رحيل الأمين خليفة فحيمة... قصة الليبي الذي نجا من مقصلة قضية لوكربي

من مدرجات مطار مالطا إلى قفص الاتهام الدبلوماسي في تفجير طائرة «بان أميركان» رقم 103

صورة تجمع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وإلى جواره (الثاني من اليسار) الأمين خليفة فحيمة، وذلك فور وصول الأخير إلى العاصمة طرابلس غداة تبرئته قطعيّاً من قضية تفجير الطائرة (طرابلس 1 فبراير 2001) (غيتي)
صورة تجمع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وإلى جواره (الثاني من اليسار) الأمين خليفة فحيمة، وذلك فور وصول الأخير إلى العاصمة طرابلس غداة تبرئته قطعيّاً من قضية تفجير الطائرة (طرابلس 1 فبراير 2001) (غيتي)
TT

رحيل الأمين خليفة فحيمة... قصة الليبي الذي نجا من مقصلة قضية لوكربي

صورة تجمع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وإلى جواره (الثاني من اليسار) الأمين خليفة فحيمة، وذلك فور وصول الأخير إلى العاصمة طرابلس غداة تبرئته قطعيّاً من قضية تفجير الطائرة (طرابلس 1 فبراير 2001) (غيتي)
صورة تجمع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وإلى جواره (الثاني من اليسار) الأمين خليفة فحيمة، وذلك فور وصول الأخير إلى العاصمة طرابلس غداة تبرئته قطعيّاً من قضية تفجير الطائرة (طرابلس 1 فبراير 2001) (غيتي)

في الخامس والعشرين من أغسطس (آب) 2026، وفي زاوية هادئة من العاصمة الليبية طرابلس، انطفأت بهدوء شمعة حياة المواطن الليبي الأمين خليفة فحيمة عن عمر ناهز 70 عاماً.

وبوفاته، تُطوى رسمياً واحدة من أكثر الصفحات غموضاً وإثارة في تاريخ الصراع الدبلوماسي والاستخباراتي بين الشرق والغرب، وتُغلق حلقة حية من فصول قضية تفجير طائرة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن فوق بلدة لوكربي الإسكوتلندية عام 1988، الحادثة التي غيرت مجرى السياسة الدولية لعقود.

طوال عقد كامل من الزمان، كان اسم هذا الرجل، الذي بدأ حياته موظفاً بسيطاً في خطوط الطيران، يتردد في أروقة مجلس الأمن الدولي، وتتصدر صورته شاشات التلفزة العالمية وصحف العقود الماضية بصفته «المتهم الثاني» في أبشع عمل إرهابي جوي شهده القرن العشرون.

لقد كان فحيمة شريكاً رغماً عنه في ملحمة قانونية وسياسية فريدة من نوعها، تحولت فيها تفاصيل حياته اليومية في جزيرة مالطا محور اتهام دولي كاد أن يعصف بدولة بأكملها، قبل أن يقف بثبات خلف زجاج «محكمة معسكر زايست» التاريخية في هولندا ليسمع بأذنيه كلمة «بريء» تنطق بها العدالة الاسكوتلندية مطلع الألفية الجديدة، ليعود إلى بلاده حاملاً صك براءة عجزت السياسة عن منحه إياه لسنوات.

وجاء رحيله ليعيد فتح دفاتر الذكريات الساخنة لحقبة الحصار الخانق والعقوبات الدولية، مذكراً العالم بقصة رجل عاش في قلب العاصفة، ومات في سكون العزلة التامة بعيداً عن صخب السياسة التي كادت أن تبتلعه.

المواطن الليبي الأمين خليفة فحيمة (ويكيبيديا)

البدايات المنسية: من طرابلس إلى مطار لوقا

وُلِد الأمين خليفة فحيمة عام 1956 في منطقة سوق الجمعة بضواحي العاصمة الليبية طرابلس. وتدرج في مسيرته المهنية حتى التحق بشركة الخطوط الجوية العربية الليبية. وفي منتصف الثمانينات، أُرسل للعمل مسؤولاً ومرحلاً جوياً ومديراً لمحطة الشركة في مطار لوقا بدولة مالطا. كانت هذه الوظيفة تبدو روتينية للموظف الشاب، لولا تقاطعها مع الصراع الاستخباراتي المحموم الذي كان يدور على ضفاف البحر الأبيض المتوسط بين النظام الليبي السابق والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

الأمين خليفة فحيمة بعد صلاة الجمعة (2 فبراير/شباط 2001) في مسجد سوق الجمعة بطرابلس، ليبيا (غيتي)

ولم يكن يعلم فحيمة حينها أن توقيعه على مستندات الشحن ومواعيد نوباته في هذا المطار المتوسطي ستتحول لاحقاً المادة الأساسية التي استندت إليها لائحة الاتهام الدولية التي صاغها كبار المحققين في واشنطن ولندن.

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيفية - الشرق الأوسط)

ليلة سقوط الطائرة وبداية العاصفة الدولية

في الحادي والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 1988، انشقت السماء فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية إثر انفجار طائرة «بوينغ 747» التابعة لشركة «بان أميركان» (الرحلة 103) وهي في طريقها من فرانكفورت إلى نيويورك؛ ما أسفر عن مقتل 270 شخصاً.

وبعد ثلاث سنوات من التحقيقات المشتركة المعقدة بين مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) والشرطة الاسكوتلندية، وُجهت أصابع الاتهام رسمياً في نوفمبر (تشرين الثاني) 1991 إلى عنصرين ليبيين: عبد الباسط المقرحي، والأمين خليفة فحيمة. وعدَّت التحقيقات الغربية وقتها أن فحيمة استغل منصبه وعلاقاته في مطار مالطا لتسهيل تمرير حقيبة سامسونيت البنية الملغومة، التي حوت قنبلة موقوتة مخبأة داخل جهاز تسجيل، لتدخل على متن رحلة تابعة للخطوط الليبية متجهة إلى فرانكفورت ومنها إلى طائرة «بان أميركان» المنكوبة.

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

تسليم تاريخي ومحاكمة في أرض محايدة

رفضت طرابلس في البداية تسليم مواطنيها؛ ما أدخل البلاد تحت طائلة عقوبات دولية صارمة وحصار جوي واقتصادي فرضه مجلس الأمن الدولي عام 1992.

وعاشت ليبيا عقداً من العزلة الشديدة والشلل الاقتصادي، حتى أثمرت الجهود الدبلوماسية الشاقة التي قادتها أطراف عربية وأفريقية، عن صياغة تسوية قانونية وتاريخية فريدة.

تمثلت هذه التسوية في موافقة ليبيا بموجبها على تسليم المتهمين عام 1999 لمحاكمتهما أمام محكمة اسكوتلندية خاصة، ولكن على أرض محايدة في «معسكر زايست» (قاعدة عسكرية أميركية سابقة) بالقرب من أوترخت في هولندا، وتحت مظلة القانون الجنائي الاسكوتلندي.

المتهم في تفجير لوكربي، الأمين خليفة فحيمة (في المنتصف)، يلوح بيده أثناء وصوله ليلقى استقبال الأبطال في العاصمة الليبية طرابلس في 1 فبراير 2001، وذلك بعد يوم واحد من تبرئته في محاكمة تفجير لوكربي (غيتي )

صدمة «كامب زايست»: البراءة التاريخية والعودة

في الحادي والثلاثين من يناير (كانون الثاني) عام 2001، حبس العالم أنفاسه مع نطق القضاة الاسكوتلنديين بالحكم الذي انتظره الملايين. وفي حين أُدين رفيقه عبد الباسط المقرحي بالسجن المؤبد، قضت المحكمة بـبراءة الأمين خليفة فحيمة قطعيّاً من جميع التهم المنسوبة إليه، وأمرت بإطلاق سراحه فوراً من خلف القفص الزجاجي المضاد للرصاص.

المتهم الرئيسي في تفجير الطائرة المواطن الليبي عبد الباسط المقرحي (أرشيفية - أ.ف.ب)

واستند القضاة في تبرئته إلى عدم كفاية الأدلة، ووجود ثغرات جوهرية في رواية الشهود (ولا سيما تاجر الملابس المالطي توني غوتشي)، فضلاً عن إثبات الدفاع بشكل قاطع أن فحيمة لم يكن موجوداً في مالطا، بل كان في السويد برحلة عمل وقت شحن الحقيبة المفخخة.

العزلة الاختيارية حتى الرمق الأخير

عاد فحيمة عقب تبرئته مباشرة إلى ليبيا، حيث استُقبل في طرابلس استقبال الأبطال على المستويين الرسمي والشعبي، بصفته دليلاً حياً قدمه القضاء الغربي نفسه على براءة الدولة الليبية من الرواية الأميركية الكاملة.

الأمين خليفة فحيمة (وسط) يستقبل المصلين بعد صلاة الجمعة (2 فبراير/شباط 2001) في مسجد سوق الجمعة بطرابلس، ليبيا (غيتي)

إلا أن الرجل، الذي أرهقته سنوات الخوف والترقب والاعتقال، اختار وبشكل قاطع الابتعاد التام عن الأضواء والسياسة وعاش بقية حياته مواطناً عادياً بين أسرته في طرابلس، رافضاً الإدلاء بمقابلات صحافية تكشف عن أسرار تلك الحقبة، حتى جاء إعلان وفاته ونعيه رسمياً لينهي فصلاً كاملاً من كتاب الصراع الليبي - الغربي المرير.


مقالات ذات صلة

الإمارات: مساعد طيار «فلاي دبي» خطط لهجوم انتحاري

الخليج طائرة «فلاي دبي» (رويترز)

الإمارات: مساعد طيار «فلاي دبي» خطط لهجوم انتحاري

أعلن النائب العام الإماراتي أن المتهم في قضية «فلاي دبي» تأثر بأفكار تكفيرية من خلال قراءته مؤلفات متطرفة ومتابعته محتوى إلكترونياً يمجد التنظيمات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
الخليج مطار الملك خالد الدولي بالرياض (واس)

الطيران المدني السعودي: استشهاد 3 باعتداءين على مطار الرياض

أعلنت هيئة الطيران المدني السعودية استشهاد 3 مواطنين وإصابة عدة أشخاص على أثر اعتداءين على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، ‌الخميس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الطائرة البوينغ B727-224 (خبير النقل الجوي والطيران المدني د. محمد محمد عيسى)

ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

تتجه ليبيا لمقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في فاجعة إسقاط «الرحلة 114»، في تحرك قضائي يسعى لإنصاف 108 ضحايا بعد عقود من الصمت الدولي.

جمال جوهر
يوميات الشرق  طائرة تابعة لشركة «أميركان إيرلاينز» (رويترز)

تعطل معظم دورات المياه يجبر طائرة أميركية على تغيير مسارها والهبوط اضطرارياً

اضطرت طائرة تابعة لـ«أميركان إيرلاينز»، تقل 287 شخصاً في رحلة طويلة من مدريد إلى دالاس، إلى تغيير مسارها والهبوط في نيويورك، بعدما تعطلت 6 من أصل 8 دورات مياه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
TT

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع تحقيق التوازن والانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. وشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة اهتمامات السياسات العمومية.

وقال الملك، في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، اليوم الجمعة، بالرباط، إن هذه الولاية تأتي في ظرفية استثنائية حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات، مقدّماً تهانيه لأعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين.

وفي سياق حديثه عن الشباب، شدّد الملك محمد السادس على ضرورة وضع قضاياهم في صدارة اهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وربط الخطاب الملكي هذا التوجه بتعزيز ثقة الشباب في قدراتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم لبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

وفيما يتعلق بالتدبير الترابي، أكد الملك أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني على المستوى الترابي، من خلال الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.

وأوضح أن النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، منبهاً إلى أن التأخير والاختلالات التي تُعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز ينعكسان سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعوق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين.

في هذا الصدد، شدد الملك محمد السادس على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير، أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز»، بما يقتضيه ذلك من نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

كما دعا إلى وضع حد للعراقيل التي تعوق عمل مؤسسات الجهة، من خلال تحديد أكثر وضوحاً للاختصاصات، والرفع من مواردها البشرية والمادية، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد تتيح للجهات اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

وعلى المستوى الاقتصادي، دعا الملك إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، خاصة في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. كما حثّ على الترشيد وتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية، داعياً القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وأن يكون أكثر مبادرة وافتكاراً، وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

وبخصوص موضوع الهجرة والأزمة التي اندلعت مع إسبانيا، قال الملك محمد السادس إن المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة أسفرت عن نتائج ملموسة، غير أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزاً، وهو ما تؤكده الأزمات المتكررة.

وفي هذا السياق، أكد الملك أن الشراكة مع إسبانيا عرفت تطورات مهمة في مختلف المجالات، بما فيها محاربة الهجرة غير الشرعية، لكنها باتت تواجه تحديات كبيرة مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع. وأوضح أن هذه المقتضيات والقرارات تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتُغذي أطماع الشبكات الإجرامية.

وفي معرض حديثه عن التصريحات غير المسؤولة، الصادرة عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية، شدد الملك محمد السادس على أن الشراكة اختيار سياسي والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، مؤكداً أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لوجه جديد من الشراكة، بما يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية.

وفي رسالة إلى أعضاء المؤسسة التشريعية، أكد الملك محمد السادس أن الانتداب البرلماني «أمانة والتزام سياسي وتعاقد أخلاقي» يربط البرلمانيين بالمواطنين، داعياً أعضاء البرلمان إلى الاضطلاع بمسؤوليتهم الوطنية، قائلاً: «كونوا - رعاكم الله - في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ».

كان الملك محمد السادس مرفوقاً بولي العهد الأمير مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد.


عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
TT

عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، مشاركة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» في أي حكم مقبل بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً على من يريد خوض العمل السياسي التخلي عن صفته وبزته العسكرية والاحتكام إلى الانتخابات.

وأكد نور، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة، داعياً إلى بناء جيش قومي جديد تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة.

ويعد عبد الواحد نور أحد أبرز قادة الحركات التي حملت السلاح في دارفور عام 2003 احتجاجاً على تهميش الإقليم. وقد رفض اتفاق أبوجا عام 2006، الذي وقعه نظام الرئيس السابق عمر البشير مع جناح من حركته بقيادة مني أركو مناوي.

السياسة بعد البزة

وربط النور موقفه من البرهان وحميدتي بمطالب ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، مؤكداً أن مستقبل الحكم يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق المشاركة السياسية. وقال: «من يريد تأسيس حزب أو عرض مشروع على السودانيين، يستطيع ذلك بعد مغادرة المؤسسة العسكرية، على أن تكون الكلمة للناخبين».

صورة مركبة لقائدي الجيش البرهان (يسار) و«قوات الدعم السريع» حميدتي (الشرق الأوسط)

وكانت الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر 2018 قد أفضت إلى الإطاحة بنظام الإنقاذ الوطني برئاسة البشير في أبريل (نيسان) 2019، ثم تشكيل سلطة انتقالية بمشاركة المدنيين والعسكريين. غير أن انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021 الذي قاده البرهان وحميدتي، قطع مسار الانتقال المدني، قبل اندلاع الحرب بين الجيش و«الدعم السريع» في أبريل 2023، على خلفية الصراع على السلطة والخلاف بشأن ترتيبات دمج القوات.

وشدد النور على أن حركته لا تقاتل إلى جانب أي من الطرفين. وبشأن الحديث عن تفاهمات مع «الدعم السريع» في دارفور، أبدى ترحيبه بأي تفاهم يمنع المواجهة، من دون أن يؤكد وجود اتفاق أو يحدد مضمونه، مؤكداً أن حركته ستدافع عن نفسها إذا تعرضت لاعتداء من أي جهة.

وأوضح أن وجود قواته في جبل مرة، معقل حركته في دارفور، يسبق الحرب الحالية، وأنها حافظت على مواقعها رغم مواجهات الجيش والجنجويد وميليشيات وحركات منشقة عنها.

وحذر من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار، ورفض تقسيم السودان، معتبراً أن الحفاظ على وحدته يقتضي معالجة الأسباب التي تدفع بعض مكوناته إلى المطالبة بتقرير المصير أو الانفصال. واستشهد بانفصال جنوب السودان عام 2011، محذراً من تكرار التجربة إذا بقيت جذور النزاع من دون معالجة.

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

ودعا نور إلى عقد اجتماع يعالج قضايا الهوية والعلاقة بين الدين والدولة واحتكار السلطة، إلى جانب إدارة التنوع والموارد وشكل الحكم. وقال: «المواطنة المتساوية وسيادة القانون هما ضمان الوحدة»، مؤكداً أن الخلافات السياسية ينبغي أن تُحسم عبر الانتخابات والبرلمان.

وقال نور إن حركته خلصت، بعد اندلاع الحرب 2023، إلى أن الحياد وحده لا يكفي، فأطلقت في أكتوبر 2023 مبادرة دعت إليها الأحزاب وحركات الكفاح المسلح ومنظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والشخصيات الوطنية، بهدف وقف الحرب وإنهائها، ومواجهة خطاب الكراهية، واستعادة التحول المدني الديمقراطي. وانتقلت لاحقاً إلى محاولة تشكيل جبهة للقوى المدنية الرافضة للحرب وغير المصطفة مع طرفيها، لاستعادة ثورة ديسمبر وأهدافها. واقترحت الحركة معايير لتمثيل الشباب والنساء ولجان المقاومة والمجتمع المدني والإدارات الأهلية والشخصيات القومية.

خلاف العلمانية

روى النور وجود خلاف حول العلمانية، مشيراً إلى أن حزب الأمة، يوافق على مضمون العلمانية، لكنه يتحفظ على المصطلح. وأشار إلى تشكيل لجنة برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الانتقالي السابق، الذي تواصل مع عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان/ قطاع الشمال بشأن صياغة تنص على فصل الدين عن الدولة. وأضاف أن حزب الأمة طلب نصاً يحمل المعنى نفسه من دون استخدام المصطلحات المرتبطة بالعلمانية، ومُنح أسبوعين للتشاور داخل مؤسساته.

الرئيس الكيني ويليام روتو مع حمدوك وعبد الواحد نور رئيس «حركة تحرير السودان» خلال توقيع وثيقة نيروبي مايو 2024 (إكس)

وقال إن انقسام «تقدم» وظهور «صمود» ثم «تأسيس» جاء بعد تلك المداولات. وكانت «تقدم»، وهي تنسيقية لقوى مدنية بقيادة حمدوك، قد انقسمت في فبراير (شباط) 2025 بسبب الخلاف بشأن تشكيل حكومة موازية، وأعلن المعارضون لهذا الخيار تحالف «صمود» بقيادة حمدوك. وأكد النور أن حركته لن تستمر في المبادرة إذا انحرفت عن هدف استعادة ثورة ديسمبر والتأسيس لحكم مدني، مشدداً على رفض الالتحاق بالإسلاميين بقوله: «ما بنمشي للكيزان». و«الكيزان» تعبير سوداني شائع يُستخدم للإشارة إلى التيار الإسلامي، ولا سيما المرتبطين بنظام البشير، الذي حكم البلاد منذ انقلاب عام 1989 حتى إطاحته عام 2019.

ودعا النور إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد بعد وقف الحرب، على أن تخضع جميع القوات، بما فيها قوات حركته، لمعايير موحدة.

وقال: «الجيش لا يحكم، الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة»، معتبراً أن إعادة بنائه يجب أن تنهي احتكار قيادته وتدخله في السلطة، وتحصر مهمته في حماية الأرض والشعب والدستور.

واستند في دعوته إلى ما وصفه باستمرار البنية الموروثة من الاستعمار، متهماً نخَباً محددة بالسيطرة على القيادة واستخدام المؤسسة العسكرية لقمع مطالب مناطق أخرى.

واتهم النور الجيش بارتكاب جرائم في الجنوب والنيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور، باستخدام أسلحة كيميائية، مستشهداً بتقرير أصدرته منظمة العفو الدولية عام 2016 بشأن جبل مرة. وكانت المنظمة قد قالت إنها جمعت أدلة ترجح استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، فيما نفت الحكومة السودانية آنذاك تلك النتائج ورفضت الأدلة التي استند إليها التقرير.

حمدوك وعبد الواحد محمد نور خلال لقاء سابق في باريس (الشرق الأوسط)

ووصف النور الجيش القائم بأنه «أكبر ميليشيا»، وعدّه تابعاً للإسلاميين، داعياً إلى بناء مؤسسة عسكرية تمثل قوميات السودان ومناطقه، وفق شروط واضحة للخدمة وتأهيل الضباط وتشكيل القيادة؛ وأكد أن قوات حركته لن تُستثنى من هذه العملية.

المحاسبة داخل الحركة

ورداً على اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق أعضاء في الحركة، قال نور إن المغادرة متاحة لمن يريد، بينما يخضع من يبقون للوائح التنظيم والقانون العسكري. وأكد أن المحاسبة تشمل القيادة، بمن فيها هو، وأن للحركة مؤسسات عدلية. واتهم بعض الخارجين من الحركة باستخدام تلك الاتهامات لتبرير انتقالهم إلى النظام الذي تمردوا عليه، معلناً استعداده للمثول أمام محكمة دولية أو محاكم دولة تحترم سيادة القانون. وقال إنه موجود في كينيا ومستعد للمثول أمام محاكمها إذا قُدمت قضية ضده.

ورفض اختزال الحركة في شخصه، قائلاً: «حركة تحرير السودان ده ما حق عبد الواحد»، ومؤكداً أن بإمكانها اختيار رئيس آخر. لكنه لم يقدم، في إجابته، تفاصيل عن مصير الأعضاء الذين تناولتهم الاتهامات.

وبشأن أوضاع المدنيين، قال إن مناطق سيطرة الحركة في جبل مرة (غرب دارفور) تستقبل، وفق تقديراته، أكثر من سبعة ملايين سوداني. وأضاف أن قواته توفر لهم الأمن، لكنها تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لتوفير الغذاء والمياه والسكن، داعياً المنظمات إلى مساعدتهم والصحافيين إلى زيارة المنطقة، كما رفض تصنيف حركته ضمن «حركات دارفور»، معتبراً أن مشروعها يتعلق بالسودان كله، وأن حصر القوى القادمة من الأقاليم في المطالب المحلية يحرمها من المشاركة في تحديد السياسات الوطنية.

التفاوض بشروط

نفى النور رفض التفاوض من حيث المبدأ، موضحاً أن حركته تفاوضت مع نظام البشير في جولتين بمدينة أبشي التشادية عام 2003، ثم شاركت في سبع جولات بأبوجا النيجيرية بين عامي 2004 و2006. وانتهت مفاوضات أبوجا إلى اتفاق في مايو (أيار) 2006 وقعه جناح مني مناوي، بينما رفضه جناح النور وحركة العدل والمساواة لعدم تلبيته مطالبهما السياسية والأمنية. وقال نور إن تلك التجربة دفعته إلى رفض العودة إلى التفاوض مع النظام، بعدما خلص إلى أنه يسعى إلى استيعاب معارضيه بالمناصب والأموال، لا إلى تحقيق السلام. وأضاف: «الثورة عمرها ما بتبقى جزء من النظام». واستشهد بعد ذلك برفضه التحالفات، وبتعاون الحركة مع حركة العدل والمساواة، ومشاركتها في التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة الثورية و«الفجر الجديد» وإعلان باريس عام 2014.

وعزا مغادرتها الجبهة الثورية، التي جمعت حركات مسلحة معارضة للبشير، إلى تحولها، في تقديره، من جبهة لإسقاط النظام إلى جبهة تفاوض تسعى إلى «الهبوط الناعم» عبر «نداء السودان»، في إشارة إلى التوصل لتسوية مع النظام بدلاً من إسقاطه.


انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة الليبية... «قنابل الموت» بين السكان

صورة الحريق الذي هزّ مصراته (متداولة)
صورة الحريق الذي هزّ مصراته (متداولة)
TT

انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة الليبية... «قنابل الموت» بين السكان

صورة الحريق الذي هزّ مصراته (متداولة)
صورة الحريق الذي هزّ مصراته (متداولة)

هزّ انفجار في مخزن للذخيرة، الجمعة، مدينة مصراتة غرب ليبيا، التي تنتشر فيها التشكيلات المسلحة على نطاق واسع، ما أثار حالة من الذعر بين المواطنين، ودفع أفراداً من تلك التشكيلات إلى إخراج عدد من المجنزرات وإبعادها عن موقع الحريق.

وأعاد الانفجار الذي شهدته منطقة يدر بالمدينة، وما صاحبه من حريق ضخم وتصاعد لأعمدة الدخان وتناثر للذخيرة في الهواء، إلى الواجهة حوادث مماثلة وقعت خلال الأشهر الماضية، وسط مطالبات من المواطنين بإخلاء هذه المواقع حفاظاً على الأرواح والممتلكات.

وتشكّل مخازن السلاح داخل التجمعات والأحياء السكنية تحدياً متجدداً ومتراكماً أمام حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في غرب ليبيا، وتثير قلق المواطنين، رغم صدور قرار سابق بإخلاء هذه المخازن من المناطق المأهولة بالسكان.

وتوجهت وحدات أمنية ودوريات ميدانية إلى موقع الحادث لمساندة فرق هيئة السلامة الوطنية، وتأمين المنطقة والمساعدة في السيطرة على الحريق، وسط تحذيرات من مخاطر الذخائر والمفرقعات الموجودة في الموقع.

وتحدثت إفادات متداولة عن سقوط إحدى القذائف على منازل مواطنين جرّاء الانفجار، من دون توافر معلومات مؤكدة بشأن حجم الأضرار أو وقوع إصابات.

وفيما لم تتضح بعد ملابسات الانفجار، نقلت قناة «النبأ» عن مصدر عسكري قوله إن «فرضية العمل الجنائي قائمة»، مشيراً إلى أن تكرار انفجارات مخازن الذخيرة في مصراتة دون غيرها يعزز، حسب تقديره، «فرضية وجود عمل جنائي أو مخطط وراء هذه الحوادث». ولم تتضمن المعلومات المتاحة نتائج تحقيق رسمي تحسم أسباب الانفجار أو تؤكد هذه الفرضية.

وفي تحرك احترازي، دعا فرع جهاز المباحث الجنائية في المنطقة الوسطى المواطنين إلى الابتعاد فوراً عن موقع الحريق في يدر، محذراً من أن وجود الذخائر والمفرقعات قد يُشكل خطراً جسيماً على الأرواح والممتلكات.

وشدد الجهاز على منع الاقتراب من الموقع أو التجمهر في محيطه، كما حذّر من لمس أي أجسام مشبوهة أو الاقتراب من الذخائر والمخلفات، التي قد تكون موجودة في المكان، داعياً السكان إلى الالتزام بتعليمات الجهات المختصة، وإفساح المجال أمام الفرق الفنية والأمنية لأداء مهامها.

وسبق أن أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، إزالة 14 ألفاً و66 قطعة من الذخائر المتفجرة من مزرعة السويحلي في مصراتة خلال 9 أشهر، بدعم من دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام.

وقالت البعثة إن عملية تطهير المزرعة امتدت من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر 2026، وفق تقرير ميداني عرضته منظمة السلام الليبية خلال زيارة فريق أممي إلى المدينة الأسبوع الماضي.

وتسلط هذه الأرقام الضوء على حجم الجهود المطلوبة للتعامل مع الذخائر المتفجرة ومخلفاتها في المدينة، وإن كانت البيانات المعلنة لا تُحدد صلة بين الذخائر التي أزيلت من مزرعة السويحلي ومخزن الذخيرة، الذي انفجر في منطقة يدر.

ومع تكرار حوادث انفجار مخازن الذخيرة، تتجدد المخاوف من تعرض السكان لمخاطر، لا تقتصر على الانفجارات المباشرة بل تمتد إلى تطاير القذائف والشظايا واحتمال انفجار ذخائر أخرى، ما يُعيد إلى الواجهة مطالب بإبعاد مواقع التخزين عن التجمعات السكنية، وتعزيز إجراءات السلامة والرقابة عليها.

وفي 22 أغسطس (آب) الماضي، هزّ انفجار عنيف مخزناً للذخيرة في منطقة السكت جنوب مدينة مصراتة، دون تسجيل خسائر بشرية. وفي مطلع سبتمبر، العام الماضي، أصيب 16 شخصاً جرّاء انفجار مخزن ذخيرة في المدينة التي تضم تشكيلات مسلحة واسعة.

ولا تقتصر مخاطر الذخائر على الانفجارات، إذ تشير أرقام رسمية إلى سقوط 487 ضحية جرّاء الألغام والذخائر المتفجرة منذ مايو (أيار) 2020، من بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً و87 طفلاً.