«تفجير بان آم 103»... تحيّة لإنسانية أهل لوكربي بعد 38 سنة على كارثة الطائرة

حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)
حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)
TT

«تفجير بان آم 103»... تحيّة لإنسانية أهل لوكربي بعد 38 سنة على كارثة الطائرة

حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)
حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)

من البديهيّ أن يتصدّر «تفجير بان آم 103» قائمة المسلسلات الأكثر مُشاهدةً على «نتفليكس». الكوارث الجوية وحوادث الطيران، على تراجيديّتها، هي صنفٌ تلفزيونيّ مرغوب من جمهور المنصّات. لكن مَن يدخل هذه الدراما الوثائقيّة متوقعاً أن يُشاهد التفجير الذي تعرّضت له الطائرة المدنيّة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية، سوف يخرج خالي الوفاض.

ورغم هول الكارثة التي أودت بحياة 270 شخصاً مساء 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988، اختار الكاتب البريطاني جوناثان لي ألّا يُظهر التفجير ولا اللحظات الأخيرة للركّاب على متن الطائرة. متجنّباً الإثارة البصريّة الدمويّة، استعاض عن ذلك بمَشاهد ليست أقلّ تأثيراً؛ لا بل إنها أكثر رمزيّة.

لا يظهر العمل الدرامي اللحظات الأخيرة للركّاب على متن الطائرة (نتفليكس)

وفق المعطيات التاريخية، انفجرت طائرة «بان آم» في الجوّ بعد إقلاعها من مطار هيثرو في لندن متّجهةً إلى نيويورك. تناثرت لهيباً وحطاماً وجثثاً فوق قرية لوكربي الهادئة في اسكوتلندا، حيث كان السكّان يضعون اللمسات الأخيرة على تحضيرات عيدَي الميلاد ورأس السنة.

يصوّر المسلسل الكارثة على الأرض وليس في الجوّ، من خلال البيوت المحترقة ومحاولات إنقاذ مَن فيها؛ مع العلم بأنّ 11 شخصاً من ضحايا لوكربي الـ270 من سكّان القرية، الذين قضوا احتراقاً بسبب الحطام المشتعل. لا ينتقص هذا الخيار الإخراجيّ من حجم المأساة. يكفي تصوير ضحية مربوطة بكرسيّ الطائرة بحزام الأمان وسط حقلٍ سقطت فيه، أو المرور بالكاميرا الجويّة فوق حقائب الركّاب المتناثرة، أو الاقتراب بالعدسة من دميةٍ فقدت صاحبتها الصغيرة، أو من هديّةٍ لم تصل إلى مَن أُعدّت له، كي تكتمل عناصر التراجيديا.

قد يطرح الجمهور سؤالاً، وهو مشروع، عن توقيت عرض هذه الدراما الوثائقية بعد 38 سنة على الكارثة، و25 سنة على صدور الحُكم بحقّ المواطن الليبي عبد الباسط المقرحي، المتهم الوحيد بتفجير الطائرة.

ومن المرجّح أن يكون قد اختير هذا التوقيت عشية محاكمة أبو عقيلة مسعود في 25 أغسطس (آب) الحالي بواشنطن. ومسعود مواطن ليبي ثانٍ متّهم بالتواطؤ مع المقرحي وببناء العبوة المتفجّرة، التي وُضعت داخل جهاز راديو في إحدى الحقائب المسافرة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن.

المتهم الرئيسي في تفجير الطائرة المواطن الليبي عبد الباسط المقرحي (أرشيف - أ.ف.ب)

إلّا أنّ الكاتب جوناثان لي، ومعه «بي بي سي» التي أنتجت الحلقات الـ6 وعرضتها قبل سنة من «نتفليكس»، لم يضعا على الأرجح تلك المواعيد القضائية في الحسبان؛ فمن الواضح أن السلسلة تهدف قبل أي شيء، إلى توجيه تحيّة إنسانية لكل من اعتنى بالقضيّة وبالضحايا وبذويهم. وليس أحد أوّل مشاهد الحلقة الأولى سوى تمهيدٍ صغير لِما سيَلي من تفاصيل إنسانية: ترفض امرأةٌ من سكّان لوكربي أن تترك الجثّة المربوطة بكرسيّ الطائرة والتي سقطت في مزرعتها، وحيدةً ليلاً. «سأسهر عليها كما لو كانت أحد أقربائي إلى حين وصول الإسعاف»، تقول المرأة للمحقّق.

يدور جزء لا بأس به من المسلسل حول مجموعة من الشخصيات التي أضفت لمسةً إنسانية وعاطفية، محاولةً التخفيف من حجم المأساة. في طليعة هؤلاء، نساء قرية لوكربي اللاتي تطوّعن لتحضير الطعام للمنكوبين وفِرَق الإنقاذ، ثم تفرّغن لجمع أغراض الضحايا وغسلها من الدم والرماد وتوضيبها، بهدف إرسالها إلى ذويهم في الولايات المتحدة وحول العالم. من بين الحكايات المؤثرة كذلك، العلاقة التي تنشأ بين المراهق ستيفن فلانيغان المعروف بـ«يتيم لوكربي»، والمحقق إد ماكاسكر. أما على المقلب الآخر من الكوكب، في أميركا حيث العدد الأكبر من الضحايا، فتبرز شخصية كاثرين تورمان، موظفة الـ«FBI» التي تجنّدت في خدمة أهالي الضحايا.

يضيء المسلسل على الجانب الإنساني من الكارثة وجهود المتطوّعين من أهالي لوكربي (نتفليكس)

ورغم تلك الإضاءات الإنسانية الكثيفة، فإنّ المسلسل لا يغرق في العواطف متناسياً الوقائع. الحلقات الـ6 مخلصةٌ للتفاصيل الحقيقيّة إلى درجة الرتابة أحياناً، ما قد ينعكس مللاً على المُشاهدين. يُعيد العمل الدرامي التوثيقي بناءَ القصة بحذافيرها التقنية، والقانونية، والقضائية، مستعيناً بمَشاهد حقيقية من الأرشيف التلفزيوني. يُجيد التوازن بين الدراما والتوثيق، وبين المشاعر والمنطق، وبين الضمير الإنساني والواجب المهني.

لا بدّ من الثناء على التمثيل المحترف والإخراج المتقن واللغة التصويريّة الجذّابة، لا سيّما في استعادة حقبة الثمانينات من خلال الملابس والديكور والأداء. لكنّ المبالغة في الحَرْفيّة تسلبُ الكثير من تلك الحِرَفيّة. يستفيض المسلسل في تصوير المنافسة ما بين أجهزة التحقيق الاسكوتلندية والبريطانية والأميركية على اكتشاف هوية المرتكب. كما يدخل في تفاصيل العلاقة الشائكة بين جهازَي الـ«FBI» والـ«»CIA. ثم يشرّح كل الفرضيّات الإرهابيّة التي رافقت التحقيق، بما فيها تلك التي كانت خاطئة.

يستفيض المسلسل في الصراع بين الأجهزة الأمنية على التحقيق في القضية (نتفليكس)

في الحلقة الـ3، تدخل على خطّ الشبهات فرضيّة أن يكون قد حصل التفجير عبر جهاز راديو وُضع في إحدى الحقائب، وهنا يتصاعد التشويق. ومن الوجوه التي تخدم المسلسل تشويقياً وإنسانياً كذلك، المحققان الاسكوتلندي إد ماك كاسكر (الممثل كونور سويندلز) والأميركي ديك ماركيز (باتريك آدامز). لكنّ الخيوط الحقيقية لا تبدأ بالظهور سوى في منتصف الحلقة الـ5، عندما يتّضح ضلوع جهاز المخابرات الليبية السابق بتفجير الطائرة.

غير أنّ المسلسل يعود للغرق في الرتابة والتفاصيل، جاعلاً مهمة التركيز صعبةً على المُشاهد، خصوصاً وسط الأحداث المبعثرة ما بين اسكوتلندا وواشنطن وألمانيا وسويسرا ومالطا وهولندا، حيث مقرّ المحكمة التي تولّت استجواب المتّهمين. لكنّ القضية الشائكة أصلاً والتي لم يُغلق التحقيق فيها نهائياً حتى الآن، هي التي فرضت هذه الحبكة المعقّدة.

يضفي المحققون مزيداً من الإنسانية إلى القصة (نتفليكس)

يبقى الأساس في المسلسل تلك التحية التي يوجّهها إلى ضحايا تفجير الطائرة الذين انتُهكت كرامتهم ومشاعر أحبّائهم بسبب بعض الإهمال الرسمي حينذاك. ومن خلال هؤلاء، ينحني «تفجير بان آم 103» أمام أهالي القرية حيث تناثرت الطائرة حطاماً وأشلاءً، مانحاً «لوكربي» صبغةً جديدة، هي الإنسانية بوصفها بديلاً عن النكبة التي ارتبطت باسمِها على مدى عقود.


مقالات ذات صلة

«لوبين» يفقد من وهجه لكنه ما زال يُلهِم لصوص المتاحف

يوميات الشرق الممثل الفرنسي عمر سي بشخصية «آسان ديوب» في الموسم 4 من مسلسل «لوبين» (نتفليكس)

«لوبين» يفقد من وهجه لكنه ما زال يُلهِم لصوص المتاحف

يحتفل اللص الظريف «لوبين» بالذكرى السنوية الأولى لسرقة اللوفر التاريخية. يطلّ في جزء جديد من سلسلته على «نتفليكس»، حيث الدراما والتشويق يخسران لصالح التكنولوجيا

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ديناميّة جديدة في العلاقة بين «إدي» و«سوزي» في الموسم الثاني من «ذا جنتلمن» (نتفليكس)

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

مسلسل الكوميديا السوداء والتشويق «ذا جنتلمن» يعود إلى «نتفليكس» في موسمٍ ثانٍ، والمافيا الإيطالية تدخل على خط تصنيع الحشيشة في دهاليز القصور التاريخية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميغان ماركل تسير إلى جانب زوجها الأمير هاري في سيدني (رويترز)

ميغان ماركل تجري محادثات للمشاركة في مسلسل جاي ريتشي على «نتفليكس»

تجري ميغان، دوقة ساسكس، محادثات للعودة إلى التمثيل من خلال ظهورها في المسلسل التلفزيوني «ذا جينتلمين» للمخرج جاي ريتشي، وفقاً لتقارير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

مروان خريسات... رحلة صانع قنابل «القيادة العامة» من حروب الظلِّ ودهاليز الاستخبارات، إلى لغز تفجير «لوكربي» الذي أعاده مسلسل «نتفليكس» الأخير للواجهة.

كوثر وكيل (لندن)

مصر: البلاغات تحاصر البلوغر محمد شاكر عقب الإفراج عنه

البلوغر شاكر يثير جدلاً بعد عودته للبث عبر «تيك توك» (منصة X)
البلوغر شاكر يثير جدلاً بعد عودته للبث عبر «تيك توك» (منصة X)
TT

مصر: البلاغات تحاصر البلوغر محمد شاكر عقب الإفراج عنه

البلوغر شاكر يثير جدلاً بعد عودته للبث عبر «تيك توك» (منصة X)
البلوغر شاكر يثير جدلاً بعد عودته للبث عبر «تيك توك» (منصة X)

أثار أول بث مباشر لصانع المحتوى المصري محمد شاكر، الشهير باسم «شاكر محظور دلوقتي»، عقب الإفراج عنه في أغسطس (آب) الماضي، جدلاً بشأن الأرباح المالية الضخمة التي يحققها مشاهير المنصات الرقمية، وسط بلاغات جديدة تطالب بفحص مصادر الأموال المتحصلة من الهدايا الافتراضية، والتحقق من مشروعيتها ومدى خضوعها للرقابة الضريبية.

وتقدم محاميان ببلاغين إلى النائب العام، على خلفية عودة شاكر إلى البث المباشر عبر منصة «تيك توك»، وفق وسائل إعلام محلية. وشهد ظهوره تفاعلاً واسعاً وتدفقاً للهدايا الإلكترونية، وسط تقديرات متداولة تشير إلى وصول قيمتها إلى ملايين الجنيهات، من دون صدور بيانات رسمية تؤكد حجم العائدات الفعلية التي حصل عليها.

وطالب المحامي هيثم بسام، في بلاغه، بفحص إجمالي الهدايا التي تلقاها شاكر، وتحديد قيمتها المالية الفعلية، والكشف عن صافي الأرباح التي حصل عليها بعد خصم عمولات المنصة، فضلاً عن تتبع آليات تحويل الهدايا الافتراضية إلى أموال نقدية، ومخاطبة إدارة «تيك توك» للحصول على سجلات البث المباشر والهدايا والمعاملات المالية.

وفي بلاغ ثانٍ، طالب محامٍ آخر بالتحقق من شبهات غسل الأموال والتهرب الضريبي، إلى جانب بحث التأثيرات المجتمعية لبعض أنماط المحتوى المنتشر عبر المنصة، لا سيما ما يتعلق بتقديم نماذج للثراء السريع أمام الشباب والأطفال، ودعوة الجهات التنظيمية المختصة إلى فحص المحتوى، وبحث الإجراءات القانونية الممكنة بشأن المنصة.

ويرى خبير المحتوى الرقمي محمد البرمي أن عودة شاكر إلى البث المباشر تؤكد الحاجة إلى تدخل الدولة لإعادة تنظيم المشهد الرقمي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نتحدث عن شخص سبق أن أُدين قضائياً، ولا تزال تُثار بشأنه شبهات مالية، ثم يعود إلى ممارسة النشاط نفسه بالطريقة نفسها»، محذراً من أن غياب الضوابط الحاكمة للمنصات الرقمية قد يجعلها مصدراً للمخاطر.

ويشير البرمي إلى أن تنظيم صناعة المحتوى الرقمي لم يعد شأناً محلياً، بل أصبح توجهاً عالمياً، موضحاً أن الاتحاد الأوروبي وضع بالفعل تشريعات لتنظيم عمل المنصات الرقمية، بينما أقرت بعض الدول العربية قوانين في هذا المجال، وبدأت دول أخرى العمل على أطر تشريعية مماثلة، وهو ما يرى ضرورة تبنيه في مصر.

ويضيف: «كيف تُكتسب هذه الأموال؟ ومن أين تأتي؟ ولماذا تُدفع؟ هذه أسئلة وغيرها يجب أن تكون لها إجابات واضحة»، لافتاً إلى أن بعض الممارسات عبر المنصات الرقمية تسيء إلى صناع المحتوى الجادين، وقد تنعكس سلباً على صورة البلاد، في ظل ما وصفه بحالة من الانفلات في استخدام المنصات المعروفة وغير المعروفة.

وتعتمد منظومة الهدايا الافتراضية في «تيك توك» على شراء المستخدمين عملات رقمية داخل التطبيق بأموال حقيقية، واستخدامها في إرسال هدايا إلى صناع المحتوى خلال البث المباشر، قبل احتساب مستحقاتهم المالية وفقاً لنظام المنصة. وهو ما يجعل التمييز بين القيمة المتداولة للهدايا وصافي الأرباح الفعلية مسألة أساسية عند تقييم حجم هذه العائدات.

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري بالعاصمة الإدارية الجديدة (مجلس النواب المصري)

وتأتي هذه التطورات بعد الإفراج عن شاكر في أغسطس (آب) الماضي، عقب قضائه عقوبة الحبس لمدة عام في قضية تتعلق بنشر مقاطع مصورة خادشة للحياء العام.

وكانت تقارير صحافية قد تناولت نتائج فحص سابقة لحساب شاكر على «تيك توك»، تضمنت بيانات عن تحقيق عائدات بملايين الدولارات خلال المدة من يناير (كانون الثاني) 2023 حتى يوليو (تموز) 2025، وهي أرقام تتعلق بنشاطه السابق، ولا تعكس بالضرورة أرباحه من البث الأخير.

وفي موازاة الجدل بشأن أرباح صناع المحتوى، شهد البرلمان المصري تحركات سابقة لتنظيم هذا النشاط، عبر طلبات إحاطة بشأن غياب إطار قانوني واضح ينظم عمل صناع المحتوى على المنصات الرقمية، وسط مطالبات داخل لجنة الاتصالات في مجلس النواب بإعداد تشريع لتقنين أرباح «تيك توك» وإخضاعها للضرائب.

وترى النائبة نشوة عقل، عضو لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، أن الأرباح الكبيرة التي باتت تتحقق عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً من البث المباشر والهدايا الافتراضية، تعكس شكلاً جديداً من اقتصاد صناعة المحتوى، لكنها تحذر من أن هذه الأرباح «قد تتحول إلى ظاهرة غير محمودة في مجتمع يعاني ضعف الإنتاج وظروفاً اقتصادية صعبة».

وتتساءل عقل، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، عن طبيعة المحتوى الذي يجذب الجمهور، ويحقق الانتشار والأرباح، قائلة: «هل يحظى المحتوى المثير للجدل أو الغرائز، أو القائم على التلاسن والتشكيك وانتهاك خصوصية الآخرين، بمساحة أكبر لأنه يحقق معدلات تفاعل أعلى؟».

وتؤكد أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب رؤية أشمل لتنظيم اقتصاد صناعة المحتوى، «ليس بهدف المنع أو التضييق، وإنما لوضع قواعد واضحة تضمن الشفافية في آليات تحقيق الأرباح، وتحمي الجمهور، خصوصاً الأطفال الذين قد تجذبهم فكرة تحقيق الربح السريع بأي وسيلة»، مشددة على ضرورة مواجهة الاستغلال والاحتيال، مع الحفاظ على حقوق صناع المحتوى وحرية التعبير.

وتشير عقل إلى أن مسؤولية تنظيم هذا النشاط لا تقع على عاتق التشريعات وحدها، بل تشمل المنصات الرقمية التي ينبغي أن تكون أكثر شفافية وخضوعاً للمساءلة، إلى جانب دور المجتمع والإعلام والتعليم في تعزيز الوعي والقدرة على التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى القائم على الإثارة.

وتختتم النائبة المصرية بالتأكيد على أن المطلوب هو «تحقيق توازن يحمي حرية الإبداع، ويصون كرامة الأفراد والقيم المجتمعية، دون أن يتحول التنظيم إلى رقابة تعسفية أو وسيلة للإقصاء».


«الشمس الأبدية» تغمر المتحف المصري الكبير في ذكرى افتتاحه

المتحف المصري الكبير يجهز لعرض «الشمس الأبدية» (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير يجهز لعرض «الشمس الأبدية» (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الشمس الأبدية» تغمر المتحف المصري الكبير في ذكرى افتتاحه

المتحف المصري الكبير يجهز لعرض «الشمس الأبدية» (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير يجهز لعرض «الشمس الأبدية» (وزارة السياحة والآثار)

يُطلق المتحف المصري الكبير تجربة ضوئية غامرة بعنوان «الشمس الأبدية - Eternal Sun»، ضمن احتفالاته بالذكرى السنوية الأولى لافتتاحه، التي توافق الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، وذلك في إطار مجموعة متنوعة من الأنشطة الثقافية والفنية والمجتمعية.

ومن المقرر إقامة عرض «الشمس الأبدية» في البهو العظيم للمتحف، بعد انتهاء مواعيد الزيارة، ويستمر لمدة 35 دقيقة، مقدماً تجربة فنية ضوئية غامرة تجمع بين المؤثرات الضوئية والموسيقى الحية والسرد القصصي، وتتيح للزوار اكتشاف جوانب من الحضارة المصرية في أجواء مختلفة.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن تنظيم مثل هذه الفعاليات يعكس التوجه نحو تعظيم الاستفادة من المقومات الثقافية والحضارية للمتحف المصري الكبير، وتوظيفها في تقديم أنماط جديدة من الأنشطة السياحية، بما يسهم في إثراء التجربة السياحية في مصر، ويعزز مكانتها بوصفها وجهة عالمية للسياحة الثقافية.

وأشار فتحي، في بيان للوزارة، السبت، إلى أن «التوسع في تنظيم الفعاليات بالمواقع الثقافية والمتاحف يفتح آفاقاً جديدة أمام الحركة السياحية، ويتيح للزائرين فرصاً متنوعة للاستمتاع بالمقصد السياحي المصري، بما يدعم جهود تنويع المنتج السياحي وزيادة جاذبيته».

ومن المقرر تقديم عرض «الشمس الأبدية» مرتين يومياً طوال أيام الأسبوع، باستثناء يومَي الأربعاء والسبت، على أن تُطرح التذاكر عبر الموقع الرسمي لحجز تذاكر المتحف المصري الكبير، وفق بيان الوزارة.

المتحف المصري الكبير يحتفل بذكرى افتتاحه الأولى (وزارة السياحة والآثار)

وقال الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير، الدكتور أحمد غنيم، إن عرض «الشمس الأبدية» يمثل إحدى المبادرات التي يسعى المتحف من خلالها إلى تقديم محتوى أثري وحضاري وثقافي وتاريخي بأساليب مبتكرة، لافتاً إلى أن العرض يُعد تجربة ضوئية غامرة تستلهم طابعها من البهو العظيم، وما يتميز به من تصميم معماري فريد، لتقديم رحلة بصرية وسمعية عبر خمسة آلاف عام من التاريخ المصري.

وأوضح غنيم، في بيان الوزارة، أن «العرض يستخدم تقنيات الإسقاط الضوئي على الأسطح المعمارية وحوائط البهو، والإضاءة المتحركة، بمصاحبة الموسيقى الحية والسرد باللغتين العربية والإنجليزية. كما يستلهم فكرته من دورات الطبيعة المتجددة، مثل شروق الشمس وغروبها، وفيضان النيل ومواسم الحصاد، في معالجة فنية تعكس ارتباط المصري القديم بالطبيعة ومفهوم التجدد والاستمرارية في الحضارة المصرية».

من جانبها، أوضحت المهندسة ميريت السيد، الرئيسة التنفيذية لشركة «ليجاسي» للتطوير والإدارة، المشغّلة للخدمات في المتحف المصري الكبير، أن إطلاق العرض يأتي ضمن جهود تطوير البرامج والأنشطة المقدمة للجمهور، بما يشجع على تكرار الزيارة، ويتيح الاستفادة من مرافق المتحف ومساحاته في استضافة فعاليات ثقافية وفنية خارج مواعيد الزيارة المعتادة.

وأشار عمرو عبد الناصر، المدير الإبداعي لعرض «الشمس الأبدية»، إلى أن الفكرة الإبداعية للعرض تقوم على جعل عمارة البهو العظيم جزءاً من الحكاية، من خلال سرد يستكشف رؤية المصريين القدماء للكون والحياة والموت، وكيف انعكست معتقداتهم وأساطيرهم على فنونهم وعمارتهم، وصولاً إلى تطور الثقافة المصرية عبر العصور واستمرارها حتى اليوم.

ويرى الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، أن «احتفالية مرور عام على افتتاح المتحف المصري الكبير ستكون بمثابة مفاجأة لعشاق الحضارة المصرية القديمة»، مضيفاً، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «المتحف المصري الكبير أصبح فعلياً إحدى الواجهات السياحية التي يقصدها الزوار من مختلف دول العالم، فقد أثبت قدرته على الإبهار منذ افتتاحه، سواء من الناحية الإنشائية أو من خلال سيناريو العرض المتحفي وتنوع القطع الأثرية، وفي مقدمتها المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى التقنيات الحديثة الموجودة به».

عملات تذكارية احتفالاً بذكرى افتتاح المتحف الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ولفت عامر إلى أن الاحتفالية ستعتمد على عروض تستهدف إبهار السائحين، مثل عرض «الشمس الأبدية»، ليكون أحد عوامل الجذب السياحي والترويج للمتحف، مشيراً إلى أن العروض الفنية تمثل جانباً ترفيهياً يسهم في إنجاح مثل هذه الفعاليات.

وتابع: «أما فيما يتعلق بإصدار العملات التذكارية، فهذا أمر معتاد من جانب الدولة المصرية خلال الفترات الماضية، بهدف التأكيد على أهمية الأحداث المهمة، بالإضافة إلى تعزيز الهوية لدى المصريين».

وكان المتحف المصري الكبير قد أعلن عن مجموعة من الأنشطة والفعاليات الفنية والثقافية احتفالاً بالذكرى السنوية الأولى لافتتاحه، كما أعلن عن إصدار عملتين تذكاريتين غير متداولتين، إحداهما ذهبية من فئة جنيه واحد، والأخرى فضية من فئة 25 جنيهاً (الدولار يعادل نحو 56 جنيهاً مصرياً).

وتحمل العملتان التصميم الفائز في مسابقة أطلقها المتحف المصري الكبير بالتنسيق مع مصلحة سك العملة، لإتاحة الفرصة أمام المبدعين المصريين للمشاركة في تخليد الذكرى السنوية الأولى لافتتاح المتحف.

من جانبه، عدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، تجربة «الشمس الأبدية» نموذجاً جديداً لتسويق الحضارة المصرية، وتحويل المتحف إلى مساحة مفتوحة لتقديم تجارب سياحية متكاملة.

وأضاف كارم، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «عرض الشمس الأبدية خطوة مهمة جداً لتقديم حالة فنية وجمالية عن الحضارة المصرية للسائحين الأجانب، وهو نمط جديد في السياحة الحديثة التي لا تعتمد على زيارة الأماكن فقط، بل تضيف إلى الزيارة تجربة تفاعلية تجمع بين المعرفة والإبداع الفني، من خلال التقنيات الحديثة».

وأشار إلى أن توظيف الإضاءة والمؤثرات البصرية والتقنيات الحديثة والسرد القصصي يقدم التاريخ المصري بشكل مختلف، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الترويج للمتحف المصري الكبير، الذي يُعد من أهم المؤسسات الثقافية في مصر والعالم.


المخرج الصيني ون موييه: «مطعم التنين» أنشودة للسلام وسط طبول الحرب

جمع الفيلم بين ممثلين عرب وصينيين (الشركة المنتجة)
جمع الفيلم بين ممثلين عرب وصينيين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الصيني ون موييه: «مطعم التنين» أنشودة للسلام وسط طبول الحرب

جمع الفيلم بين ممثلين عرب وصينيين (الشركة المنتجة)
جمع الفيلم بين ممثلين عرب وصينيين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الصيني ون موييه إن ما جذبه إلى حكاية فيلمه «مرحباً بكم في مطعم التنين» هو وجود حياة تحاول الصمود داخل الحرب؛ وأوضح أنه استلهم الفكرة من خبر حقيقي عن صيني يدير مطعماً في الشرق الأوسط خلال فترة صراع، مشيراً إلى أن الحكاية حملته إلى المنطقة، بما تطرحه من أسئلة عن مصائر أشخاص يجدون أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ قرارات تتجاوز حساباتهم الأولى، بعدما تصبح حياتهم مرتبطة بما يجري حولهم.

وأضاف المخرج الصيني، في حواره مع «الشرق الأوسط» عبر منصة «زووم»، أن الفيلم يتأمل المسافة التي قد تفصل بين طباع الإنسان وما ينتهي إلى فعله تحت ضغط الظروف. وأوضح أن شخصيات متقاربة في تكوينها قد تسلك مسارات مختلفة، لأن كلاً منها يعيش في موقع مغاير ويواجه شروطاً مختلفة للبقاء. وأشار إلى أن المقارنة بين هذه المصائر تتيح فهم ما تحدثه الحرب داخل البشر، وكيف تدفعهم إلى التحول، حتى يصبحوا أشخاصاً مختلفين عما كانوا عليه.

وتدور أحداث فيلم «مرحباً بكم في مطعم التنين»، الذي اختارته الصين لتمثيلها في سباق أوسكار أفضل فيلم دولي، حول طاهٍ صيني يسافر إلى مدينة خيالية في الشرق الأوسط، بحثاً عن عمل يسدد به ديون أسرته. وينجح الطاهي بالتعاون مع مدير «مطعم التنين» في إنعاش المكان، قبل أن تحوله الحرب إلى ملجأ للمدنيين. من جانب آخر تدفعه علاقته بطفل يتيم يحلم بتعلم الطبخ إلى المخاطرة بحياته لحماية الآخرين، بعدما كان هدفه جمع المال والعودة إلى بلاده.

وأوضح موييه أن بناء الحكاية انطلق من تجربة الطاهي وما يمر به، ومن التحولات التي تفرضها الحرب على علاقته بالناس، فاهتمامه كان منصباً على ما تكشف عنه هذه التجربة عن الإنسان حين يتعرض عالمه للاهتزاز، وعن تأثير العنف على سلوكه واختياراته، وبشكل أوسع يرصد تأثير الحرب على ما يحيط به من طفولة وجمال وتفاصيل تستحق البقاء.

ولفت إلى أن «الجمع بين الطعام والحرب يضع في قلب الفيلم إحساساً بما يمكن أن يفقده الناس؛ فالوجبة ترتبط بالحياة، بينما يهدد القتال كل ما يتيح لهذه الحياة أن تستمر».

وعن المطعم، قال إنه لا يراه مكاناً محدداً بقدر ما يعدّه أمنية؛ مساحة يستطيع الناس فيها تناول طعامهم في سلام بعيداً عن الحرب التي تسلبهم أبسط شروط العيش، مشيراً إلى أن هذه الرغبة تظل حاضرة حتى حين يبدو تحققها بعيداً، وأضاف أن العنوان الصيني للفيلم يرتبط بهذا المعنى، إذ تحمل الدعوة إلى المكان رجاءً بالسلام يصطحبه الإنسان في داخله، أينما كان.

وأوضح المخرج الصيني أن الدفء الذي تبثه العلاقات اليومية في الحكاية هو ما يجعل وقع العنف أشد إيلاماً، لأن المشاهد يكون قد اقترب من الشخصيات وشعر بما يجمعها من محبة، موضحاً أن الاهتمام بتصوير الخير المتبادل بين الناس يتيح إدراك ما تفعله الحرب حين تصل إليهم، فكلما بدت حياتهم داخل المطعم صادقة وقريبة، أصبح الإحساس بخسارتهم أعمق، وظهر أثر الصراع في الروابط الإنسانية التي أخذت تتكون أمام الجمهور.

فيلم «مرحباً بكم في مطعم التنين» من تأليف وإخراج ون موييه، وشارك في كتابة السيناريو لانغ تشونلي وتشونغ وي، وبطولة شين تنغ وجيانغ تشي مينغ، والممثلين المصريين عمر شريف وشريف صبحي.

ركز الفيلم على جوانب إنسانية (الشركة المنتجة)

وفيما يتعلق بصورة الشرق الأوسط في الفيلم، قال إنه حاول تجاوز التصورات النمطية المألوفة عن المنطقة، وإنه حرص على منح شخصيات الفيلم حضوراً فردياً واضحاً، وحرص على الاقتراب منهم بوصفهم أشخاصاً نشأوا في هذه البيئة ويحملون تفاصيلها.

وأشار إلى أن شخصيات فيلمه «سيف» و«زايد» و«لينا» و«سوسو»، وغيرهم، تشكل جانباً أساسياً من عالم الفيلم إلى جانب شخصيتين صينيتين رئيسيتين. وأضاف أن تقديم هذه الشخصيات بشكل يتيح لها التعبير عن نفسها قد يفتح مجالاً لفهمهم خارج الأحكام الجاهزة، ويضعف الصور النمطية المرتبطة بمجتمعاتهم.

وأكد أن العمل مع الممثلين العرب أتاح معرفة تفاصيل لم يكن فريقه يستطيع الإحاطة بها، خصوصاً فيما يتعلق باللغة والمجتمع الذي نشأوا فيه، لافتاً إلى أن ملاحظاتهم ساعدت في ضبط الحوار وطرق التعبير، بما يلائم كل شخصية والموقف الذي تمر به.

اختارت الصين الفيلم لتمثيلها في الأوسكار (الشركة المنتجة)

وعن اختيار شين تنغ لتجسيد الطاهي، أوضح أنه يناسب الدور من ناحية العمر والخلفية بحكم انتمائه إلى شمال شرقي الصين، إلى جانب ما يتمتع به من حس فكاهي موضحاً أن موهبته الكوميدية تتيح إدخال قدر من الألفة إلى موضوع مثقل بالألم، وتمنح الحكاية دفئاً يحتاج إليه المشاهد. وشبه تأثير حضوره بحلاوة قطعة من السكر الصخري وسط أجواء من المعاناة. كما أشار إلى قدرة شين تنغ على بلوغ حالات متباينة، والتنقل بين الكوميديا والتراجيديا والدراما، مستنداً إلى تمكنه من الحوار واهتمامه بالتفكير في الشخصية.

وتخطط الشركة الموزعة للفيلم لطرح الفيلم في دور السينما بالشرق الأوسط قريباً بعد إطلاقه في الصين وأميركا الشمالية خلال الأسابيع الماضية.