لم تكن حادثة تحطم طائرة «ليون إير» في بحر جاوة الإندونيسي، ولا سقوط طائرة الخطوط الإثيوبية بعدها بأشهر قليلة، مجرد حوادث عابرة في تاريخ الطيران المعاصر، بل كانتا بداية تهاوي عرش عملاق صناعة الطائرات الأميركي «بوينغ» واهتزاز ثقة العالم في سلامة أجوائه.
ورغم أن فيلم Downfall الصادر عام 2022 وثّق جشع الشركة الذي تسبب في مقتل مئات الأبرياء، إلا أن المخرجة روري كينيدي تعود لتنبش في الجرح ذاته بوثائقي جديد يحمل اسم Freefall: A Reckoning for Boeing («سقوط حر: حساب بوينغ»)، لتكشف عبر فصوله المثيرة أن الكارثة لم تنتهِ، وأن الوعود البراقة بالإصلاح الهيكلي لم تكن سوى حبر على ورق تساقطت أجزاؤه مع أول اختبار حقيقي في الجو.
يُعرض الوثائقي عبر منصة نتفليكس الرقمية وهو متاح لجمهور واسع من المشتركين حول العالم الذين يتابعون عن كثب تطورات قضية السلامة الجوية لشركة «بوينغ».
معركة يائسة في مقصورة بحر جاوة
في التاسع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) لعام 2018، كانت طائرة «بوينغ 737 ماكس 8» التابعة لشركة «ليون إير» تشق طريقها فوق مياه بحر جاوة قبالة السواحل الإندونيسية، قبل أن يدخل قائدها ومساعده في معركة ضارية مع المقود دامت ثلاث عشرة دقيقة فقط بعد الإقلاع.
تلقى نظام الطائرة إشارات خاطئة من مستشعر خارجي، ليتدخل تلقائياً نظام برمجي سري استحدثته «بوينغ» ويُدعى «MCAS» لدفع مقدمة الطائرة نحو الأسفل بعنف دون علم الطاقم.
تكررت المحاولات الآلية لإجبار الطائرة على الهبوط وسط ذهول الطيارين، حتى انتهى الصراع بارتطام عنيف بالبحر حصد أرواح 189 شخصاً، معلناً بداية فخ تكنولوجي قاتل معلق بين السماء والأرض.
المأساة الاستنساخية فوق هضاب إثيوبيا
ولم يكد قطاع الطيران يستفيق من صدمة بحر جاوة، حتى تكرر السيناريو المرعب بدقة هندسية مفجعة في العاشر من مارس (آذار) لعام 2019.
فبعد ست دقائق فقط من إقلاع رحلة «الخطوط الإثيوبية 302» من أديس أبابا، انطلقت برمجية «MCAS» الخفية لتباشر عملها القاتل في توجيه ذيل الطائرة نحو الأرض إثر تلف فوري في المستشعر.
بذل الطاقم جهداً جباراً لتعطيل الأنظمة الكهربائية والاعتماد على التحكم اليدوي، إلا أن السرعة الهائلة جعلت تعديل المسار مستحيلاً، لتهوي الطائرة رأسياً في حقل زراعي ببلدة بيشوفتو مخلّفة 157 قتيلاً من 35 جنسية، ومثيرة موجة غضب دولي عارمة أدت إلى قرار تاريخي بوقف تحليق الطراز عالمياً لسنوات.
صيحات تحذير من داخل القلعة
تروي كينيدي لصحيفة تايم الأميركية أن دافعها لإنتاج هذا الجزء الثاني وهو الأول في مسيرتها المهنية كصانعة أفلام وثائقية، جاء بعد أن تواصل معها «مبلغون عن المخالفات» من داخل الشركة ليزيحوا الستار عن خبايا مصانع التجميع. هؤلاء أكدوا لها أن الأوضاع المهنية داخل مصانع «بوينغ» لم تتحسن بل تدهورت بشكل مخيف بفعل سياسات تعظيم الأرباح.
ولم يتأخر الوقت حتى تجلت هذه التحذيرات للعلن في مطلع عام 2024، حين عاش ركاب طائرة تابعة لشركة «ألاسكا إيرلاينز» دقائق من الرعب المحض بعد انفصال سدادة مخرج طوارئ الطائرة في منتصف الرحلة نتيجة عيوب تصنيعية ناجمة عن تقليص النفقات وضغط جدول الإنتاج.
لغز الموت الغامض لجون بارنيت
يحتل الراحل جون بارنيت، مدير مراقبة الجودة السابق في «بوينغ»، قلباً ناقداً وخيطاً درامياً حزيناً في سياق هذا الوثائقي الجديد.
بارنيت الذي قضى أكثر من ثلاثة عقود في رصد إهمال الشركة وتوثيقه، وُجد ميتاً بطلق ناري داخل شاحنته في مارس (آذار) لعام 2024، تزامناً مع إدلائه بشهادة قانونية مطولة ومواجهته لضغوط هائلة من محامي الدفاع التابعين للمؤسسة.
ورغم أن التحقيقات الرسمية اعتبرت الحادثة انتحاراً، إلا أن رسالته الأخيرة التي خط فيها جملة «آمل أن تدفع بوينغ الثمن» تركت تساؤلات معلقة في الفضاء العام حول المسؤولية المعنوية للشركة عن تصفيته النفسية.
وهم البورصة وتلاشي ثقافة السلامة
يأخذ الفيلم المشاهد في رحلة تاريخية توضح كيف تحولت «بوينغ» من صرح هندسي عظيم يعتمد على الدقة وحق الفيتو للمفتشين الفنيين، إلى شركة مهووسة بإرضاء وول ستريت والمساهمين بعد اندماجها مع «ماكدونيل دوغلاس» عام 1997.
وتجلى هذا التحول الصادم في مصنع ولاية كارولاينا الجنوبية المخصص لإنتاج طائرات «787 دريملاينر»، حيث جرى الاعتماد على مصادر خارجية رخيصة، مما أسفر عن كوارث هندسية مخفية داخل قمرة التصنيع وتجاوزات متعمدة لأعطال الأنابيب والأسلاك الكهربائية، لدرجة أن عمال المصنع أنفسهم كانوا يمزحون في تسجيلات سرية بأنهم لن يجرؤوا يوماً على ركوب الطائرات التي يصنعونها بأيديهم.

معركة إنسانية ضد غول الشركات
لا يكتفي الوثائقي برصد الجوانب التقنية الباردة، بل يسلط الضوء على البعد الإنساني المتمثل في أهالي الضحايا الذين رفضوا التسويات المالية وحملوا صور ذويهم إلى قاعات مجلس الشيوخ للمطالبة بمحاسبة جنائية تحمي ركاب المستقبل.

تبرز في هذا الصدد شخصية ناعومي كونولي رايان، أرملة أحد موظفي الأمم المتحدة في الحادث الإثيوبي، والتي قادت حراكاً قانونياً شرساً ضد إخفاء نظام الطيران الموجه، حتى نالت حكماً قضائياً بتعويض مدني ضخم.
تختتم كينيدي وثائقيّها بصرخة تحذيرية حول واقع مرير تشهده الرأسمالية المعاصرة، حيث تنهار المؤسسات الصناعية العريقة وتتعرض حياة البشر للتهديد، لمجرد صعود ثلة من المديرين التنفيذيين إلى قائمة أثرياء العالم على حساب النزاهة وحرمة الأرواح.
