البرهان يفتح باب الحوار ويتمسك بحسم «الدعم السريع»

ضمانات وحصانات للمشاركين... و«صمود» يرفض الحوار تحت دوي المدافع

TT

البرهان يفتح باب الحوار ويتمسك بحسم «الدعم السريع»

البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)

أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، موافقته رسمياً على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لإطلاق حوار سوداني خالص داخل البلاد، يستوعب جميع القوى السياسية والمدنية، متعهداً، في الوقت نفسه، بمواصلة القتال حتى دحر تمرد «قوات الدعم السريع» من جميع أنحاء البلاد.

وقال البرهان، في كلمة ألقاها مساء الجمعة بمناسبة مرور 72 عاماً على سودنة الجيش: «في ظل هذا الواقع السياسي المأزوم، بادرت مجموعة من السودانيين بطرح رؤيتها للعمل بوصفها آلية وطنية مستقلة تهيئ لحوار سوداني شامل، بهدف الوصول إلى توافق وطني جامع يضع البلاد على طريق الاستقرار». وأضاف أنه وافق على طلبهم توفير الضمانات الضرورية لانعقاد الحوار، وتيسير مشاركة أطرافه، وحماية سلامتهم.

وأكد البرهان استعداد الدولة لتوفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية اللازمة، من دون أن تكون هي الجهة المنظمة للحوار. وأشار إلى أن توفير هذه الضمانات لا يعني أن الدولة تهيمن على الحوار، أو تحدد أطرافه، أو ترسم أجندته، أو تتحكم في مخرجاته، أو توفر له رعاية سياسية.

وأوضح البرهان أن «الإجراء الذي تتخذه الدولة في مواجهة أي من المشاركين في الحوار لا يُعدّ عفواً، وإنما يعني وقف الإجراءات الجنائية التي سبق أن اتخذتها الدولة في مواجهته».

وفي هذا الصدد، قال البرهان إن هذه الإجراءات تمثّل «حصانة مؤقتة» تقتضيها ضرورة تهيئة الظروف الملائمة لضمان مشاركة الأطراف من دون ملاحقة قانونية، لكنها لا تسقط الحق الخاص المترتب على أي من المشاركين في الحوار. لكنه أكد أيضاً منح حصانة قانونية كاملة ودائمة للآراء والمواقف التي يطرحها المشاركون خلال الحوار، بما يحول دون اتخاذ أي إجراءات جنائية أو مدنية أو إدارية ضد أي مشارك، بموجب أي قانون، بسبب ما يطرحه من آراء ومواقف داخل جلسات الحوار.

البرهان والعطا والكباشي وجابر خلال احتفالات «عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)

وقال رئيس مجلس السيادة إن نجاح الحوار الوطني يقتضي تهيئة مناخ من الحريات، يتيح للمواطنين والقوى السياسية والمجتمعية التعبير بحرية تامة عن آرائهم ومواقفهم إزاء القضايا المطروحة للنقاش، ونقدها أو تأييدها، من دون خوف أو تضييق. وشدد البرهان على عدم القبول بسلام منقوص يعيد «قوات الدعم السريع» ومسانديها إلى السلطة، أو يسمح لهم بالمشاركة فيها. وقال إن الطريق إلى السلام يبدأ بإلقاء هذه القوات السلاح، وتجميع عناصرها في مناطق محددة، على أن يُنظر، بعد ذلك، في أوضاع المقاتلين الذين لم يرتكبوا جرائم.

وجدّد البرهان تأكيده أن الجيش سيظل يؤدي واجبه الدستوري في حماية الأمة السودانية، من دون موالاة أي جهة أو الخضوع لأي إرادة سوى إرادة الشعب. وأشار، خلال كلمته، إلى أنه بدأ إجراء مشاورات مع القوى الوطنية والفئوية التي ساندت الجيش في الحرب الدائرة حالياً في البلاد، بهدف إشراكها في مؤسسات الحكم.

الكتلة الديمقراطية ترحب

وفي السياق نفسه، رحّب المتحدث الرسمي باسم «الكتلة الديمقراطية»، محمد زكريا، بدعم رئيس مجلس السيادة لإطلاق حوار سوداني شامل وتهيئة المناخ الملائم لانعقاده، لافتاً إلى أن ذلك يمثّل خطوة مهمة لمعالجة الأزمة عبر مسار سياسي وطني.

وقال زكريا، في بيان صحافي السبت: «ندعو جميع القوى السياسية والمدنية إلى الانخراط الجاد في الحوار الوطني، على أن تكون إدارة العملية سودانية خالصة، وأن يقتصر الدور الدولي والإقليمي على التيسير والدعم، من دون التدخل في تحديد المشاركين أو فرض أجندة أو مخرجات على الحوار». وأضاف أن نجاح الحوار يتطلّب إرادة سياسية حقيقية، إلى جانب توسيع قاعدة المشاركة، وصولاً إلى توافق وطني يؤسس لمرحلة انتقالية مستقرة.

ويضم تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالي للجيش عدداً من الكيانات السياسية، أبرزها «الحزب الاتحادي الديمقراطي»، بقيادة جناح جعفر الميرغني، إلى جانب حركات دارفورية مسلحة، من بينها «حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«حركة العدل والمساواة» بزعامة جبريل إبراهيم، فضلاً عن قوى مدنية وسياسية أخرى.

وفي وقت سابق، تحدثت تقارير إعلامية عن أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، بصدد إجراء مشاورات مع تحالف «صمود» بشأن الترتيب لإطلاق حوار سوداني-سوداني داخل البلاد، تشارك فيه مختلف القوى السياسية، باستثناء حزب «المؤتمر الوطني» المحلول و«تحالف تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع». غير أن «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة - صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، استبق المبادرة بإعلانه رفضاً قاطعاً للمشاركة في أي حوار يُعقد تحت دوي المدافع. وشدد التحالف على أن أي عملية سياسية ينبغي أن تكون مستقلة عن هيمنة أي من طرفي الحرب، في إشارة إلى الجيش و«قوات الدعم السريع».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

يوميات أسرة سودانية نازحة... كفاح من أجل البقاء

خاص أسرة رحمة عبد الرحمن تقيم في منزل متواضع (الشرق الأوسط)

يوميات أسرة سودانية نازحة... كفاح من أجل البقاء

لم يعد العمل وسيلة لتحسين مستوى المعيشة أو بناء مستقبل أكثر استقراراً، بل تحول إلى محاولة يومية لتأمين الحد الأدنى من الحياة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز) p-circle

مسيّرات «الدعم السريع» تستهدف مدينة الأُبيّض في السودان

قصفت طائرات مسيّرة يُرجّح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، صباح الاثنين، المدينة الرياضية وكلية شيكان الجامعية ومنشآت عامة في مدينة الأُبيّض.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)

غلاء الوقود وندرته... أزمة متكررة في السودان فاقمتها الحرب

قبل أن تبدأ ساعات العمل، تكون طوابير السيارات في العاصمة السودانية الخرطوم قد بدأت زحفها اليومي نحو محطات الوقود.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
أفريقيا أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

يتزامن التقدم العسكري مع اتساع رقعة القتال إلى إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي ومخاوف من انهيار اتفاق السلام.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا - لندن)
شمال افريقيا البرهان مستقبِلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يرد على رفض تأشيرته: لا نخضع للابتزاز

أبدى رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان رفضه لما وصفه بـ«الابتزاز»، معلناً عدم رغبته في الحصول على أي «تأشيرة»، وبقاءه في السودان.

أحمد يونس (كمبالا)

مصر «لن تطعن» على حكم إيطالي بإدانة 3 من ضباطها في قضية ريجيني

باولا والدة الإيطالي جوليو ريجيني عقب صدور الحكم (أ.ف.ب)
باولا والدة الإيطالي جوليو ريجيني عقب صدور الحكم (أ.ف.ب)
TT

مصر «لن تطعن» على حكم إيطالي بإدانة 3 من ضباطها في قضية ريجيني

باولا والدة الإيطالي جوليو ريجيني عقب صدور الحكم (أ.ف.ب)
باولا والدة الإيطالي جوليو ريجيني عقب صدور الحكم (أ.ف.ب)

لا تعتزم مصر الطعن على حكم قضائي إيطالي أدان ثلاثة مسؤولين أمنيين مصريين غيابياً ​بالتورط في خطف الباحث جوليو ريجيني الذي عثر على جثته بعد أيام من اختفائه في القاهرة عام 2016 وعليها «آثار تعذيب».

ونفى مصدر دبلوماسي مصري مسؤول استئناف بلاده على الحكم، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن مصر «تجاهلت مسار المحاكمة في هذه القضية منذ البداية ولن تتفاعل معها»، مستبعداً أن تتأثر العلاقات بين البلدين بالحكم.

وقضت محكمة إيطالية، الاثنين، بسجن 3 ضباط مصريين، لمدة 10 سنوات، بعد إدانتهم بالضلوع في «خطف ريجيني واحتجازه»، في حين برأت المحكمة اللواء طارق صابر، الرئيس السابق ‌لجهاز الأمن الوطني، في القضية التي تنفي مصر أي ضلوع لأجهزة الدولة فيها.

وحوكم الأربعة غيابياً بموجب التشريعات الإيطالية التي تسمح بمقاضاة مرتكبي الجرائم بحق مواطنين إيطاليين في الخارج. وقالت السلطات الإيطالية إنها لم تستطع تحديد مكان وجود المتهمين.

عائلة ريجيني وزعيمة الحزب الديمقراطي يحملون لافتة أمام محكمة «بيازال كلوديو» قبيل النطق بالحكم في القضية (إ.ب.أ)

وكان ريجيني، وهو طالب دراسات عليا في جامعة كمبردج البريطانية، اختفى في العاصمة المصرية في 25 يناير (كانون الثاني) 2016. وعثر على جثته ‌بعد ذلك بنحو ‌أسبوع. وتسببت القضية في توتر في العلاقات بين القاهرة وروما.

وينظر المصدر الدبلوماسي المصري، بإيجابية، لبعض النقاط التي تضمنها قرار المحكمة الإيطالية، موضحاً من دون الإفصاح عن هويته أن «الحكم لم يوجه إدانة للمؤسسات الحكومية المصرية، وإنما عاقب أفراداً على تصرفات فردية، كما أنه برأ المتهم الأول في القضية وهو مسؤول في جهاز أمني».

وأشار المصدر إلى أن «الحكم أسقط أيضاً تهم القتل على المتهمين، وعاقبهم على شبهة الخطف والاحتجاز، ما ينفي أي تهم للتعذيب حسبما كان يتردد».

وبدأت المحاكمة في 2021، لكنها تأجلت بسبب نزاعات قضائية حول إبلاغ المتهمين بالإجراءات القضائية بالصورة الصحيحة.

ورغم أن الحكم الصادر أولي من القضاء الإيطالي، فإن المصدر نفى عزم بلاده «الاستئناف»، مؤكداً أن القاهرة «تتجاهل مسار القضية منذ بدايتها»، وأن «استئناف الحكم يعني تقديم طلب رسمي للقضاء الإيطالي، وهذا غير وارد، لأنه لا يوجد أي تفاعل مصري على المستوى الرسمي مع المحاكمة منذ بدايتها».

وتدهورت العلاقات بين إيطاليا ومصر بشدة عقب مقتل ريجيني، لكنها تعافت تدريجياً في السنوات القليلة الماضية على الرغم من المطالبات المستمرة من أسرة ريجيني ومنظمات حقوق الإنسان بمحاسبة المسؤولين.

ويثق المصدر في أن العلاقات المصرية-الإيطالية لن تتأثر بالحكم الأخير، مؤكداً أن «العلاقات بين القاهرة وروما في تطور»، مذكراً بانعقاد اللجنة العليا المشتركة بين البلدين بداية الشهر الحالي.

واستضافت القاهرة في الثالث من سبتمبر (أيلول) الحالي اللجنة العليا المشتركة بين مصر وإيطاليا برئاسة وزيري الخارجية، لأول مرة منذ عام 2014، كما عقد منتدى الأعمال بين الجانبين لبحث تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.

وتفصل القاهرة وروما بين العلاقات الثنائية، وبين إجراءات قضية ريجيني، وفق عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك اتفاقاً بين مصر وإيطاليا على تعزيز العلاقات المشتركة في مختلف المجالات»، إلى جانب «التعامل مع ملف قضية الباحث الإيطالي باعتبارها جريمة استثنائية فردية، تعالج بشكل قانوني».

وأشار رخا إلى أن «القضية أثرت على العلاقات المصرية الإيطالية لفترة بدليل أن هناك بعض الاستثمارات توقفت بعد الحادث، لكن هذا الوضع اختلف حالياً، بعد تفاهمات سياسية بين البلدين».

ونوه إلى أن «أي تفاعل مصري مع الحكم يعني الاعتراف بارتكاب جريمة، لذلك يبقى التجاهل المصري للملف هو الخيار الأقرب».

وقالت المحكمة الإيطالية إن الضباط الثلاثة المدانين في القضية يجب أن يدفعوا تعويضات لأسرة ريجيني وللحكومة الإيطالية.

وأثار الحكم في قضية ريجيني ردود فعل متباينة في الداخل الإيطالي، حيث أشار وزير الخارجية أنطونيو تاياني إلى أن «مصر لم تدن في القضية، بل أدين 3 أشخاص».

Your Premium trial has ended


مساعٍ أممية - عربية لتفكيك العقدة الليبية

الأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي مستقبلاً المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه الثلاثاء (البعثة الأممية)
الأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي مستقبلاً المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه الثلاثاء (البعثة الأممية)
TT

مساعٍ أممية - عربية لتفكيك العقدة الليبية

الأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي مستقبلاً المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه الثلاثاء (البعثة الأممية)
الأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي مستقبلاً المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه الثلاثاء (البعثة الأممية)

في إطار تحركات أممية لحلحلة الأزمة الليبية، أطلعت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، على التطورات السياسية والأمنية الأخيرة في ليبيا، بما في ذلك اتفاق الاجتماع المصغر المعروف بلجنة «4 + 4»، والخطوات المقبلة.

والتقى فهمي المبعوثة الأممية في مقر الجامعة العربية، الثلاثاء، وتمحور اللقاء حول مجمل الأزمة السياسية في ليبيا، لا سيما بعد توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» برعاية أممية، في نهاية أغسطس (آب) الماضي، بين أطراف من غرب ليبيا وشرقها.

وقالت البعثة الأممية إن تيتيه - التي هنأت الأمين العام بمناسبة توليه قيادة الجامعة - أشارت إلى توصيات «الحوار المُهيكل»، مسلطة الضوء على أهمية دمج مخرجات هذا الحوار في «الجهود الجماعية» الرامية إلى تهيئة الظروف المواتية لإجراء الانتخابات خلال 24 شهراً.

وتضمنت توصيات الحوار تشكيل حكومة انتقالية لإدارة الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز عامين، في حين نصت مخرجات لجنة «4 + 4» على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وحسم النقاط العالقة في القوانين المنظمة لها؛ تمهيداً لإجراء الاستحقاقين الرئاسي والتشريعي خلال عامين في حد أقصى، تحت مظلة سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات موحدة.

المبعوثة الأممية في ليبيا هانا تيتيه أثناء توقيع اتفاق «4 + 4» يوم 30 أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

وتأتي هذه التحركات في سياق جهود يراها متابعون متناسقة «لتفكيك العقدة الليبية»، وإحداث خرق في جدار الانسداد السياسي الممتد، عبر تحويل التوافقات الأولية إلى خطوات إجرائية ملموسة تُعيد إلزام الأطراف بالمسار الانتخابي.

من جانبه، أعرب الأمين العام للجامعة العربية عن دعمه لجهود الأمم المتحدة في ليبيا، مشدداً على «أهمية مبدأ الملكية الليبية للعملية السياسية». كما أكد مجدداً على «ضرورة التنسيق مع المنظمات الإقليمية كافة، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، للتوصل إلى حل سياسي مستدام في ليبيا».

«الحوار المهيكل»

كانت تيتيه قد أطلقت في 21 أغسطس الماضي «خريطة طريق» لمعالجة الانقسام السياسي عبر مسارات عدة، شملت إعداد إطار تشريعي توافقي للانتخابات أُوكل إلى مجلسي النواب و«الدولة»، إلى جانب «حوار مهيكل» بمشاركة 120 شخصية لبحث جذور الصراع وتذليل عقبات الاستحقاق الانتخابي.

وعقب تعثر المجلسين في إنجاز مهامهما، شكلت البعثة لجنة «4 + 4» المشتركة كآلية تفاوض مصغرة تضم ممثلين عن شرق ليبيا وغربها.

في السياق ذاته، دعت البعثة الأممية منظمات المجتمع المدني والقادة في جميع أنحاء ليبيا لعقد لقاءات عامة حول توصيات «الحوار المُهيكل»، بهدف تحويلها إلى واقع.

وقالت البعثة، الثلاثاء، إن هذه اللقاءات «تهدف إلى توعية الليبيين بتوصيات (الحوار المُهيكل) ومخرجاته، ومناقشة سبل دعم تنفيذها»، وأشارت إلى أنها أعدت «مجموعة أدوات إرشادية لتسهيل قيادة هذه اللقاءات، وتتضمن دليلاً للميسّرين وثلاثة كتيبات تعريفية».

وتتناول التوصيات التحديات قصيرة وطويلة الأمد التي تواجه البلاد في مجالات الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان. وهي نتاج ستة أشهر من المداولات بدأت في أوائل العام الحالي، وشارك فيها نحو 120 ليبياً وليبية.

ونوهت إلى أن التوصيات صيغت بناءً على المشاركة العامة عبر استطلاعات الرأي الإلكترونية واللقاءات التي قادتها المجتمعات المحلية، «مما يعكس عملية بقيادة ليبية تهدف إلى دعم الاستقرار طويل الأمد، وتأسيس مؤسسات فعالة، وضمان مشاركة شاملة للجميع».

وتركز هذه اللقاءات على تحديد الإجراءات العملية التي يمكن أن تساعد في تطبيق التوصيات على أرض الواقع. وتأمل البعثة أن يتولى الفاعلون المجتمعيون وممثلو مؤسسات المجتمع المدني تنظيم وتيسير هذه النقاشات، ومشاركة آرائهم وملاحظاتهم عبر نموذج إلكتروني متاح على موقع البعثة على الإنترنت.

وفي هذا السياق، قالت ستيفاني خوري، نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للشؤون السياسية: «من المهم أن تكون أصوات الليبيين هي الموجه للخطوات المقبلة، بما يسهم في توجيه جهود المناصرة، وتشكيل آليات التنفيذ، والمساعدة في تحويل الرؤية الوطنية المشتركة إلى تقدم ملموس للمجتمعات في جميع أنحاء ليبيا».

لقاء بولس والطرابلسي

وفي العاصمة الأميركية واشنطن، التقى مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، الثلاثاء، مع عماد الطرابلسي وزير الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة.

مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية يلتقي بعماد الطرابلسي وزير الداخلية بـ«الوحدة» في واشنطن يوم الثلاثاء (وزارة الداخلية)

وتناول اللقاء، حسب وزارة الداخلية، عدداً من القضايا المرتبطة بالملف الأمني، وسبل دعم التعاون بين المؤسسات الأمنية الليبية والأميركية، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار، وتطوير القدرات الأمنية، وتبادل الخبرات في المجالات محل الاهتمام المشترك.

كما ناقش الجانبان ملف الهجرة غير النظامية، والجهود المبذولة لمكافحة هذه الظاهرة والحد من تداعياتها، وتعزيز التعاون والتنسيق في مواجهتها، بما يدعم أمن الحدود ويعزز قدرة المؤسسات المختصة على التعامل مع هذا الملف.

وجرى التأكيد على أهمية استمرار التواصل والتنسيق بين الجانبين، ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز أمن ليبيا واستقرارها، وترسيخ عمل المؤسسات الأمنية وفق الإطار القانوني والمؤسسي.

وسبق لبولس طرح مبادرة بشأن ليبيا تعتمد على إنهاء الانقسام السياسي والعسكري، في ظل وجود مبادرة أممية، لكنها بدت متعثرة. وتشير تسريبات إلى أن المبادرة تقضي بتولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، مقابل وجود رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، على رأس حكومة موحدة.

غير أن بولس قال في تصريحات إعلامية إن المبادرتين الأميركية والأممية «مكملتان لبعضهما».


فاطمة الزهراء المنصوري تدخل التاريخ السياسي للمغرب من أوسع أبوابه

فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المغربية (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المغربية (أ.ف.ب)
TT

فاطمة الزهراء المنصوري تدخل التاريخ السياسي للمغرب من أوسع أبوابه

فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المغربية (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المغربية (أ.ف.ب)

في خطوة تاريخية غيّرت ملامح المشهد السياسي في المملكة المغربية، وتجاوزت أصداؤها العواصم المغاربية والعربية، عيّن العاهل المغربي الملك محمد السادس رسمياً، فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة (البام)، رئيسةً للحكومة.

وبهذا التكليف الملكي الرفيع، تدلف المنصوري إلى مقر رئاسة الحكومة في المشور السعيد بالرباط كأول امرأة تتقلد سدة الرئاسة التنفيذية في تاريخ البلاد الحديث، لتقود مرحلة سياسية استثنائية محملة برهانات الدولة الاجتماعية الثقيلة، وملفات استراتيجية كبرى تضع المغرب على مشارف تنظيم نهائيات كأس العالم 2030.

فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المغربية (أ.ف.ب)

النشأة والبيئة السياسية الأولى

وُلدت فاطمة الزهراء المنصوري في مدينة مراكش في 3 يناير (كانون الثاني) 1976، وتبلغ من العمر حالياً 50 عاماً. نشأت المنصوري في كنف عائلة سياسية وعسكرية عريقة تنحدر من منطقة الرحامنة، بالقرب من مدينة مراكش فوالدها هو الراحل عبد الرحمن المنصوري، الذي شغل منصب باشا (نائب محافظ) مدينة مراكش لثلاثة عقود، فضلاً عن كونه سفيراً سابقاً للمملكة لدى الإمارات.

هذه البيئة الأسرية جعلتها قريبة منذ طفولتها من عوالم الإدارة والسياسة والدبلوماسية، حيث تأثرت بنقاشات والدها وحججه القانونية؛ ما صقل وعيها المبكر ودفعها لاختيار درب القانون والعمل العام.

فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المغربية (أ.ف.ب)

التكوين الأكاديمي والرحلة الدراسية

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، حيث نالت شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) من ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة. واصلت مسارها الأكاديمي في مجالات القانون والتدبير، فشدت الرحال صوب فرنسا حيث حصلت على دبلوم الدراسات المعمقة (DEA) في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه.

وعززت تكوينها بدبلوم في قانون الأعمال الأنغلوسكسوني من جامعة نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن نيلها الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

هذا المزيج الفريد منحها تكويناً قانونياً رصيناً وشاملاً يجمع بين مرونة الأنظمة المعاصرة وعمق القوانين الوطنية.

فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المغربية (أ.ف.ب)

المسار المهني والانطلاقة نحو السياسة

عقب إنهاء دراستها، أسست المنصوري شركة محاماة ناجحة متخصصة في قانون المعاملات العقارية والتجارية في مراكش، واكتسبت شهرة واسعة كمحاماة بارعة ومحنكة.

في عام 2008، ومع تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة (البام)، قررت دخول المعترك السياسي من أوسع أبوابه. ولم يتأخر بزوغ نجمها، ففي عام 2009 فاجأت الأوساط السياسية بانتخابها عمدةً لمدينة مراكش وهي في الثالثة والثلاثين من عمرها، لتصبح آنذاك أول امرأة تترأس المجلس البلدي للمدينة السياحية الأولى في المملكة، وثاني امرأة تتولى منصب العمدة في تاريخ المغرب كله.

الترقي في مناصب الدولة والمسؤولية الحزبية

على امتداد العقدين الماضيين، راكمت المنصوري تجربة واسعة في التدبير المحلي والتشريعي والحكومي، حيث انتُخبت عضواً بمجلس النواب لولايات عدة. وفي سبتمبر (أيلول) 2021، أثبتت شعبيتها الجارفة في قواعدها الانتخابية بعودتها مجدداً لقيادة عمودية مراكش. أهلها هذا الحضور القوي ليختارها العاهل المغربي الملك محمد السادس في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 لتشغل منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.

وفي فبراير (شباط) 2024، قادت تحولاً تنظيمياً رئيسياً داخل حزب «الجرار» بتوليها منصب منسقة القيادة الجماعية للأمانة العامة للحزب، وهو الموقِع الذي أهّلها لاحقاً لقيادة دفة الحزب نحو صدارة المشهد السياسي ونيل ثقة القصر الملكي لتشكيل الحكومة.

العهد الجديد: التحديات والرهانات الكبرى

ولا تكاد تنحصر القيمة السياسية لصعود المنصوري إلى سدة الرئاسة التنفيذية في رمزيتها النسائية التاريخية فحسب، بل إنها تضع المملكة أمام محك تنفيذي مغاير يزاوج بين الصرامة القانونية والديناميكية الميدانية.

وفي بيئة إقليمية ودولية بالغة الحرج، ستكون حكومة المنصوري مطالبة بتقديم إجابات سريعة وناجعة لانتظارات الشارع المغربي، وجسر الهوة التنموية بين الحواضر والهوامش.

وبين إرث التدبير المحلي في مراكش وثقل المسؤولية الوطنية في الرباط، ترسم «المرأة الحديدية» معالم حقبة جديدة؛ حيث لن يقاس نجاح تجربتها بكسر الاحتكار الذكوري للسلطة، وإنما بمدى قدرتها على عبور المغرب نحو أفق «الدولة الاجتماعية» وتأمين استحقاقات الرهانات الكبرى التي تحدد ملامح مستقبل البلاد.