادة فيها للموافقة المسبقة من البرلمان، من خلال تعديل «المادة218» من مشروع القانون التي تمنح الحكومة حق زيادة أسعار الوقود ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2027.

* جدل أسعار الوقود

تكمن الإشكالية بهذا الشأن في أن أي زيادة في أسعار الوقود قد تنعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، بما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات، ويؤثر بالتالي على القدرة الشرائية للمواطنين، حتى في ظل استمرار الدعم الحكومي.

ويرى أصحاب هذا المقترح أن كل إجراء من شأنه رفع الضرائب أو الرسوم يجب أن يخضع لدراسة البرلمان. ويهدف هذا التوجه، وفق التقرير التمهيدي لـ«مشروع قانون المالية»، إلى تعزيز الرقابة البرلمانية على كل التدابير التي يترتب عليها رفع الضرائب أو الرسوم.

غير أن هذا المقترح يطرح إشكالاً قانونياً؛ وفق قطاع من النواب، يتعلق بمدى انسجامه مع أحكام «قانون المحروقات»، الذي يمنح «سلطة ضبط المحروقات» صلاحيات في مجال تحديد أسعار المنتجات البترولية.

وزير المالية (وسط) خلال مناقشة «قانون موازنة 2027» (البرلمان)

كما اقترحت «لجنة المالية» البرلمانية تحفيز عودة كفاءات وأبناء الجالية الجزائرية من الخارج نهائياً، عبر استحداث نظام جمركي خاص يسهل نقل استثماراتهم وأنشطتهم الاقتصادية إلى الجزائر. وتمنح «الآلية المستحدثة (المادة 169 مكرر)» حقَّ استيراد المعدات والتجهيزات المهنية، مع الإعفاء التام من الضريبة والحقوق الجمركية، وفق اشتراطات محددة، تشمل الإقامة في الخارج مدة لا تقل عن 3 سنوات متتالية، وممارسة النشاط سنتين حداً أدنى، وتثبيت التسجيل التجاري محلياً، مع حظر التصرف في المعدات المستوردة لمدة 5 سنوات.

من جهة أخرى، لا تزال مسألة التبعية للمحروقات في تمويل الميزانية تطرح نفسها بقوة، رغم الخطاب الرسمي بشأن تنويع الاقتصاد الوطني، حيث لا تزال موارد الدولة مرتبطة بدرجة مهمة بتقلبات أسواق النفط والغاز. وهذه القضية طُرحت في النقاشات بالبرلمان، وتتعلق بمدى واقعية التقديرات المالية وقدرتها على الصمود في حال تراجع أسعار المحروقات. كما طرحت إشكالية بطء تنويع مصادر الإيرادات، خصوصاً الجباية خارج المحروقات، وضرورة إيجاد موارد بديلة ومستدامة، تسمح بتقليص هشاشة المالية العمومية أمام التقلبات الخارجية.

* مخصصات دعم تتجاوز 17.7 مليار دولار

خلال عرضه مشروع القانون، أكد وزير المالية، محمد الأمين لبّو، أن الحكومة تتوقع تحقيق نمو اقتصادي نسبته 4.2 في المائة بنهاية سنة 2027، مع تسجيل إيرادات ميزانية تفوق 9.251.1 مليار دينار (نحو 68.2 مليار دولار)، مقابل نفقات تقدر بـ17.251.6 مليار دينار (نحو 127 مليار دولار) بوصفها مبالغَ مرصودة للتعهد بالنفقات، و17.882.6 مليار دينار (نحو 131.7 مليار دولار) بوصفها مبالغ مخصصة لتسديد النفقات فعلياً.

ترقب ارتفاع أسعار مشتقات النفط في مطلع 2027 (الشرق الأوسط)

وأوضح الوزير أن إعداد المشروع «تم في ظل وضع دولي يتسم بعدم الاستقرار؛ نتيجة التوترات الجيوسياسية، واستمرار التضخم، وتقلبات أسواق الطاقة»، مشيراً إلى أنه يرتكز على 8 محاور أساسية، منها تشجيع الاستثمار المنتِج، وتوسيع الوعاء الجبائي، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الشفافية الجبائية، ومكافحة الغش والتهرب الضريبي، إلى جانب تدابير جمركية، وأخرى تتعلق بأملاك الدولة.

وبشأن القدرة الشرائية، أعلن الوزير عن تمديد الإعفاء من الرسم على القيمة المضافة حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2029، بالنسبة إلى عدد من المواد الغذائية، تشمل البقولَ الجافة، والخضراوات والفواكه الطازجة المنتجة محلياً، والبيضَ الموجه للاستهلاك، والدجاجَ والديك الرومي المحليين.

وأكد الوزير أن هذا الإجراء يندرج ضمن جهود الدولة لحماية القدرة الشرائية، كما شدد على أن المشروع لا يتضمن أي زيادات ضريبية.

نواب يستمعون عرض وزير المالية بشأن «مشروع قانون الموازنة» (البرلمان)

وبخصوص حصيلة سنة 2026، أشار لبّو إلى أن النمو الاقتصادي المتوقع سيبلغ نحو 4.3 في المائة، مدفوعاً أساساً بنمو القطاعات خارج المحروقات بنسبة 4.8 في المائة، فيما يُتوقع أن يسجل قطاع المحروقات نمواً إيجابياً بنسبة واحد في المائة. كما ستتجاوز إيرادات الميزانية 8.611 مليار دينار (نحو 63.4 مليار دولار)، مقابل نفقات تفوق 17.636 مليار دينار (نحو 130 مليار دولار).


تجدد المعارك البرية في النيل الأزرق وكردفان

مبنى متضرر جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)
مبنى متضرر جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

تجدد المعارك البرية في النيل الأزرق وكردفان

مبنى متضرر جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)
مبنى متضرر جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)

تجددت المعارك البرية الضارية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» وحلفائهما في إقليمي النيل الأزرق وكردفان، في حين أعلن «تحالف السودان التأسيسي» (تأسيس) الذي يضم «الدعم السريع»، الثلاثاء، أنه سيطر على قاعدة للجيش في بلدة سالي الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا.

وفي شمال كردفان، أعلن «تجمع قوى تحرير السودان» مقتل قائد عمليات القوة المشتركة بمحور شمال كردفان، فيما قال الجيش إنه أوقع خسائر في صفوف «الدعم السريع» خلال عمليات في ولاية غرب كردفان المجاورة.

وتقع بلدة سالي على بعد نحو 25 كيلومتراً إلى الشمال من مدينة الكرمك الحدودية، قرب الشريط الحدودي مع إثيوبيا والدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق. ويعطيها موقعها أهمية ترتبط في تحكمها بحركة القوات والإمدادات بين الكرمك وداخل الإقليم.

وخلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، شهدت منطقة سالي هجمات متكررة من «الدعم السريع»، وقال الجيش إنه صد عدداً منها.

غموض حول بكوري

وذكر تحالف «تأسيس»، في بيان، أن قواته أسرت عناصر من الجيش واستولت على أسلحة ومعدات خلال هجوم الثلاثاء، وذلك بعد يوم من إعلان الفرقة الرابعة مشاة الدمازين التابعة للجيش أن قواتها صدت هجمات شنها «الدعم السريع» ومقاتلون من «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال» على مواقع للجيش في سالي بمحلية الكرمك وفي بكوري بمحلية قيسان.

ونشرت منصات موالية لـ«قوات الدعم السريع»، الاثنين، مقاطع فيديو أظهرت استعادتها بلدة بكوري، بينما اقتصر بيان «تأسيس» على الحديث عن قاعدة سالي، ما جعل الوضع العسكري في بكوري غير واضح.

أطفال سودانيون فروا مع عائلاتهم جراء العنف بمدينة الفاشر يجلسون وسط مخيم للنازحين (أرشيفية - رويترز)

وتضم بكوري اللواء 13 مشاة التابع للفرقة الرابعة، وتبعد نحو 70 كيلومتراً إلى الشرق من الدمازين. وكان الجيش قد أعلن في 22 أكتوبر الماضي استعادة هذه البلدة.

ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من السيطرة على قاعدة سالي أو من الخسائر التي أعلنها الطرفان؛ فيما ظل الوضع في بكوري غامضاً؛ إذ لم تشر «الدعم السريع» أو «تأسيس» إلى الاستيلاء عليها، بينما أعلنت منصات الجيش صد الهجوم عليها أمس.

هجمات كردفان

في شمال كردفان، أعلن «تجمع قوى تحرير السودان» مقتل قائد عمليات القوة المشتركة بمحور كردفان، العميد هارون مرسال صديق هارون أبوتكة، في منطقة أم شعيرة، بالتزامن مع معارك حول مدينة المزروب.

وقالت منصات «قوات الدعم السريع» إنها أوقعت خسائر كبيرة في صفوف القوات المهاجمة التي شاركت فيها القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش. ولم يتسن التأكد من حجم الخسائر.

وفي غرب كردفان، قال الجيش إن قواته أوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوف «الدعم السريع». وذكرت قوات العمل الخاص التابعة للجيش أنها نفذت، بمشاركة القوة المشتركة وتشكيلات أخرى، عملية في محلية الخوي، أسفرت بحسب روايتها عن مقتل عدد من مقاتلي «الدعم السريع»، وتدمير مركبات قتالية والاستيلاء على أخرى.

ولا يمكن التحقق فعلياً من روايات طرفي الحرب السودانية؛ إذ دأب كل منهما، ومنذ الأيام الأولى لاندلاع القتال، على التقليل من خسائره، وتضخيم خسائر الطرف الآخر، دون إتاحة الفرصة لجهات مستقلة للتحقق من المزاعم.

«حرب المُسيرات»

وفي سياق حرب المُسيرات، أفاد شهود عيان بأن طائرات مسيرة يرجح أنها لـ«قوات الدعم السريع» استهدفت محطتي وقود، إحداهما في مدينة المتمة بولاية نهر النيل، والأخرى في العباسية بولاية جنوب كردفان.

وأفاد شهود بسقوط عدد من القتلى المدنيين جراء العملية، دون أن يتسنى التحقق من إحصاءاتهم.

وتصاعدت في الأسابيع الأخيرة عمليات المُسيرات، وتركزت الضربات - التي استمرت حتى الثلاثاء - على منشآت الكهرباء والوقود والأسواق والبني التحتية.

ومنذ مطلع الشهر الماضي، استهدفت طائرات مسيرة يرجح أنها لـ«قوات الدعم السريع» 19 محطة كهرباء ووقود في عشر ولايات، شملت مدن الخرطوم، وشندي، والدبة، وأبو حمد، وأم دباكر، والمتمة، والعباسية وغيرها، إضافة إلى ضربات استهدفت سوق أبيي وغرب كردفان ونيالا، اتهمت «الدعم السريع» قوات الجيش بشنها.