الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

خالد نذير جعفر ضحية الهوية والسياسة... الحكاية الكاملة للعربي الوحيد على متن الرحلة المشؤومة

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
TT

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

في الحادي والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) عام 1988، لم يكن الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر يعلم أن صعوده إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، سيكون تذكرة بلا عودة، ليس فقط نحو الموت الإجباري فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية الهادئة، بل نحو دهاليز استخباراتية معقدة حولت جثته الفتية إلى محور لأكبر لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

في ذلك المساء الشتوي القارس، تفجرت الطائرة الجامبو (بوينغ 747) في السماء، مسفرة عن مقتل 270 شخصاً، ومع تناثر حطام الطائرة فوق التلال الاسكوتلندية، تناثرت معها حياة خالد جعفر لتتحول من قصة مهاجر شاب يحلم بمستقبل هادئ، إلى مادة دسمة لسيناريوهات المؤامرة، والاتهامات الجاهزة، وصفقات الأمن الدولي التي امتدت من بيروت إلى واشنطن مراراً وتكراراً.

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

مأساة لوكربي في عيون «نتفليكس»

عادت هذه التفاصيل والأسماء لتشغل الرأي العام مع إطلاق شبكة نتفليكس بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي. بي . سي» للمسلسل الدرامي القصير «The Bombing of Pan Am 103» (تفجير بان آم 103).

المسلسل، الذي يضم نخبة من النجوم مثل باتريك جيه آدامز وبيتر مولان، لا يكتفي برصد الجوانب السياسية للمحاكمة الدولية، بل يغوص عميقاً في الجانب الإنساني للضحايا وعائلاتهم والتحقيقات الأولية على الأرض.

وفي هذا السياق الدرامي، يبرز اسم خالد جعفر وتفاصيل دراسته لهندسة العمارة وعلاقاته التشابكية كجزء من السيناريو الذي يعيد قراءة فخ «الاشتباه الأولي» القائم على الهوية، ليعيد للمشاهدين قصة الراكب صاحب المقعد 53K في الرحلة 103 الذي سُرق حلمه الهندسي في سماء لوكربي.

من زواريب البقاع إلى صقيع ديترويت

وُلد خالد نذير جعفر في بلدة بالبقاع اللبنانية، ونشأ في بيئة عائلية هاجرت كآلاف العائلات اللبنانية بحثاً عن الأمان والفرص في الولايات المتحدة الأميركية، مستقرة في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان.

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)

في سن العشرين، كان خالد يمثل مزيجاً بين الشاب العربي المرتبط بجذوره والمراهق الأميركي الذي يتلمس طريقه في الحياة.

في ريعان شبابه وقبل أن تمزق قنبلة الـ«سمتكس» أجساد ركاب الطائرة، كان جعفر يعيش حياة جامعية واعدة، حيث كان يدرس هندسة العمارة.

تميز الشاب بعشقه للتصميم وبناء الخطط الهندسية للمستقبل، وهي خطط كان يرجو تطبيقها بعد التخرج والاستقرار في ديترويت.

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

غير أن رحلته الشتوية إلى لبنان عبر ألمانيا، التي كانت تهدف لزيارة عائلية قبل أعياد الميلاد، وضعت حداً فجائياً لمسيرته الأكاديمية. ولم يتبقَ من حلم «المهندس المعماري» الشاب سوى دفاتر تصاميمه وحقائب سفر تناثرت على بُعد أميال من موقع سقوط الطائرة، لتصبح تلك الممتلكات الشخصية لاحقاً دليلاً قاطعاً استخدمه المحققون الاسكوتلنديون لإثبات براءته، بعدما تبين خلوها من أي آثار تفحم داخلي.

شبهة الأصل العربي... الفخ الاستخباراتي الأول

فور وقوع الكارثة الكبرى فوق لوكربي وبدء التحقيقات المشتركة بين مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) وجهاز الأمن البريطاني، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية عربية، تطابق الاتهامات الفورية التي وُجهت للفصائل المسلحة.

هنا، برز اسم خالد جعفر كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية بسبب أصوله اللبنانية وبداية رحلته من فرانكفورت، خاصة أنه العربي الوحيد الذي كان على متن الرحلة.

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

انطلقت الفرضية الأولى تزعم أن الشاب ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً مغفلاً لقنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية، ما جعل عائلته في ديترويت تعيش كابوساً مزدوجاً: فاجعة فقدان ابنهم، ووصمة الإرهاب التي لاحقت اسمه في وسائل الإعلام العالمية لسنوات.

قناة دمشق-فرانكفورت وظلال المخابرات الأميركية

لم تتوقف الروايات عند حد الاشتباه العابر، بل تحول اسم خالد جعفر إلى حجر الزاوية في «الرواية البديلة» لحادث لوكربي، والتي تبنتها فرق دفاع لسنوات وصحافيون بارزون.

زعمت هذه النظرية أن جعفر، وبحكم تنقله بين لبنان وألمانيا، تم استغلاله أو توريطه في شبكة لتهريب المخدرات كانت تحظى بحماية وغطاء من وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) وإدارة مكافحة المخدرات (DEA)، كجزء من عملية سرية معقدة لتأمين إطلاق سراح الرهائن الأميركيين المحتجزين في بيروت حينها.

ووفقاً لهذا السيناريو، فإن «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة»، اخترقت هذه القناة الآمنة في مطار فرانكفورت، واستبدلت بحقيبة المخدرات الخاصة بجعفر حقيبة الراديو المفخخة بمادة «السمتكس»، لتنتقل الحقيبة عبر طائرة التغذية إلى مطار هيثرو في لندن وتوضع في أحشاء الطائرة الكبيرة دون تفتيش.

وترافق اسم جعفر في التقارير الأمنية والتحليلات الاستخباراتية المعقدة مع أسماء أخرى أثارت حيرة المحققين، ومن أبرزها اسم حسن الساعد (أو بدري حسن في بعض وثائق المحكمة الرسمية).

وكان حسن الساعد شخصية محورية ارتبطت بالخلايا والأنشطة الأمنية والتجارية المشبوهة في ألمانيا الغربية ومالطا خلال تلك الحقبة، وتحديداً من خلال علاقته بشركة الاتصالات السويسرية «ميبو» (MEBO) التي صنعت أجهزة التوقيت المستخدمة في التفجير.

تشير خيوط التحقيق والفرضيات البديلة إلى أن الساعد كان يمثل «حلقة الوصل» أو القناة التي حاولت أجهزة أمنية وفصائل مسلحة استخدامها لاختراق حركة الحقائب والمسافرين العرب عبر مطار فرانكفورت. هذه العلاقة الملتبسة بين دوائر جُعِل جعفر يدور في فلكها دون علمه، وبين شبكة الساعد، هي التي غذّت لسنوات نظرية «الحقيبة المستبدلة» وقناة تهريب المخدرات الآمنة التي جرى اختراقها لزرع القنبلة.

حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)

براءة من بين الحطام وأحكام التاريخ

ظلت هذه النظريات تتدفق في كتب التحقيقات الاستقصائية حتى قادت الأدلة الجنائية القاطعة في المحكمة الاسكوتلندية الخاصة برئاسة القاضي لورد سذرلاند إلى مسار مختلف تماماً.

فقد أثبتت سجلات السفر الرسمية والتحقيقات اللاحقة أن خالد جعفر لم يشحن أي أمتعة في عنبر الشحن السفلي لطائرة البوينغ 747، بل اكتفى بحمل حقيبتين صغيرتين كأمتعة يدوية صعد بهما معه إلى مقصورة الركاب، من بينهما حقيبة قماشية أسطوانية.

وعقب الانفجار، عثر المحققون على هاتين الحقيبتين شبه سليمتين وبحالة جيدة في تلال منطقة «لانغهولم» على بُعد نحو 13 كيلومتراً تقريباً شرق بلدة لوكربي، وكانتا لا تزالان تحتويان على بطاقته الشخصية، ومحفظته، وبعض الأوراق النقدية.

وجاءت التقارير الفنية لتؤكد خلو الأمتعة اليدوية للشاب تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي، وهو ما شكل الدليل الفني القاطع على براءته، إذ أثبت أن القنبلة فُجِرت في حاوية الشحن الرئيسية بعيداً عن مقعده ومحيطه، مما دحض فرضية وجود المتفجرات بحوزته سواء بعلمه أو دون علمه.

بناءً على هذه المعطيات الدامغة، أعلنت المحكمة رسمياً براءة الشاب اللبناني من أي ضلوع أو استغلال في العملية، وثبّتت الحكم على ضابط الاستخبارات الليبي عبد الباسط المقرحي، مؤكدة أن الحقيبة المفخخة انطلقت من مالطا ولم تمر عبر قناة جعفر في فرانكفورت.

المتهم الرئيسي في تفجير الطائرة المواطن الليبي عبد الباسط المقرحي (أرشيف - أ.ف.ب)

ورغم هذه التبرئة القضائية الشاملة، بقي اسم خالد جعفر راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.


مقالات ذات صلة

انطلاق محاكمة حادثة تحطّم طائرة شرم الشيخ سنة 2004 أبريل المقبل في فرنسا

أوروبا عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)

انطلاق محاكمة حادثة تحطّم طائرة شرم الشيخ سنة 2004 أبريل المقبل في فرنسا

تنطلق محاكمة كارثة تحطّم طائرة شرم الشيخ في مصر أمام القضاء الفرنسي في 26 أبريل (نيسان)، وفق ما أفاد مصدر قضائي، الثلاثاء، بعد 23 عاماً على الحادث.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أجزاء من طائرة مقاتِلة أميركية تظهر بجوار المدرج في قاعدة شبانغدالم الجوية الواقعة بمنطقة آيفل جنوب غربي ألمانيا (أ.ف.ب)

تحطم طائرة عسكرية قرب قاعدة أميركية في غرب ألمانيا وإصابة شخص

تحطمت طائرة عسكرية في محيط قاعدة شبانجدالم الجوية الأميركية بمنطقة آيفل في ولاية راينلاند بفالتس الواقعة غرب ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ لقطة جوية لموقع تحطم المروحية إخبارية في «تشاتسوورث» (أ.ب)

مأساة على الهواء في لوس أنجليس... تحطم مروحية إخبارية ومقتل الصحافية والطيار

تحطمت مروحية إخبارية بمدينة لوس أنجليس، وقالت «رويترز» إن الحادث أسفر عن مقتل الصحافية والمصورة الجوية إليانا مورينو والطيار جورج مارسينيو.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الولايات المتحدة​ تحطمت المروحية في أثناء تغطيتها لتقرير عن حادث تصادم مميت لحافلة تابعة لهيئة النقل (مترو) أسفر عن وقوع إصابات متعددة (رويترز)

ثلاثة قتلى بتحطم مروحية محطة تلفزيونية خلال تغطية حادث سير بأميركا

تحطمت مروحية تابعة لمحطة تلفزيونية كانت تغطي حادث سير، الثلاثاء، فوق أحد أحياء لوس أنجليس في غرب الولايات المتحدة، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص على الأقل.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الولايات المتحدة​ طائرة شحن تابعة لشركة أمازون بعد تحطمها في مطار ميامي الدولي (أ.ف.ب)

5 قتلى إثر انحراف طائرة شحن تابعة لـ«أمازون» عن المدرج بمطار ميامي

قتل خمسة أشخاص وأُصيب خمسة آخرون بجروح، الأحد، إثر انحراف طائرة شحن لمجموعة «أمازون» عن مسارها في مطار ميامي الدولي في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (ميامي)

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
TT

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)

أثار مقطع مصوّر ظهر فيه صاحب أحد المطاعم الشهيرة في مصر منتقداً أحد صنّاع محتوى الطعام، جدلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليطرح مجدداً تساؤلات حول مدى أحقية «الفوود بلوجرز» في تقييم المطاعم.

واعترض صاحب المطعم في المقطع على فكرة قيام أحد «الفوود بلوجرز» المعروفين بتقييم الطعام في مطعمه، معتبراً أن تقييم المطاعم «ليس من اختصاص (الفوود بلوجرز)»، وأن تقييم المطاعم له متخصصون يمتلكون الخبرة والمعايير اللازمة للحكم على جودة ما تقدمه.

وقوبل فيديو صاحب المطعم بردود فعل متباينة؛ إذ دافع جانب من المتابعين عن رأي صاحب المطعم في ضرورة الفصل بين التجربة الشخصية والتقييم المتخصص، في حين رأى آخرون أن حديثه يحمل هجوماً على «الفوود بلوجرز»، وأن طريقة الرد قد تتحول في حد ذاتها إلى دعاية سلبية للمطعم.

ودافع متابعون عن حق صانع المحتوى في التعبير عن تجربته بوصفه مستهلكاً اشترى الطعام ودفع ثمنه، وليس باعتباره خبيراً أو ناقداً متخصصاً، وكتب أحدهم تعليقاً على الواقعة: «واحد شاري أكل بفلوسه وقرر يقيم تجربة الأكل»، مشيراً إلى أنه لم يقدم نفسه باعتباره «خبيراً»، في حين رأى أن تجاهل الفيديو أو الرد على ما ورد فيه كانا خيارين أفضل من نقل الخلاف إلى المستوى الشخصي.

ويعيد الجدل طرح مسألة الفارق بين نقل تجربة شخصية وتقديم تقييم مهني للمطاعم؛ ففي حين يستند الأخير إلى معايير وخبرة متخصصة، اكتسبت تجارب «الفوود بلوجرز» وزناً أكبر مع اتساع أعداد متابعيهم وتأثيرهم في اختيارات الجمهور.

لقطة من الفيديو المثير للجدل (إكس)

وترى مروة السيد، المدرّسة بقسم العلاقات العامة والإعلان في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن «(الفوود بلوجرز)، شئنا أو أبينا، أصبحوا جزءاً كبيراً من صناعة الدعاية»، لافتة إلى أن المطاعم نفسها أسهمت في تعزيز هذا الدور عبر استقطاب صنّاع المحتوى والتعاون معهم، لدرجة أن «كثيراً منهم أصبح لديه حضور وشعبية وكلمة مؤثرة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الإشكالية لا تتعلق فقط بحق «الفوود بلوجر» في النقد، بقدر ما تتصل بالفاصل بين التقييم والإعلان، خصوصاً مع تحول صنّاع محتوى الطعام إلى إحدى أدوات التسويق للمطاعم، بحيث لا يكون المتابع دائماً أمام رأي شخصي مستقل، وإنما قد يكون أمام محتوى تجاري جرى الاتفاق عليه مسبقاً.

وتوضح أن «التعاون التجاري بين المطاعم وصنّاع المحتوى تختلف قيمته وفق عدد المتابعين، وطبيعة المحتوى المطلوب، وحجم التفاعل»، معتبرة أن «ما يهدم مصداقية صانع المحتوى هو أن تصبح الفلوس أول همه، وأن تبدو جميع المطاعم التي يزورها جيدة؛ لأن المتابع سيفقد ثقته به في النهاية».

وخلال السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة «الفوود بلوجرز» التي بدأت بشباب يرصدون تجاربهم في أحد المطاعم وتذوق ما يقدمه، ثم إبداء رأيهم فيما تناولوه، ونشر هذا الرأي في مدونات أو على صفحات «سوشيالية» مع الوقت أصبحت تحظى بمتابعات لافتة، وأصبحت الظاهرة «صناعة ضخمة» تدر مكاسب مادية على صنّاع المحتوى، وفي الوقت نفسه أصبحت وسيلة للدعاية تقوم بها العديد من المطاعم.

وترى خبيرة التسويق الرقمي داليا الشافعي أن قوة «الفوود بلوجر» ترتبط في الأساس بالثقة التي بناها مع متابعيه، وهي الثقة التي قد تتراجع عندما يشعر الجمهور بأن التقييمات الإيجابية مرتبطة بالتعاون التجاري أكثر من ارتباطها بالتجربة الفعلية.

وتقول داليا لـ«الشرق الأوسط» إن «خروج صاحب المطعم للتقليل من دور (الفوود بلوجرز) قد يتحول في حد ذاته إلى دعاية سلبية للمطعم»، موضحة أنه «كان من الممكن التعامل مع التقييم باعتباره تجربة شخصية، فمن الطبيعي أن يحب البعض المطعم، وألا يعجب آخرين».

وتضيف أن «التسويق في الوقت الحالي لا يمكنه تجاهل التأثير الذي باتت تتمتع به منصات التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى، باعتبارهم قطاعاً مؤثراً في تشكيل آراء الجمهور وقراراتهم الشرائية».


مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
TT

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية، وذلك بمقرها التاريخي في منطقة باب الخلق، وأبرز متخصصون ومؤرخون الدور الذي قامت به الدار في حفظ المخطوطات وكتب التراث حتى اليوم، مع التأكيد على رقمنة آلاف المخطوطات لحفظها ضمن مشروع عالمي.

وبينما أكد رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، الدكتور أسامة طلعت، على أن التراث المصري من وثائق وآثار ومخطوطات يمثل حصن الأمة الأخير، مشيداً، خلال بيان للهيئة، بدور العاملين بدار الكتب والوثائق القومية وكوادرها المتتابعة في حمل هذه الأمانة العظيمة وصونها، شدد على أن التاريخ يؤكد قدرة مصر على تجاوز جميع التحديات، والحفاظ على ذاكرتها وتراثها الحي.

بينما أشار المؤرخ الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى أن دار الكتب المصرية تعد أول وأقدم مكتبة وطنية أُنشئت في الشرق. وتطرق إلى تاريخ خزائن الكتب التي كانت تنتشر قديماً في المدارس والمساجد الجامعة، مستحضراً تجربة «دار الحكمة» ببغداد التي أسسها هارون الرشيد، و«بيت الحكمة» بالقاهرة في العصر الفاطمي، اللذين ضما أعداداً ضخمة من المخطوطات والكتب، وفق ما ذكره المؤرخون.

وعن قصة تأسيس «الكتبخانة الخديوية»، استعرض المؤرخ المصري بداية الفكرة التي تبلورت عند عودة البعثات المصرية من فرنسا (بعثة الأنجال عام 1844) والتي شارك فيها علي مبارك والخديوي إسماعيل، حيث اقترح علي مبارك إنشاء مكتبة وطنية على غرار المكتبات الأوروبية، وعليه صدر قرار التأسيس في مارس (آذار) 1870، وافتُتحت في 24 سبتمبر (أيلول) 1870 بالطابق الأرضي لقصر مصطفى فاضل بـ درب الجماميز»، وجمعت الدار عند تأسيسها مجموعات الكتب المتناثرة في المدارس والخزائن (باستثناء الأزهر)، إضافة إلى مكتبة مصطفى فاضل باشا التي اشتراها الخديوي إسماعيل، وكان من بينها أعرق المخطوطات.

وتابع أنه «مع ازدياد الرصيد وتأثره بالرطوبة، تقرر بناء المبنى الحالي لدار الكتب بباب الخلق في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث وُضع حجر الأساس له عام 1897 وافتُتح عام 1904، وتولى إدارتها في البداية أربعة من المستشرقين الألمان، حتى تولى أحمد لطفي السيد باشا رئاستها كأول رئيس مصري لها عام 1916».

دار الكتب المصرية في باب الخلق (دار الكتب)

وأضاف فؤاد سيد لـ«الشرق الأوسط» أن «دار الكتب والوثائق القومية تعد ثروة قومية لما تضمه من مخطوطات ومجلدات تصل إلى 60 ألف مخطوط، وكانت قد بدأت تجميع نحو 16 ألف مخطوط ومجلد»، لافتاً إلى جهود متواصلة لرقمنة وأرشفة وتطوير البحث والإتاحة في دار الكتب ليمكن الاطلاع على محتوياتها بطرق آمنة مع حفظ التراث الخطي (المخطوط) وحمايته للأجيال المقبلة.

جانب من الفعاليات في دار الكتب المصرية (دار الكتب والوثائق المصرية)

وأوضح رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، الدكتور مينا رمزي، أن قطاع التحول الرقمي شهد تدشين معمل رقمنة جديد للمخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، يجري العمل فيه على مشروع عالمي لرقمنة وإتاحة مجموعة «المصاحف المملوكية» النادرة وإصدار دليل استرشادي عالي الجودة لتسويقها دولياً، مع إنجاز 50 في المائة من العمل حتى الآن، كما أضاف رمزي أنه تم تطوير معمل المسح الرقمي بدعمه بستة أجهزة حديثة؛ ما أسفر عن رقمنة أكثر من 7 ملايين لقطة من أوعية المعلومات المختلفة، وربط 84 ألف مصدر رقمي متاح عبر القاعة الرقمية، فضلاً عن فهرسة ورقمنة أكثر من 4700 أسطوانة صوتية نادرة وتحويلها من النظام التناظري إلى الرقمي.

واستعرض رمزي، وفق البيان، اكتمال مشروع ترميز (بار كود) قرابة 60 ألف مجلد مخطوط؛ ما اختصر مدة الجرد إلى أيام معدودة، وسمح بتتبع حركة المقتنيات بدقة، وتطبيقاً لسياسة تداول المقتنيات والدورة المستندية الجديدة، لم تسجل الدار أي حالة فقد في رصيدها التراثي.


حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
TT

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

من موقع المُراقب الذي يكتفي بالنظر ولا يتدخَّل، ظلَّ الفنان التشكيلي حسني أبو بكر، لسنوات طويلة، يتابع تفاصيل الحياة المصرية في الشوارع والحارات والنجوع والميادين. يرصد حركة الناس وعلاقاتهم وطرائق احتفالهم ومظاهر حزنهم، من دون أن يعرف في البداية أنّ تلك المشاهد العابرة ستتحوّل يوماً ما إلى مخزون بصري واسع يستعيده في لوحاته.

ومن هذه المَشاهد تشكّل معرضه «دراما مصرية»، المُقام حالياً في «غاليري سماح» بمدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، والمستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي.

لوحة لأبو بكر تستعيد أجواء الاحتفاء بالعائدين من الحج (الشرق الأوسط)

يقدّم الفنان نحو 20 لوحة تنشغل بالحياة المصرية في تنوّعها، وتضع الإنسان وتفاصيل يومه العادي في قلب المشهد.

يقول حسني أبو بكر: «اهتمامي بالناس في بلدي بدأ منذ طفولتي، فكنت أراقبهم، وأحتفي بمعرفة أحوالهم، وأتجوّل في أماكن مختلفة متابعاً الحياة من بعيد. وخلال ذلك، كنت أستمتع بالأجواء المصرية وحبّ الناس للحياة».

ومع اكتشاف حبّه للفنّ والرسم، أدرك أن ما اختزنته ذاكرته البصرية كان أكثر ثراءً مما يتصوَّر؛ فالبيئة المصرية تمنح الفنان مادة لا تنضب، وفق ما يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة اليومية، والضحك والترفيه، والطقوس الاجتماعية، والحِرف، وأساليب البيع والشراء، والعلاقات الإنسانية بما تحمله من حبّ وجفاء ومودّة ومصالح، هي قلب أعمالي».

من هنا، وجد الفنان أنّ أمامه «قماشة واسعة» يستطيع من خلالها الاقتراب من المجتمع المصري بكلّ تناقضاته وتفاصيله، وأنّ تجسيدها بات شديد الأهمية. ويوضح: «أعمالي في المعرض محاولة لحفظ جانب من الذاكرة المصرية في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتبدَّل الصور والمعلومات باستمرار».

الفنان التشكيلي المصري حسني أبو بكر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يطرح سؤالاً محورياً: «مَن يستطيع حفظ شكل الحياة المصرية للأجيال المقبلة؟». ويجيب: «أرى أنّ ذلك دوري، ودور كلّ فنان مصري عاشق لبلده. ولذلك قرّرتُ أن أكون بمنزلة الموثّق أو المؤرّخ لها، لكن عبر أدوات الفنّ التشكيلي».

ويفسّر ذلك كيف يمكن للمتلقّي أن يعيش عبر لوحات المعرض تفاصيل الحياة المصرية من قرب، فيشاهد حِرفاً مهدّدة بالاندثار، وطرائق متنوّعة للاحتفال والحزن، فضلاً عن العلاقات بين الناس وإيقاع الحياة اليومية.

يقول أبو بكر: «لوحاتي كأنها سرديات اجتماعية لمصر؛ إذ يستطيع مَن يأتي بعد سنوات أن يعود إليها ليرى كيف كانت تعيش وتتحرّك».

ويبدو أنه، خلال ذلك كلّه، لم يتخلَّ عن موقعه مراقباً من بعيد، ما يساعده على إثراء مخزونه البصري. ويُعلّق: «صحيح، تمسّكت بالمراقبة فقط؛ لأن الابتعاد قليلاً عن الحدث يسمح برؤية الصورة كاملة، بينما يؤدّي الدخول في تفاصيل المشهد إلى رؤية أجزاء منه فقط؛ لذلك أراقبُ ولا أتدخّل، وأترك للمتلقّي أيضاً حقّ التفاعل مع اللوحة».

اختار أبو بكر لمشروعه عنوان «دراما مصرية» تأثّراً بعمله في التمثيل مدّةً، وانطلاقاً من مفهوم الدراما، بوصفها مساحة تتّسع لمختلف أنماط الحياة والسلوك الإنساني؛ فالحياة ليست مساراً واحداً، وإنما مزيج من الكوميديا والتراجيديا والحركة والفرح والحزن، وفق قوله.

لوحات أبو بكر تغوص في تفاصيل الحياة المصرية (الشرق الأوسط)

ومن هذا المنظور، يتعامل الفنان مع اللوحة كما لو كانت مشهداً سينمائياً، ويتقمّص دور المخرج الذي يوزّع أدوار الشخصيات داخل الكادر. في لوحاته أبطال وكومبارس، وإضاءة وديكور وملابس وإكسسوارات، وحوار صامت بين الشخصيات، لكنّ المخرج هنا لا يكتب الحوار، بل يترك الحياة نفسها تتولَّى أداء المشهد.

وتتجاوز هذه الرؤية الزمن الراهن لتصل إلى الماضي البعيد؛ فقد وجد أبو بكر، خلال دراسته للحياة في مصر القديمة، تشابهاً لافتاً بين كثير من أنماط السلوك آنذاك وبعض تفاصيل الحياة المصرية المعاصرة. ويقول: «تغيّرت الأشكال الخارجية، وتطوّرت الوسائل، لكن لا يزال الإنسان المصري يبحث عن الفرح، ويتعامل مع قسوة الحياة، ويمارس البيع والشراء، ويحتفي بالفنون والثقافة والعمران. باختصار، الحياة في مصر هي الحياة».

لوحة «بناء الأهرامات» تتخيّل تفاصيل الحياة اليومية حول ورشة تشييدها (الشرق الأوسط)

أمام لوحة «بناء الأهرامات»، وقف الفنان طويلاً يتأمّلها وكأنه يراها للمرة الأولى، وقال مشيراً إليها: «هذا العمل أعتزّ به كثيراً؛ لأنه يلخّص جانباً مهماً من الحضارة المصرية». وتابع: «الجميع ينبهر بالأهرامات، لكن تفاصيل الحياة التي أحاطت ببنائها تظلّ أقل حضوراً في الصورة الشائعة عنها. وفي هذا العمل، تخيّلت ذلك المشروع الضخم من الداخل: كيف كان المصريون يبنون، وكيف كانت الحياة تدور في محيط تشييد أحد أعظم الإنجازات في التاريخ الإنساني».

لوحاته ترصد الشخصيات وتفاصيل العلاقات الإنسانية في المجتمع المصري (الشرق الأوسط)

ولا يحصر أبو بكر اهتمامه في المحلّي والتراثي؛ فالفنان، في رأيه، «ابن زمنه» أيضاً؛ ولذلك لا يعزل نفسه عن الأحداث العالمية.

ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في لوحة «سوق ديانا» التي يستعيد فيها أجواء مرتبطة بالتوتر بين إيران وأميركا وقضية مضيق هرمز، في إشارة إلى أنّ الفنان، مهما انشغل بالتراث والماضي، يظلّ جزءاً من عالم متشابك تفرض أحداثه نفسها عليه. يقول: «لا ينبغي للفنان أن يعيش داخل شرنقة منفصلة عن الواقع، فمواكبة الأحداث جزء من صدقيته تجاه زمنه».

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها؛ لأنها تمنحه القدرة على التركيز في الشخصيات والأحداث والتفاعلات، من دون إضافة عناصر قد تشتّت المتلقّي، كما يعتمد على مجموعة لونية تحافظ على بصمته الخاصة، حتى مع اختلاف الموضوعات.

لوحة «سوق ديانا» بألوانها الزاهية وطابعها الكرنفالي (الشرق الأوسط)

فاللون الصارخ أو المُبهج ذو الطابع الكرنفالي ليس هدفاً في حد ذاته، «وإنما ينبغي أن يوضع في المكان الذي يخدم فكرة العمل»، وفق قوله.

ولعلّ أكثر ما يراهن عليه أبو بكر في «دراما مصرية» هو البساطة، وأن يجد المثقّف والمتلقّي العادي على السواء مدخلاً إلى العمل. ويرتبط ذلك، كما يقول، بشخصيته نفسها؛ فهو يحتفي بالبساطة، ويرى أنها أقصر الطرق للوصول إلى الناس، ولذلك يفضّل أن تظلّ لوحاته مفتوحة على أكثر من قراءة.