طائرة مُسيّرة تستهدف ميناءً نفطياً في الزاوية الليبية

الحادث فجّر مخاوف حول مستقبل قطاع الطاقة وتحذيرات من هروب المستثمرين

موقع لإنتاج النفط بأحد الحقول الليبية (المؤسسة الوطنية للنفط)
موقع لإنتاج النفط بأحد الحقول الليبية (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

طائرة مُسيّرة تستهدف ميناءً نفطياً في الزاوية الليبية

موقع لإنتاج النفط بأحد الحقول الليبية (المؤسسة الوطنية للنفط)
موقع لإنتاج النفط بأحد الحقول الليبية (المؤسسة الوطنية للنفط)

في تطور نوعي للنزاع المسلح في غرب ليبيا، أعلنت شركة ليبية لتكرير النفط، السبت، تعرض أحد خزانات مصفاة الزاوية، إحدى أكبر منشآت التكرير في البلاد، لهجوم بطائرة مُسيّرة، ما أدى إلى إحداث ثقبين في جدار الخزان، وتسرب مادة نفطية شديدة الاشتعال.

وأثارت هذه الواقعة مخاوف متصاعدة حول مستقبل قطاع الطاقة في ليبيا، مع انتقال استخدام الطائرات المُسيّرة إلى ميناء الزاوية النفطي، الذي يضم المصفاة، ويعد من المنشآت الحيوية في منظومة النفط بالبلاد.

وأفادت شركة «الزاوية لتكرير النفط»، في بيان، بأن الحادث وقع فجر السبت، عندما اصطدمت طائرة مُسيّرة بأحد خزانات المصفاة، وانفجرت عند ارتطامها بجدار الخزان، ما تسبب في إحداث ثقبين وتسرب منتج النافثا منه.

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث، لكن استهداف المصفاة يأتي بعد أيام من اشتباكات شهدتها مدينتا الزاوية وصرمان بين مجموعات مسلحة محلية، وسط تداول معلومات ومقاطع مصورة عن استخدام طائرات مُسيّرة خلال المواجهات. ويزيد وقوع المصفاة في محيط هذه التوترات من المخاوف بشأن تعرض المنشآت النفطية لأضرار مباشرة نتيجة القتال.

قاطرة نفطية في ميناء الزاوية الليبي (شركة الزاوية لتكرير النفط)

ويرى الباحث العسكري محمد الترهوني أن استهداف مصفاة الزاوية، بالتزامن مع الحديث عن استخدام طائرات مُسيّرة في الاشتباكات الأخيرة بين المجموعات المسلحة في مدينتي الزاوية وصرمان، يثير مخاوف من انتقال أدوات الصراع إلى استهداف المنشآت النفطية.

واعتبر الترهوني أن استخدام المُسيّرات في محيط منشأة حيوية بهذا الحجم، إذا تأكد ارتباطه بالهجوم، «يمثل تطوراً خطيراً في طبيعة التهديدات التي تواجه قطاع النفط الليبي»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن وصول المواجهات المسلحة إلى محيط منشآت الطاقة يرفع مستوى المخاطر الأمنية والاقتصادية.

وسارعت الشركة في بيانها، السبت، إلى الطمأنة بأن فرقها تمكنت من «احتواء الموقف وإيقاف التسرب، من دون تسجيل حرائق أو إصابات في صفوف العاملين. لكنها أعربت عن (استيائها الشديد) من وجود معدات حربية داخل حرم المصفاة»، عادّةً أن ذلك يشكل «خطراً كبيراً وجسيماً» على الأرواح والممتلكات والبيئة المحيطة.

وجددت الشركة دعوتها جميع الأطراف إلى النأي بمرافقها عن الاشتباكات والظواهر المسلحة، مشددة على حساسية المصفاة وعملياتها ومعداتها، وأكدت أن سلامة العاملين والمنشآت واستمرارية الإنتاج تمثل «أولوية قصوى».

غير أن الخبير النفطي محمد الشحاتي يرى أن للحادث «دلالات خطيرة»، إذ لا تقتصر تداعياته على استهداف منشأة لتكرير النفط، بل تمتد إلى التأثير المحتمل على صادرات النفط الليبية، خصوصاً مع وصول هجمات الطائرات المُسيّرة إلى منشأة نفطية حيوية، بما يوسع نطاق المخاطر التي تواجه قطاع النفط في البلاد، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

تعرضت حقول النفط عدة مرات للهجوم من طرف محتجين طالبوا بالتنمية في مناطقهم المنتجة للنفط (متداولة)

وتكتسب مصفاة الزاوية أهمية خاصة بالنسبة إلى السوق المحلية، إذ تقع على بُعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، وتبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يومياً، ما يجعلها من أبرز منشآت تكرير وتوفير المنتجات النفطية في البلاد، خصوصاً مع استمرار تعطل مصفاة رأس لانوف، الأكبر من حيث الطاقة التكريرية.

كما ترتبط المصفاة بمنظومة الإمدادات النفطية في المنطقة وبحقل الشرارة، أحد أبرز حقول النفط الليبية، بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 300 ألف برميل يومياً.

ويظل النفط المصدر الرئيسي لإيرادات ليبيا، حيث يبلغ إنتاجها الخام حول 1.4 مليون برميل يومياً، حسب أرقام رسمية، فيما تتوقع المؤسسة الوطنية للنفط (حكومية) ارتفاع إنتاج الخام إلى 1.5 مليون برميل منتصف العام المقبل.

ويبدو أن ليبيا انتقلت بعد سنوات من إغلاق المنشآت النفطية، وتعطيل الإنتاج بسبب الاحتجاجات والصراعات، إلى مرحلة جديدة تتمثل في «استخدام الطائرات المُسيّرة داخل المنشآت النفطية»، وفق الخبيرة النفطية نجوى البشتي، التي حذرت من أن «الخطورة لم تعد تقتصر على تعطيل الإنتاج، بل أصبحت تهدد حياة الناس والبيئة والمنشآت النفطية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «إصابة خزانات أو وحدات إنتاجية قد تفضي إلى تداعيات تتجاوز الخسائر التشغيلية إلى مخاطر بيئية وبشرية واسعة».

وترى البشتي، وهي رئيسة سابقة لقسم التعاقدات بالمؤسسة الوطنية للنفط، أن «استمرار هذه الهجمات قد ينعكس أيضاً على جاذبية ليبيا الاستثمارية»، موضحة أن «المستثمرين لن يستطيعوا الوثوق في بيئة لا تتوافر فيها الحماية الكافية للمنشآت النفطية»، وأن الشركات الأجنبية، ومن بينها الشركات الأميركية العاملة أو الراغبة في دخول قطاع النفط الليبي «قد تعيد التفكير في استثماراتها في ظل هذه المخاطر».

كما نبهت إلى انعكاسات الوضع الأمني على قطاع التأمين، موضحة أن «شركات التأمين ستواجه صعوبة في العمل في ظل ارتفاع مستوى المخاطر»، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة كلفة التأمين على المنشآت والمشروعات النفطية، ويضيف عبئاً جديداً على الاستثمارات في القطاع.

ويعيد الحادث إلى الواجهة إشكالية انتشار المجموعات المسلحة في غرب ليبيا، وقدرتها على فرض نفوذها في مناطق تضم منشآت حيوية، في وقت لا تزال فيه المؤسسات الأمنية والعسكرية منقسمة بين أطراف وقوى متعددة.

وحمّلت البشتي حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، جانباً من المسؤولية عن استمرار هذا الوضع، عادّةً أن الحكومة «غير قادرة على السيطرة على المجموعات المسلحة»، محذرة من أن استمرار ذلك «يعرض قطاع النفط الليبي لخطر كبير، ويهدد أحد أهم مصادر الإيرادات في البلاد».

البشتي حملت حكومة الدبيبة جانباً من المسؤولية عن عدم السيطرة على المجموعات المسلحة (الوحدة)

وحسب محللين فإن استهداف خزان داخل مصفاة الزاوية، في حال ثبت ارتباطه بالمواجهات المسلحة في المنطقة، يمثل مؤشراً جديداً على اتساع دائرة المخاطر المحيطة بقطاع النفط الليبي، الذي ظل خلال السنوات الماضية هدفاً للاحتجاجات والإغلاقات والصراعات بين القوى المحلية؛ لكنه يواجه الآن تهديداً أكثر تعقيداً مع دخول الطائرات المُسيّرة إلى المشهد.


مقالات ذات صلة

أزمة انقطاع الكهرباء تجدد الاحتجاجات في غرب ليبيا

شمال افريقيا انتشار أمني كثيف في طرابلس لتعزيز الأمن بعد الاحتجاجات (متداولة)

أزمة انقطاع الكهرباء تجدد الاحتجاجات في غرب ليبيا

أعادت أزمة انقطاع الكهرباء في غرب ليبيا إشعال احتجاجات شعبية، بعدما أغلق محتجون الطريق الساحلي عند مدخل مدينة صبراتة، وسط توتر مع مدينة صرمان المجاورة.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا طلاب من كلية الطب بالمرج بجامعة بنغازي يؤدون الامتحان (الصفحة الرسمية للجامعة)

ليبيا تفتح «الصندوق الأسود» للشهادات الجامعية «المزوّرة»

تنشغل ليبيا بقرار النائب العام الصديق الصور، إلزام الجهات الحكومية باقتصار التعيين أو التعاقد على خريجي الجامعات والمعاهد الخاصة المستوفين لضوابط الاعتماد.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مستقبلاً قادة تشكيلات مسلحة على مأدبة إفطار في رمضان الماضي (مكتب الدبيبة)

لماذا لا تُحاكم الميليشيات المسلحة في ليبيا؟

فرضت الاشتباكات المسلحة التي شهدتها مدينتا الزاوية وصرمان بغرب ليبيا تساؤلات بشأن عدم محاسبة المتورطين في مثل هذه الأحداث، رغم توثيق ما ارتكبته من «جرائم».

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من أعمال الصيانة بمسار «النهر الصناعي» (أرشيفية من إدارة النهر الصناعي)

نهر القذافي «الصناعي» مهدد بالاعتداءات وانقطاع الكهرباء

أعاد مسؤول بـ«النهر الصناعي» الذي شيده القذافي قبل 4 عقود، ما تتعرض له هذه المنظومة الحيوية من اعتداءات إلى واجهة الأحداث، وسط تحذيرات من انهيارها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية التركي فيدان خلال مباحثاته مع مستشار رئيس حكومة «الوحدة» الليبية للأمن القومي ونائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي (الخارجية التركية)

ما أهداف أنقرة من تحركاتها المكثفة مع القيادات العسكرية الليبية؟

يرى مراقبون أن هذا الانفتاح التركي المتزايد على طرفي الانقسام الليبي يعكس محاولة لإعادة تموضع سياسي يواكب المتغيرات الإقليمية والدولية.

علاء حموده (القاهرة)