مخاوف ليبية من طلب دفع تعويضات جديدة في قضية «لوكربي»

بعد استناد الادعاء الأميركي إلى وثيقة خطية لأبو عجيلة قبل 14 عاماً

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)
الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)
TT

مخاوف ليبية من طلب دفع تعويضات جديدة في قضية «لوكربي»

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)
الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

تتزايد المخاوف في ليبيا من احتمال مطالبة أطراف أميركية بتعويضات جديدة في قضية تفجير طائرة «بان آم 103» فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية عام 1988، بعد دخول محاكمة أبو عجيلة مسعود المريمي، الضابط السابق بجهاز الأمن الخارجي الليبي، منعطفاً حرجاً، إثر سماح قاضية اتحادية أميركية باستخدام إفادة منسوبة إليه، تعود إلى عام 2012 كدليل أمام هيئة المحلفين.

وكانت القاضية الأميركية دابني فريدريش قد رفضت طلب فريق الدفاع استبعاد الإفادة، التي يقول محامو المريمي إنها «كاذبة وانتُزعت منه تحت الإكراه قبل 14 عاماً».

أبو عجيلة المريمي ضابط الاستخبارات الليبية السابق (أرشيفية - رويترز)

ووفق ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، تتضمن الوثيقة إفادة خطية قال فيها المريمي، خلال استجوابه من جانب ضابط شرطة ليبي، إنه شارك في تجهيز القنبلة التي دمرت الطائرة، بتعاون مع عناصر في الاستخبارات الليبية.

وحذر رئيس فريق الدفاع الليبي عن أبو عجيلة المريمي، محمد بن دردف، من أن استمرار صمت الدولة الليبية، وعدم تحركها في هذه القضية، قد يحمّلها أعباء مالية كبيرة مستقبلاً، في حال لجوء أهالي ضحايا «لوكربي» إلى المطالبة بتعويضات جديدة.

وقال بن دردف لـ«الشرق الأوسط» إن عدم تعامل السلطات الليبية مع تداعيات القضية بصورة قانونية وسياسية قد يفتح الباب أمام مطالبات مالية، موضحاً أن تطور القضية إلى مسارات قضائية أخرى يمكن أن يفرض التزامات على الدولة الليبية. ودعا إلى التحرك مبكراً لحماية المصالح الليبية، وتجنب انتقال القضية من محاكمة شخص متهم إلى تداعيات أوسع تمس الدولة الليبية وأصولها.

وتعود الإفادة التي يستند إليها الادعاء الأميركي إلى مقابلة أجريت مع المريمي في ليبيا عام 2012 بعد سقوط نظام معمر القذافي. وقال الادعاء الأميركي إن المريمي أقر خلالها بدوره في تصنيع القنبلة، وتسليمها إلى عبد الباسط المقرحي ولمين فحيمة في مالطا، فيما ينفي المتهم صحة الاعتراف، ويؤكد أنه أدلى به تحت الضغط.

وتفيد المعلومات المتاحة بأن ضابط الشرطة الليبي الذي أُشير إليه باسم «جمال» احتفظ بالوثيقة الخطية، قبل أن تصل نسخة منها لاحقاً إلى السلطات الاسكوتلندية ثم الأميركية.

ومن المقرر أن تبدأ محاكمة المريمي أمام محكمة اتحادية في واشنطن في وقت لاحق في أغسطس (آب) الحالي، بعدما أصبح في حوزة السلطات الأميركية منذ عام 2022، إثر تسليمه من ليبيا. ويواجه اتهاماً يتعلق بتدمير طائرة «بان آم 103»، والتسبب في وفاة ركابها، وهي الجريمة التي أودت بحياة 270 شخصاً، بينهم 259 كانوا على متن الطائرة، و11 شخصاً على الأرض في لوكربي.

وفي ضوء التطورات الأخيرة، لم يستبعد بن دردف أن تمتد التداعيات، في حال صدور أحكام قضائية لاحقة، إلى أصول أو أرصدة ليبية في الولايات المتحدة. وشدد على أن التعامل مع القضية لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الجنائي المتعلق بالمريمي، بل يتعين أن يأخذ في الاعتبار انعكاساتها القانونية والمالية والسياسية المحتملة على الدولة الليبية.

وكان المريمي، الذي ينفي التهم الموجهة إليه، قد قال قبل عامين إن الإفادة التي تستند إليها السلطات الأميركية لا تعكس حقيقة ما حدث، وإنه أُجبر على ترديد معلومات تحت التهديد بإيذاء أفراد أسرته. ويأتي ذلك في وقت يراهن فيه الادعاء على الإفادة باعتبارها دليلاً مهماً، بينما يسعى الدفاع إلى التشكيك في ظروف الحصول عليها ومصداقيتها.

ويرى الكاتب الليبي مصطفى الفيتوري أن قبول المحكمة استخدام الإفادة المنسوبة إلى المريمي «ضيّق مساحة المناورة» أمام فريق الدفاع، لافتاً إلى أن اطلاع هيئة المحلفين على الوثيقة قد يؤثر في تقييمها للقضية، خصوصاً أن الدفاع دفع منذ أشهر بأنها انتُزعت تحت التهديد وطالب باستبعادها من الأدلة.

ويحذر الفيتوري في منشور عبر «فيسبوك» من أن إدانة المريمي، باعتباره ضابطاً سابقاً في الاستخبارات الليبية، قد تفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز مسؤوليته الشخصية، إذا اعتبرت مشاركته المزعومة جزءاً من عمل أوسع نفذته أجهزة الدولة آنذاك. ومن شأن هذا السيناريو، بحسبه، إعادة طرح ملف مسؤولية ليبيا عن أعمال أجهزتها السابقة، وما قد يترتب على ذلك من مسارات قانونية ومالية جديدة.

ويقول الفيتوري إن إعادة فتح هذا الملف على نطاق أوسع قد يضع ليبيا أمام ضغوط أميركية جديدة، خصوصاً إذا جرى الربط بين المسؤولية الجنائية الفردية والمسؤولية الأوسع للدولة. وحذر من أن غياب تحرك رسمي ليبي مبكر للدفاع عن مصالح الدولة قد يترك طرابلس أمام مساحة أضيق للتعامل مع أي مطالبات، أو إجراءات قد تظهر لاحقاً في قضية ظلت لعقود واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الليبية - الغربية.

الرئيس الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

وسبق لنظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي أن أبرم اتفاقاً مع واشنطن لإنهاء ملف القضية نهائياً، عقب دفع ليبيا تعويضات للضحايا، بما يغلق الباب أمام أي مطالبات جديدة، تتعلق بأفعال ارتكبها أي من الطرفين بحق الآخر قبل 30 يونيو (حزيران) 2006. وبعد عامين، أقرّ الكونغرس الأميركي تشريعاً يقضي بحماية الممتلكات الليبية والأفراد الليبيين المعنيين من الحجز أو الخضوع لأي إجراءات قضائية أخرى.

كما وقّع الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش مرسوماً يقضي بالتزام بلاده بإغلاق أي قضايا لا تزال منظورة أمام المحاكم المحلية أو الأجنبية، كانت قد رفعتها عائلات ضحايا القضية.

واستناداً إلى هذه المعطيات، يرى الناشط الحقوقي هشام الحاراتي أن ملف التعويضات أُغلق بصورة نهائية منذ أكثر من 18 عاماً، بعد صرف التعويضات المقررة للضحايا. وخلص في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أي محاولة لإعادة فتح الملف، أو المطالبة بتعويضات جديدة، تمثل، حسبه، «انحرافاً عن الاتفاق الليبي - الأميركي».


مقالات ذات صلة

جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

شمال افريقيا محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)

جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

وسط جدل بين خبراء اقتصاديين حول جدوى الخطوة، اتفقت الحكومتان في غرب ليبيا وشرقها على تنظيم استيراد السلع والبضائع المخصصة لأغراض التجارة، وحظر توريدها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا قادة عسكريون من شرق ليبيا وغربها خلال لقاء في سرت الليبية الأربعاء (وكالة الأنباء الليبية)

لقاء قيادات من شرق ليبيا وغربها لتعزيز مسار توحيد الجيش

تتحرك المؤسسة العسكرية الليبية بخطوات متدرجة نحو اختبار إمكانات التقارب بين شرق البلاد وغربها؛ إذ احتضنت مدينة سرت، الأربعاء، اجتماعاً مشتركاً لرؤساء الأركان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» في لقاء سابق بطرابلس (مكتب المنفي)

المنفي والدبيبة... من شراكة السلطة في ليبيا إلى حافة الصدام

ساهمت الترتيبات الجديدة التي تتشكل في ليبيا على وقع «المبادرة الأميركية» في توتر العلاقة بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، والدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة».

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المظاهرات أمام مقر «مفوضية اللاجئين» بحي السراج بالعاصمة يونيو الماضي (أ.ف.ب)

تنديد أممي وليبي باقتحام مقر خدمات تابع لـ«الدولية للهجرة» بطرابلس

أدانت الأمم المتحدة «بشدة الحوادث المتكررة التي وقعت بمقر مركز الخدمات الذي تديره إحدى وكالات الأمم المتحدة بطرابلس الليبية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عربية لاعب الوسط النيجيري أونوتشي أوجبيلو (نادي الاتحاد الليبي)

الاتحاد الليبي يضم أونوتشي أوجبيلو من الترجي التونسي

أعلن نادي الاتحاد المنافس في الدوري الليبي لكرة القدم اليوم (الاثنين) تعاقده مع لاعب الوسط النيجيري أونوتشي أوجبيلو قادماً من الترجي التونسي.

«الشرق الأوسط» (طرابلس (ليبيا))

«شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

«شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

في غضون 48 ساعة، أعلن السودان نتيجتين لامتحانين يحملان الاسم نفسه، «الشهادة السودانية»، نظمتهما سلطتان متحاربتان، في واحد من أوضح مظاهر الانقسام الذي نقلته الحرب من الأرض ومؤسسات الحكم إلى التعليم ومستقبل الطلاب.

ففي نيالا، عاصمة جنوب دارفور، أعلنت السلطة التابعة لتحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الثلاثاء، نتيجة امتحانات الشهادة الثانوية التي نظمتها في مناطق خاضعة لسيطرتها في دارفور وكردفان. والخميس، تعلن وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة في الخرطوم نتيجة امتحانات الشهادة السودانية للعام الدراسي 2025 - 2026، بعدما اعتمدها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الثلاثاء.

والفارق بين الامتحانين كبير؛ إذ جلس لامتحانات الحكومة 559 ألف طالب وطالبة داخل السودان وخارجه، مقابل 510 آلاف قبل الحرب، بينما سجل 10 آلاف و664 طالباً لامتحانات «تأسيس»، جلس منهم 9314، لكن هذه الأرقام لا تشمل الطلاب الذين لم يتمكنوا من أداء أي من الامتحانين، في بلد لا يزال فيه 8 ملايين طفل على الأقل في سن الدراسة خارج المدرسة، وفق «منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)».

أطفال سودانيون نازحون في مخيم ببورتسودان حيث تشير «يونيسف» إلى أن 8 ملايين طفل خارج المدرسة (رويترز)

لا يعني تنظيم «تأسيس» للامتحانات أنها وصلت إلى جميع الطلاب المؤهلين في مناطق سيطرتها؛ فعدد الجالسين (9314 طالباً) محدود قياساً باتساع مناطق الحرب وحجم الأزمة التعليمية في دارفور وكردفان. وتقدر «يونيسف» أن نحو 4 ملايين طفل في سن الدراسة يعيشون في دارفور وحدها، أكثر من 3 ملايين منهم خارج المدرسة، فيما تعد دارفور وكردفان من أكثر المناطق تضرراً من تعطل التعليم.

كما لا تتطابق خطوط السيطرة العسكرية مع خريطة الامتحانين؛ إذ تمكن عشرات الآلاف من طلاب دارفور وكردفان من الوصول إلى امتحانات الحكومة خارج مناطقهم، بينما منعت الحرب والنزوح وصعوبة الحركة آخرين من الوصول إلى أي امتحان.

وفي يونيو (حزيران)، دعت «يونيسف» إلى إتاحة فرصة متساوية لجميع الطلاب السودانيين للجلوس لامتحان قومي موحَّد ومعترف به، محذرة من أن تعدد الامتحانات قد يخلق انقسامات تحد من فرصهم مستقبلاً. وإلى جانب امتحاني الخرطوم ونيالا، هناك آلاف لا تظهرهم نتائج أي منهما، بعدما حرمتهم الحرب والنزوح وتعطل المدارس من الجلوس للامتحان.

انقسام وجداني

يرى خبير تربوي سوداني (طلب حجب اسمه لأسباب تتعلق بسلامته) أن الخطر يتجاوز وجود امتحانين إلى ما وصفه بـ«الانقسام الوجداني» بين طلاب البلد الواحد.

ويقول إن الشهادة السودانية يُفترض أن تكون متاحة لطلاب الولايات الـ18، وإن حرمان طلاب مناطق الحرب من فرصة متساوية قد يولد شعوراً بالغبن والتهميش، داعياً إلى «اتفاق أخلاقي» بين طرفَي الحرب يعزل الطلاب والتعليم عن القتال، ويتيح إجراء الامتحانات في مناطق آمنة.

ويشير إلى تجربة حرب دارفور، حين كان الطلاب ينتقلون من مناطق سيطرة الحركات المسلحة إلى المدن للجلوس للامتحانات ثم يعودون، مؤكداً أن حق الطالب في التعليم يجب ألا تحدده الجهة العسكرية المسيطرة على منطقته. ويحذر من أن التسرب في مناطق الحرب لم يعد مجرد غياب عن المدرسة؛ إذ اتجه طلاب إلى العمل والتعدين والأعمال الهامشية، وانخرط آخرون في القتال؛ ما يصعب إعادتهم إلى الفصول ويعرض بعضهم لـ«الأمية الارتدادية» نتيجة الانقطاع الطويل. ويرى أن امتحان «تأسيس» جاء محاولة لحفظ حق الطلاب الذين تعذر وصولهم إلى امتحانات الحكومة، لكن تكريس نظامين للشهادة قد يحوّل الانقسام السياسي والجغرافي إلى انقسام تعليمي طويل الأمد.

طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان في ديسمبر (أ.ف.ب)

تقدّم الحكومة ارتفاع عدد الجالسين لامتحاناتها بوصفه مؤشراً على تعافي التعليم. وقال وزير التربية والتعليم، التهامي الزين حجر، إن 559 ألف طالب وطالبة أدوا الامتحانات، بزيادة 49 ألفاً عما قبل الحرب، معتبراً ذلك دليلاً على الاستقرار وانتظام العملية التعليمية. ووفق الوزارة، عقدت الامتحانات في 3333 مركزاً داخل السودان وخارجه، بينها 84 مركزاً في 14 دولة.

وأشاد البرهان، لدى اعتماده النتيجة، بصمود المعلمين وجهودهم في استمرار العملية التعليمية، مؤكداً التزام الدولة بدعم التعليم.

لكن الخبير التربوي يرى أن زيادة عدد الممتحنين لا تكفي لإثبات التعافي، الذي يجب أن يقاس أيضاً بجودة التعليم والبيئة المدرسية واستقرار العام الدراسي وتراجع التسرب وأوضاع المعلمين والتحصيل الأكاديمي والمناهج. لكن تقديرات «يونيسف» تشير إلى أن 8 ملايين طفل على الأقل لا يزالون خارج المدرسة، مع تركز الأزمة في دارفور وكردفان.

أرقام متباينة للمدارس

يمتد الخلاف إلى عدد المدارس العاملة؛ فالوزير يقول إن 26 ألف مدرسة من أصل 29 ألفاً تعمل بصورة منتظمة، وإن 3 آلاف فقط متوقفة.

لكن لجنة المعلمين السودانيين تشكك في الأرقام، وتقول إن عدد المدارس قبل الحرب كان بين 21 و22 ألفاً، متسائلة كيف ارتفع خلال سنوات الحرب إلى 29 ألفاً، وما إذا كان احتساب المرحلة المتوسطة بصورة منفصلة وراء جانب من الفارق.

طالبات الشهادة الثانوية في مدينة نيالا (إعلام «تأسيس»)

وبحسب اللجنة، كانت ولايات دارفور الخمس تضم 4901 مدرسة، إضافة إلى 740 في جنوب كردفان و1218 في غرب كردفان؛ ما يجعل القول إن ثلاثة آلاف مدرسة فقط متوقفة، في ظل الحرب والسيطرة العسكرية على مناطق واسعة، بحاجة إلى تفسير.

كما تختلف الأرقام الحكومية عن تقديرات منظمات دولية تشير إلى استمرار إغلاق أعداد كبيرة من المدارس وتعطل أخرى بسبب النزوح والحرب.

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على توضيح من وزارة التربية والتعليم بشأن اختلاف الإحصاءات ومعايير احتساب المدرسة «العاملة»، وموقفها من شهادة «تأسيس» وأجور المعلمين ومتأخراتهم، لكن المتحدث الرسمي لم يرد حتى إعداد التقرير.

راتب يغطي 3 في المائة

ووفق دراسة أصدرها المكتب الاجتماعي للجنة المعلمين في سبتمبر (أيلول)، تبلغ تكلفة الاحتياجات الأساسية الشهرية لأسرة من 5 أفراد نحو 4.18 مليون جنيه سوداني، أي نحو 597 دولاراً، وفق سعر صرف يبلغ نحو 7 آلاف جنيه للدولار، ومتوسط راتب المعلم 128 ألفاً و125 جنيهاً سودانياً، يعادل 18 دولاراً بهذا السعر، أي نحو ثلاثة في المائة فقط من تلك التكلفة.

وقال المتحدث باسم لجنة المعلمين سامي الباقر لـ«الشرق الأوسط» إن الدراسة اعتمدت أسعار السوق في ولاية الخرطوم، واحتسبت الغذاء والمواصلات وغاز الطهي والمياه والكهرباء وغيرها من النفقات الأساسية.

وحتى إذا طبقت الزيادات المرتقبة وارتفع متوسط راتب المعلم إلى نحو 395 ألف جنيه، تقول اللجنة إنه لن يغطي سوى 9.4 في المائة من تكلفة المعيشة. وطالبت برفع الحد الأدنى للأجور إلى 370.5 ألف جنيه، وإقرار علاوة طبيعة عمل بنسبة 70 في المائة من الراتب الأساسي، وسداد الرواتب والمتأخرات عن عامي 2023 و2024، ومراجعة البدلات وفق التضخم ومعالجة أوضاع المعلمين في دارفور وكردفان.

من الفصل إلى معادن الذهب

وتكشف قصة المعلم محمد المجذوب الحاج حمد جانباً من تداعيات أزمة الأجور؛ إذ لقي مصرعه إثر انهيار بئر للتعدين عليه، بعدما اتجه إلى التنقيب الأهلي عن الذهب بحثاً عن مصدر رزق بديل.

ويقول الباقر إن ضعف الأجور وتأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة دفعت معلمين إلى أعمال أخرى، فيما ترك بعضهم المهنة أو قلَّص ارتباطه بها.

ويضيف أن المعلمين يقدرون إشادة البرهان بصمودهم، لكنهم ينتظرون قرارات تنعكس على حياتهم، لأن فتح المدارس وعقد الامتحانات لا يعنيان تعافياً مستداماً إذا كان المعلم عاجزاً عن إعالة أسرته أو مضطراً إلى مغادرة الفصل بحثاً عن الرزق.

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

ويطرح إعلان نتيجة «تأسيس»، مشكلة أخرى تتعلق بمستقبل الشهادة والاعتراف بها؛ فآلاف الطلاب اجتازوا امتحاناً نظمته سلطة لا تعترف الحكومة المركزية بشرعيتها، فيما لم توضح وزارة التربية والتعليم ما إذا كانت ستعترف بالشهادة أو كيف ستتعامل مع حامليها.

وترى لجنة المعلمين أن الطلاب لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الحرب أو الجهة التي تسيطر على مناطقهم، لكنها تحذر من أن استمرار امتحانين قد يقود إلى ما هو أبعد من شهادتين: مناهج مختلفة، واعتراف أكاديمي مختلف، ونظامان تعليميان في بلد واحد.

وتدعو اللجنة إلى حل وطني عاجل عبر لجنة موحدة تضم المؤسسات التعليمية والقوى المهنية، بالتنسيق مع المنظمات الدولية، للوصول إلى امتحان موحَّد وصيغة تحفظ حقوق الطلاب في جميع المناطق.

ويتفق ذلك مع دعوة «يونيسف» إلى امتحان قومي موحَّد ومعترَف به، يضمن عدالة الفرص ويحمي قيمة مؤهلات الطلاب وخياراتهم المستقبلية.

خلال 48 ساعة، حصل السودان على نتيجتين لشهادة واحدة، تحت سلطتين مختلفتين، بينما بقي ملايين الأطفال خارج المدارس، ويواجه المعلمون أزمة تدفع بعضهم إلى مغادرة الفصول بحثاً عن الرزق.

وبين آلاف الطلاب الذين لم يصلوا إلى الامتحانات، وآخرين يحملون شهادة لا يعرفون مصيرها، ومعلمين تدفعهم أوضاعهم المعيشية إلى مغادرة فصول الدراسة، تطرح الأزمة أسئلة كثيرة أكثر تعقيداً، وأبرزها: أي تعليم سيبقى للسودانيين بعد الحرب؟


مساعدة أوروبية لإسبانيا لتعزيز أمن الحدود بعد أزمة سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
TT

مساعدة أوروبية لإسبانيا لتعزيز أمن الحدود بعد أزمة سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)

أعلن الاتحاد الأوروبي، الأربعاء، أنه سيقدم لإسبانيا 115 مليون يورو على شكل مساعدات طارئة للمساهمة في تعزيز أمن الحدود ودعم عمليات الإعادة، بعد موجة الهجرة الجماعية إلى جيب سبتة الدي تحتله إسبانيا شمال المغرب.

وعبر أكثر من 70 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة أواخر يوليو (تموز) الماضي، في تدفق غير مسبوق شهد مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة من طرف إلى الآخر، وأثارت هذه الأزمة انتقاد دول أوروبية عدة.

وقالت نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية، هينا فيركونن، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية: «إن الوضع في سبتة تسبب في ضغط على حدودنا الخارجية». وأضافت: «رسالتنا لا تزال واضحة: نحن ملتزمون بمكافحة الهجرة غير النظامية، وضمان الإعادة السريعة لأولئك الذين يمكثون بشكل غير قانوني في سبتة».

وطلبت إسبانيا المساعدة من بروكسل في أواخر أغسطس (آب) الماضي. وقال الاتحاد الأوروبي إن الأموال ستُخصص لـ«إجراءات لتعزيز مراقبة الحدود وحمايتها والبنية التحتية المرتبطة بالأمن»، مثل الكاميرات الحرارية والأنظمة العائمة، والمسيّرات العاملة تحت الماء.

وأوضح التكتل أن المساعدة «ستُستخدم أيضاً لإقامة منشآت لفرز المهاجرين، فضلاً عن دعم عمليات إعادة أولئك الذين يمكثون بشكل غير قانوني في سبتة».

وعاد معظم المهاجرين الذين دخلوا سبتة إلى المغرب، لكنَّ آلافاً منهم بقوا في ظروف معيشية غالباً ما تكون صعبة، وهو ما زاد من حدة التوتر في المدينة الصغيرة وتسبب في أزمة سياسية.

وتسببت الأزمة في توتر بين دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بين مدريد وروما بعد قرار الحكومة الإيطالية تشديد إجراءات ضبط حدودها مع إسبانيا.

وفتح القضاء الإسباني، الاثنين، تحقيقاً في دخول المهاجرين إلى سبتة، مستنداً إلى أدلة في شأن «عملية توجيه وتسهيل لا يمكن إنكارها» من الجانب المغربي.

إلا أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، كان قد شدّد على عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطط، أو دبّر تدفق المهاجرين، عقب تقرير للشرطة الإسبانية أشار إلى إخفاقات عدة من جانب قوات الأمن المغربية.


جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
TT

جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)

وسط جدل بين خبراء اقتصاديين حول جدوى الخطوة، اتفقت الحكومتان في غرب ليبيا وشرقها على تنظيم استيراد السلع والبضائع المخصصة لأغراض التجارة، وحظر توريدها خارج القنوات المصرفية، في مسعى للحد من الطلب على الدولار في السوق الموازية.

ويُعد القرار توافقاً نادراً بين الحكومتين المتنافستين، في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي المستمر منذ سنوات؛ إذ صدر منتصف الأسبوع، بالتزامن، عن حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد.

ويرى مؤيدو القرار أن تنظيم الاستيراد عبر القنوات المصرفية يمكن أن يسهم في تقليص الطلب على الدولار خارج القطاع الرسمي، شريطة أن تكون العملة الأجنبية متاحة فعلياً للمستوردين، وأن ترافق الإجراءات المصرفية رقابة صارمة على الاعتمادات وحركة البضائع.

في المقابل، يحذر منتقدوه من أن تقييد الاستيراد من دون معالجة نقص السيولة الأجنبية قد يدفع بعض التجار إلى السوق الموازية، بما يرفع تكلفة السلع ويزيد الضغوط على الأسعار، خصوصاً إذا تعذر على صغار المستوردين الوصول إلى التمويل المصرفي.

ومن المقرر أن يبدأ تطبيق قرار الحكومتين اعتباراً من 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، في وقت تواجه فيه سوق الصرف ضغوطاً متزايدة، مع اتساع الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على التجارة والأسعار.

ومن بين الأصوات الداعمة للقرار، أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، الذي يرى أن القرار يمثل إجراءً ضمن خطة تهدف إلى تنظيم السوق وضبط حركة التجارة والاستيراد، معتبراً أن نجاحه سيعتمد على مدى تطبيقه بصورة فعالة وموحدة من الجهات المعنية.

وقال الشريف، في منشور عبر حسابه الشخصي على «فيسبوك»، إن التطبيق الفعال للقرار يمكن أن يسهم في الحد من الطلب على العملات الأجنبية خارج القطاع المصرفي، وتقليص التعاملات على الدولار في السوق الموازية، بما يدعم استقرار سوق الصرف.

وتزامن القرار مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بنحو 13 قرشاً؛ إذ سجل 9.28 دينار مقابل 9.15 دينار في اليوم السابق، بحسب متداولين وتجار، بينما بلغ السعر الرسمي، وفق أسعار مصرف ليبيا المركزي، نحو 6.32 دينار.

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في اجتماع مع علي منصور رئيس لجنة متابعة الاعتمادات المستندية في طرابلس الأسبوع الماضي (الرقابة الإدارية)

وبذلك، تبلغ الفجوة بين السعرين نحو 2.96 دينار للدولار، بما يعني أن سعر العملة الأميركية في السوق الموازية يزيد بنحو 47 في المائة عن السعر الرسمي، وهو فارق يعكس حجم الضغوط على سوق الصرف وحجم الطلب على النقد الأجنبي.

لكن الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحميد الفضيل ينظر إلى القرار من زاوية مختلفة، حيث يرى أنه قد يخدم كبار التجار القادرين على الحصول على الاعتمادات المستندية، بينما يضع صغار التجار الحقيقيين أمام أعباء أكبر، من دون معالجة أصل أزمة العملة الأجنبية.

وقال الفضيل، في منشور عبر «فيسبوك»، إن ما سماهم «حيتان الاعتمادات» يحصلون على عشرات الملايين من النقد الأجنبي لإعادة بيعها في السوق الموازية، بينما يتضرر صغار التجار، متسائلاً عن جدوى شراء الدولار بـ9.28 دينار، إذا كان متاحاً عبر القنوات الرسمية بسعر أقل.

والاعتمادات المستندية هي تسهيلات مصرفية تتيح للتجار الحصول على العملة الأجنبية بالسعر الرسمي لتمويل عمليات الاستيراد، لكنها أثارت خلال السنوات الماضية انتقادات وشبهات تتعلق بمدى وصول النقد الأجنبي إلى المستوردين الحقيقيين، واستخدامه في الأغراض المخصصة له.

وتزايدت هذه المخاوف مع إجراءات رقابية حديثة؛ إذ أعلنت هيئة الرقابة الإدارية الاشتباه في وجود مخالفات مرتبطة بإجراءات الاعتمادات المستندية لدى نحو 500 شركة، ما أعاد إلى الواجهة قضية توزيع النقد الأجنبي ومدى سلامة عمليات الاستيراد.

وكانت وزارة الاقتصاد والتجارة قد أصدرت في 18 أغسطس (آب) الماضي قراراً بوقف نشاط 27 شركة مرتبطة بثلاثة مستفيدين من عائلة واحدة، بعدما تجاوزت قيمة الاعتمادات الممنوحة لها 146 مليون دولار، في واقعة سلطت الضوء على مخاطر تركز الاستفادة من النقد الأجنبي.

ولا يخلو القرار من دلالة سياسية؛ إذ يرى الشريف أن توحيد الإجراءات بين وزارتي الاقتصاد في الشرق والغرب يمكن أن يمثل خطوة أولى نحو تقارب المؤسسات الاقتصادية، وصولاً إلى سياسات موحدة وقرار اقتصادي يصدر مستقبلاً عن حكومة ليبية واحدة.